القربان/ الأضحية

القربان / الأضحية

معناه:

القربان ما يتقرب به إلى الله تعالى كما تدل عليه كلمة “قربان” التي وردت في القرآن الكريم ثلاث مرات  بهذا المعنى. قال تعالى:{وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آَدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا …} (المائدة 27) {فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ قُرْبَاناً آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ }(الأحقاف28) {الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلاَّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّىَ يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءكُمْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} (آل عمران، 183) وفي الحديث (الصَّلَاةُ قُرْبَانٌ،…) [1]يتبين لنا من خلال الآيات والحديث أنّ القربان: ما يتقرب به إلى الله، وصار في التعارف اسما للنسيكة التي هي الذبيحة، وجمعه: قرابين[2].

تاريخه

يمتد تاريخ القربان إلى أبي البشر آدم عليه السلام لأنه تعالى أخبرنا أن ابني آدم أدَّيا عبادة القربان بقوله: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آَدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآَخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} (المائدة، 27) وهذا الفعل منهما يدل على وجود تلك العبادة في شريعة آدم عليه السلام، كما يشير إليها قوله تعالى: {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ} (الحج، 34) لأن الأمة جماعة على رأسهم نبي، وآدم عليه السلام كان نبيا. وهو مع أولاده يسمى أمة. حتى يبعث نبي آخر فيكون مع أتباعه أمة أخرى.

فكان هذا القربان الأول في تاريخ الإنسان؛ حيث تقرب كل من ابني آدم عليه السلام بقربان ليريا من سيقبل منه، والإشارة على قبول قربان أحدهم كان بعلامة تدل عليه يعرفونها، وربما كانت تلك العلامة عبارة عن نزول نار من السماء تأكله، حيث يُفهم هذا من قوله تعالى {الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلاَّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّىَ يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ} (آل عمران 183)، فقول هؤلاء يشير إلى أنّ العلامة المعهودة لقبول القربان هو أكل النار له، وما نفهمه أنّ هذه النار التي تأكل القربان لا بد من خلوها من فعل الإنسان أو الحدث المعتاد، كأن تكون آتية من السماء؛ إذ لو كانت نارا بفعل الإنسان لانتفى أن تكون آية على صدق النبي.

إنّ حادثة فداء إسماعيل عليه السلام تفيد امتداد تاريخ القربان من لدن آدم عليه السلام، قال تعالى: {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ. فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ. وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ. قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ. إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ. وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ} (الصافات، 107)

حكمه في الإسلام

عُرف القربان في الإسلام بما يسوقه الحجيج من الهدي إلى مكة ومنى في أيام حجهم، وعرف كذلك بالأضحية، والأضحية عبادة حضَّ عليها الإسلام، فحكم القربان (الأضحية) فرض على الأمة، فتأثم بتركها جميعا وتبرأ ذمتهم بأداء البعض منهم إياها. قال الله تعالى:

1_ {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ. لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ} (الحج، 28) …..

يتبين من خلال قوله تعالى ” لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ ” و قوله تعالى “ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ” أن الناس الذين أذن إبراهيم عليه السلام بالحج فيهم يأتون إلى مكة لأربعة أشياء: أولها شهادة منافعهم، ثانيها ذبح قرابينهم التي كانوا يذبحونها في ديارهم في أيام يعلمونها، ثالثها قضاء تفثهم وهو الوقوف بعرفة والمبيت بمزدلفة، رابعها طواف البيت العتيق (الكعبة).

2_ {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ. فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ. إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ} (الكوثر،1_3)

في هذه السورة أمر تعالى نبيه عليه السلام أن ينحر، أي أن يتقرب إليه بذبح من بهية الأنعام. وما أُمر به صلى الله عليه وسلم تُؤمر به أمتُه ضمنا ما لم يُبين الله تعالى أن هذا الأمر مخصوص بنبيه كما بين أمر التهجد بقوله “نافلة لك” (الإسراء، من الآية 79). وعندما يعمد النبي إلى تنفيذ أمر ربه، يأمره سبحانه أن يجعل من هذا الذبح خالصا له سبحانه، وقد ورد هذا التوجيه بقوله تعالى {قل إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} (الأنعام،162)

3_ {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ}. (الحج، 34).

وبتلك الآية الكريمة لم يبق شك ولا شبهة في فرضية القربان على أمّة محمد صلى الله عليه وسلم.

