رسم ذوات الأرواح وصناعة التماثيل
السؤال: ما حكم رسم ذوات الأرواح تحديدا الشخصيات الكرتونية؟ وما هو الحكم في صناعة التماثيل بشكل عام وخاصة المجسمات التي تستخدم في معارض بيع الملابس؟

الجواب: لم يرد في القرآن الكريم حكم بتحريم رسم ذوات الأرواح أو تصويرِها أو تمثيلِها، بل ورد ما يفيد تحليل ذلك في الآيات التالية:

يقول الله تعالى ممتنا على عيسى بن مريم {وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي} (المائدة، 110). فالمسيح عليه السلام كان يصنع من الطين كهيئة الطير، وهو تمثيل بلا ريب، وهذا لا يعني شيئا إلا أن ينفخ فيه فيكون طيرا حقيقيا بإذن الله تعالى، وكان ذلك من الأدلة على كونه رسول الله.

وربما يجادل البعض بالقول إن الآية لا تدلُّ على إباحة رسم وتمثيل ذوات الأرواح لأن ذلك كان على سبيل المعجزة فلا يقاس عليه الحكم العام بتحليل التصوير والتمثيل.

واعتراضهم لا وجه له، لأن النبي لا ينبغي له أن يفعل محرما ليكون بعد ذلك معجزة له. والآية التالية تقطع ما اشتبهوا فيه باليقين:

يقول الله تعالى في سياق الامتنان على سليمان عليه السلام وما سخر له من خدمة الجن {يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ} (سبأ 13).

فقد دلت الآية على أن نبي الله سليمان عليه السلام كان يأمر بصناعة التماثيل، ولا يمكن أن يأمر النبي بحرام دون أن يُزجر عليه، بل حدث العكس تماما حيث أخبر الله سبحانه بهذا على سبيل الامتنان عليه.

وقد أشكل على جمهور العلماء الأحاديثُ الواردة في ذم التصوير والتماثيل؛ لأنهم أهملوا الربط بين الآيات السابقة وبين الأحاديث التي وردت عنه صلى الله عليه وسلم بهذا الخصوص، ثم إنهم لم ينظروا إلى الغرض المتخذ من صناعتها، لذلك لم يستطيعوا التوصل إلى الحكم الصحيح في المسألة.

كيف نفهم الأحاديث الواردة في ذم التصوير؟

ورد في بعض روايات الحديث ما يفيد ذم التصوير والتمثيل ، والعلة _ كما يظهر من الأحاديث_ هي تعظيم غير الله ومضاهاة خلقه سبحانه وتعالى. كحديث “الذين يضاهون بخلق الله” ، وفي بعض الروايات: “الذين يشبهون بخلق الله”[1]

ولا شك أن عبادة غير الله تعالى كفرٌ بواح يخرج الانسان من الدين سواء أكان المعبود تمثالا أو إنسانا أو مظهرا من ظاهر الطبيعة كالشمس والقمر وغير ذلك، ولكن لا يقول أحدٌ أن عبادة شيء يجعل منه كائنا محرما أو صناعته محرمة باطلاق، فقد عبد النصارى المسيح وأمَّه عليهما السلام، لكننا نصلي عليهما، وعبد أقوامٌ الشمسَ والقمرَ من دون الله تعالى، لكنهما بقيا آيتين من آيات الله سبحانه.

ولو عبد قوم السيارة مثلا، فلا يجعل ذلك من صناعتها للركوب أمرا محرما.

أما علة المضاهاة فينقضها القرآن جملة واحدة، حيث  تقرر الآيات التالية أنه لا يمكن للانسان مضاهاة خلق الله تعالى .

قال الله تعالى {أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} (الرعد، 16) تنص الآية أنه لا يوجد سبب منطقي يجعل الناس يُعرضون عن عبادته سبحانه، لأنه متفرد بصفات الاله الخالق الذي لا يختلط فعله بفعل غيره من خلقه، وقد أوردت الآية مثالا عن عجز الشركاء أن يخلقوا كخلق الله تعالى، فلا يوجد ما يشتبه على الأذهان.

وقال سبحانه {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ. أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ} (الطور، 36) تقرر الآية أن الانسان مخلوق ليس غير ذلك.

ولو اجتمع الناس على أن يخلقوا شيئا يضاهي خلق الله تعالى فلن يستطيعوا حتى لو كان ذبابة:

يقول الله تعالى {يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ. مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} (الحج، 73_ 74) البشر مجتمعين لن يقدروا على خلق ذبابة. والقول بالمضاهاة هو تشبيه للخلق بالخالق وهو ما حذر منه سبحانه بقوله {مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ}.

ولا جرم أنّ هذا الجزء من الروايات الذي ينص على علة المضاهاة لا يتوافق مع ما ذكرنا من الآيات التي نصت أن مضاهاة خلق الله غير ممكنة.