شروطه

وبما أن الإسلام حث على الأضحية وندب إليها على اعتبار أنها عبادة لله خالصة له سبحانه، فقد بين النبي صلى الله عليه وسلم شروطا لها ينبغي على المسلم مراعاتها، فهي لله تعالى والله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبا.

وهذه الشروط كالتالي:

الشرط الأول : أن تكون من بهيمة الأنعام فلا تصحُّ من الطيور والأسماك وغيرها قال تعالى {لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ} (الحج: من الآية 34). وبهيمة الأنعام هي : الإبل والبقر والغنم (الضأن ، والماعز)

الشرط الثاني : أن تبلغ السن المقدرة شرعاً بأن تكون جذعة من الضأن وهو ما تم له نصف سنة أو ثنية إبل وهو ما تم له خمس سنين أو الثني من البقر وهو ما تم له سنتان أو الثني من الماعز وهو ما تم له سنة يدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم ( لا تذبحوا إلاّ مسنة _ يعني ثنية _ إلاّ أن تعسر عليكم فتذبحوا جذعة من الضأن )[3]

الشرط الثالث : أن تخلو من العيوب المانعة من الإجزاء وهي أربعة عيوب:

العيب الأول : العور البين وهو انخساف العين أو بروزها أو ابيضاضها ومن باب أولى العمياء.
العيب الثاني : المرض البين وهو الذي يظهر عرضه على البهيمة كالحمى والجرب الظاهر المفسد للحم والجرح العميق ومثلها المبشومة حتى تثلط ويزول الخطر ، ومثلها التي تعسرت ولادتها حتى يزول الخطر.

العيب الثالث : العرج البين وهو ما يمنع مسايرة السليمة ومن باب أولى مقطوعة اليد أو الرجل.
العيب الرابع : الهزال الشديد، ومثلها الزمنى وهي العاجزة عن السير لعاهة.

وقد ذُكرت هذه العيوب في قوله صلى الله عليه وسلم : (أربع لا تجوز في الأضاحي: العوراء البيِّن عورها، والمريضة البين مرضها، والعرجاء البين ضلعها، والعجفاء- يعني الهزيلة- التي لا تنقى)[4].

 وعن علي بن أبي طالب قال أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نستشرف العين والأذن وأن لا نضحي بمقابلة ولا مدابرة ولا شرقاء ولا خرقاء. وفي رواية أخرى زيادة، قال المقابلة ما قطع طرف أذنها والمدابرة ما قطع من جانب الأذن والشرقاء المشقوقة والخرقاء المثقوبة[5].

وعنه رضي الله عنه: نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن عضباء الأذن والقرن[6].

الشرط الرابع : أن نضحي بها في الوقت المحدد شرعاً وهو من بعد صلاة العيد ( يوم النحر ) إلى غروب شمس آخر أيام التشريق ، فأفضل أوقات النحر بعد الصلاة مباشرة وقبل الإشتغال بالعيد والتهنئة به؛ لأن تمام التهنئة تكون بتمام العمل وتمامه بالنحر وإراقة الدم . ثم يتدرج التفضيل بقرب وقت الذبح من صلاة العيد إلى آخر أيام التشريق. قال تعالى {فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ} (البقرة، من الآية 148)
ويجوز ذبح الأضحية في أي وقت ليلاً أو نهاراً على الصحيح من أقوال أهل العلم ، ومن كره الذبح ليلاً قال لتعذر التفريق بين اللحم ولاحتمال إضرار الذابح لنفسه قاله ابن قدامة وهو احتمال منتفٍ في وقتنا هذا ، فيبقى الحكم على جواز الذبح ليلاً أو نهاراً وساعات النهار أفضل .

شروط عامة

الشرط الأول : أن تكون الأضحية ملكاً للمضحي أو مأذوناً له فيها من قبل الشرع كالوارث أو من قبل المالك كالموكل على أضحية غيره ، فلا تصح التضحية بمغصوبة أو مسروقة ولا تجزئ ( والله طيب لا يقبل إلا طيباً ).

الشرط الثاني: أن يذكر اسم الله عند ذبحه لقوله تعالى: {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ} (الحج، 34).

 الشرط الثالث: يُندب لمن عنده قربان يقربه أن لا يأخذ شيئا من شعره ولا من أظفاره لقوله صلى الله عليه وسلم:  (مَنْ كَانَ لَهُ ذِبْحٌ يَذْبَحُهُ فَإِذَا أُهِلَّ هِلَالُ ذِي الْحِجَّةِ، فَلَا يَأْخُذَنَّ مِنْ شَعْرِهِ، وَلَا مِنْ أَظْفَارِهِ شَيْئًا حَتَّى يُضَحِّيَ)[7].

وقف السليمانية/ مركز بحوث الدين والفطرة

الموقع: حبل الله www.hablullah.com

أنس عالم أوغلو



[1]  صحيح ابن حبان،باب فضل الصلوات الخمس، (1751). شعب الإيمان للبيهقي، باب في طيب المطعم والملبس، (5520). مسند أبي يعلى، باب الصلاة قربان والصيام جنة، (1950)

[2]  المفردات للأصفهاني، كتاب القاف، باب قرب.

[3]  أخرجه مسلم، كتاب الأضاحي، باب سن الأضحية رقم (1963)

[4] أخرجه الإمام أحمد (4/284، 289، 300) وأبو داود، كتاب الأضاحي، باب ما يكره من الضحايا (رقم 2802) ، والترمذي، كتاب الأضاحي، باب ما لا يجوز من الأضاحي (رقم 1497)

[5]  سنن الترمذي، قال أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح. باب ما يكره في الأضاحي، (1418). النسائي، باب المقابلة وهي ما قطع طرف أذنها، (4297). المستدرك للحاكم، (7639)

[6]  رواه أبو داود، باب ما يكره في الضحايا، (2423) وسنده صحيح والعضب قطع النصف أو أكثر

[7]  مسلم كتاب الْأَضَاحِيِّ، واللفظ لمسلم، أبوداود، الترمذي، النسائي

Facebook'ta PaylaşTwitter'da Paylaş


 تعليقات القراء:

  1. جزاك الله خيرا
    مما أعلم أن الأضحيّة من قال بأها فرض ومن قال بأنها سنة ومن قال واجب !!
    فكيف حكمك أخي الفاضل بوجوبه على الأمة ولم تبيّن الحكم في حق المسلم؟؟
    شكرا لكم

    • جمال نجم dedi ki:

      فالمُتتبِّعُ لأقوال الفقهاء كما وردتْ في مصادرهم الفقهيَّة يجدُهم مختلفين في حكمها إلى فريقين، وكلا الفريقين لم يأخذ بآيات الكتاب دليلاً على ما ذهب إليه :

      الفريق الأوَّل : يرى الأُضحيةَ واجبةً ويستدلُّون بقوله – عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «مَنْ وَجَدَ سَعةً ولم يُضحِّ فلا يقربنْ مُصلَّانا» أخرجه ابن ماجه. وفي روايةٍ أخرى «مَنْ كان له سَعةٌ ولم يُضحِّ فلا يقربنْ مُصلَّانا» رواه أحمد وابن أبي شيبة وإسحاق بن راهويه وأبو يعلى الموصلي في ” مسانيدهم “، والدَّارقطني في ” سننه ” والحاكم في ” المستدرك ” وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه.

      قال ابن الجوزي في ” التَّحقيق “: وهذا الحديثُ لا يدلُّ على الوجوب كما في حديث: «مَنْ أكَلَ الثُّوم فلا يقربنْ مُصلَّانا» . قوله : سعةً بفتحتين أي غِنى ويسار، وقيل : ممَّا يدلُّ على الوجوب حديثٌ أخرجه البخاري ومسلم عن البراء بن عازب عن أبي بردة بن يسار «قال : يا رسول الله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – إنَّ عندي جذعةً ؟ قال: ” اذبحْها ولن تُجزئ عن أحدٍ بعدك “.» ومثل هذا لا يُستعمل إلَّا في الواجب.

      وأخرجَ الدَّارقطني عن ابن المسيِّب بن شريك حدَّثَنا عبد الملك بن شعبة عن مسروق عن علي عن النبيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «نَسَخَ الأضحى كلَّ ذبح ورمضانُ كلَّ صومٍ» وقال البيهقي: إسنادُه ضعيف بمرة، والمسيَّب بن شريك متروك[7].

      الفريق الثاني : ذهبوا الى أنَّ الأضحيةَ سُنَّةٌ لما روى أنسُ رضي الله عنه أنَّ رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم كان يُضحِّي بكبشين قال أنس : وأنا أُضحِّي بهما، وليستْ بواجبةٍ لما رُوي أنَّ أبا بكر وعمر رضي الله عنهما كانا لا يُضحيان مخافةَ أن يُرى ذلك واجباً[8].

      كما ترى فإنَّ كلا الفريقين لم يأخذْ بالقرآن دليلاً على حُكم الأضحية بالرغم من بيان القرآن الكريم لحكمها كما يلي :

      جاء في سورة الكوثر وهي من أوائل السُّور المكيَّة أمرُ الله تعال نبيَّه بالنَّحر بقوله {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} (الكوثر، 2) ولم يُروَ عن النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم أنَّه ضحَّى في مكَّة، والسَّبب أنَّ الآيةَ مُحكمةٌ وتحتاج إلى تفصيل بحسب المنهج الذي بيَّنه اللهُ تعالى في سورة هود بقوله {الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ. أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ} (هود، 1_2)

      ولم يكنِ النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم ليشرع في تنفيذ أمر الله تعالى إلا بتمام الآيات المُتعلِّقة بالموضوع التزاماً بأمر ربه إيَّاه بقوله {وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا} (طه، 114)

      ولقد جاء تفصيلُ أمر الله تعالى بالنَّحر الوارد في سورة الكوثر المكِّيَّة في موضعين من سورة الحجِّ المدنيَّة :

      قال الله تعالى {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ . لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ} (الحج، 27_28)

      هذه الأيةُ تُبيِّنُ أنَّ ما يُنحر هو الأنعام، ويكون ذلك في الأيَّام المعلومات، وهي أيَّام عيد الأضحى، ثم بيَّنت وجوبَ التَّسمية والتَّكبير عند الذَّبح.

      ثم بيَّن تعالى هيئةَ الأنعام التي تُذبح وسِنَّها وكيفيَّةَ التصرُّف في اللَّحم بقوله تعالى :

      {وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (الحج، 36)

      والبُدْنُ، هي ما اكتملَ سِنُّها من الأنعام وكانت سمينةً[9] ، لذا جاء بيانُ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم أنَّه لا يصحُّ أن يُذبحَ من الأنعام إلَّا المُسنَّةُ والتي لا عيبَ فيها بقوله : “لا تذبحوا إلَّا مُسنَّةً، إلَّا أن تَعسُر عليكم، فتذبحوا جَذعةً من الضَّأن “[10]

      ولا يُطلق على الأنعام كلمةُ البدن إلَّا أن تكون كاملةَ السِّنِّ واللَّحم ولا عيب فيها. ولأنَّ الله تعالى طيِّبٌ لا يقبل إلَّا طيِّباً وَرَدَ نهيُ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم عن ذبح ما يخلُّ بكونها مكتملةَ الأوصاف (بَدَنَة) بقوله : (أربعٌ لا تجوز في الأضاحي: العوراء البيِّن عورُها، والمريضة البيِّن مرضُها، والعرجاء البيِّن ضلعُها، والعجفاء- يعني الهزيلة- التي لا تنقى)[11].

      الأضحية فرض كفاية

      لم يأمرِ النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم كلَّ مسلمٍ بالأضحية لأنَّها فرضُ كفاية لا فرضَ عين، فهي واجبٌ على الأُمَّة إن قام بها البعضُ سَقَطَ الإثمُ عن الباقين وهذا مفهومُ قولِه تعالى {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ} (الحج، 34).
      وهي بحق الافراد سنة مؤكدة
      وقد وَجَدنا النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم يُضحِّي عن نفسه وأهل بيته وعمَّنْ لم يضحِّ من أمَّتِه.

      فعن جابر بن عبد الله، قال: شَهِدتُ مع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم الأضحى بالمُصلَّى، فلمَّا قضى خطبتَه نزلَ من منبره، وأتى بكبشٍ فذبَحَه رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم بيده، وقال: “بسم الله والله أكبر، هذا عنِّي، وعمَّنْ لم يُضحِّ من أمَّتي” [12]

      كما ترى فإنَّ الأحكام التي أوردها القرآنُ في الأضحية هي غايةٌ في الوضوح والبيان، وما فعلَه النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم هو ما أمرتْ به الآياتُ، فكانتْ أفعالُه وأقوالُه صلَّى الله عليه وسلَّم الحكمة المستقاة من الكتاب.

تعليقك على الموضوع  
التعليق *
* ضرورة إدخال هذا الحقل باللغة العربية

شوهد 2.389 مرة/مرات
الموضوعات ذات الصلة بهذا الموضوع