فينبغي فهم الأحاديث على ضوء القرآن الكريم. ولا يجوز أن يُعتدَّ بالحديث بمعزل عن الآيات ذات الصلة، وبهذا المنهج يمكننا الاحتراز عن الأحاديث الضعيفة والمدرجة والمزيد فيها.

فقوله صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها: “يا عائشة إن أشد الناس عذاباً يوم القيامة: المصورون” 3.

ينبغي حمل الوعيد الوارد في الحديث على من صنع التماثيل لتُعبد من دون الله تعالى[2].

ومثل ذلك ما ورد من النكير على لسان إبراهيم عليه السلام لما رأى قومه يعكفون على التماثيل، حيث قال تعالى {وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ. إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ. قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ. قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} (الأنبياء، 51_54)

وقد أنكر موسى عليه السلام على السامري صناعته العجل الذي ادعى بأنه إلهه وإله بني إسرائيل. ولم يكن نكيره عليه إلا لأن الغاية من صناعته العجل كانت لإضلال الناس عن دينهم.

ويلاحظ أنه لم يرد في القرآن نكير على صناعة التماثيل قط بل جاء النكير على عبادتها.

وبَيْنَ أمرِ سليمانَ بصناعة التماثيل وبين نكير إبراهيم وموسى على قومهما الاعتكاف عليها يظهر جليا أن الغرض من التماثيل هو الذي يحدد حكمها تحريما وتحليلا، ولا يشكُّ عاقل بحرمة صناعة التماثيل بغرض تعظيمها وعبادتها من دون الله، كما لا ينبغي لعاقل أن يحرِّم التماثيل التي تصنع لأغراض مباحة كما كان يفعل سليمان عليه السلام.

وقد رأينا النبي صلى الله عليه وسلم يهدم التماثيل في الكعبة كما رواه ابن مسعود رضي الله عنه قال: دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة، وحول الكعبة ثلاثمائة وستون نصباً، فجعل يطعنها بعود في يده وهو يقول: {وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً}[3] (الإسراء، 81)

فقد كانت تلك الأصنام الطاغوت الذي عبد من دون الله تعالى. وتصرُّفُ النبي صلى الله عليه وسلم جاء لتطهير الكعبة منها، تماما كما فعل أبوه ابراهيم من قبل؛ ليبين أنها لا تستحق العبادة والتعظيم.

وكذلك الأمر يقال عن الرسم باليد أو بالحاسوب (أفلام الكارتون) كل ذلك جائز إلا أن يكون لغرض محرم.

وقف السليمانية/ مركز بحوث الدين والفطرة

الموقع: حبل الله www.hablullah.com

جمال نجم

 


[1]  أخرجه البخاري في الفتح 1/385 ومسلم 3/ 1671.

[2]  ومثله ما روي عَنْ عَائِشَةَ – رضي الله عنها – قَالَتْ: ذَكَرَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ وَأُمُّ سَلَمَةَ  – رضي الله عنهما – لِلنَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – كَنِيسَةً رَأَيْنَهَا بِالْحَبَشَةِ فِيهَا تَصَاوِيرُ، فَقَالَ: “إِنَّ أُولَئِكَ قَوْمٌ إِذَا كَانَ فِيهِمْ الرَّجُلُ الصَّالِحُ فَمَاتَ، بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا , وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ، فَأُولَئِكَ شِرَارُ الْخَلْقِ عِنْدَ اللهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ” البخاري (417) , ومسلم 16 – (528).

وعلة توصيف من صنعوا تماثيل الرجال الصالحين بشرار الخلق لأن القصد كان التوسل بهم وتعظيمهم من دون الله تعالى.

[3]  أخرجه البخاري (2346 ) ومسلم (1781).

Facebook'ta PaylaşTwitter'da Paylaş


 تعليقات القراء:

  1. يقول مصطفى:

    السلام عليكم ورحمة الله

    يا أستاذ جمال نجم، قد ورد في صحيح مسلم عن سعيد ابن أبي الحسن هذا الحديث:
    إنِّي رَجُلٌ أُصَوِّرُ هذِه الصُّوَرَ، فأفْتِنِي فِيهَا، فَقالَ له: ادْنُ مِنِّي، فَدَنَا منه، ثُمَّ قالَ: ادْنُ مِنِّي، فَدَنَا حتَّى وَضَعَ يَدَهُ علَى رَأْسِهِ، قالَ: أُنَبِّئُكَ بما سَمِعْتُ مِن رَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ، سَمِعْتُ رَسولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ يقولُ: كُلُّ مُصَوِّرٍ في النَّارِ، يَجْعَلُ له، بكُلِّ صُورَةٍ صَوَّرَهَا، نَفْسًا فَتُعَذِّبُهُ في جَهَنَّمَ. وقالَ: إنْ كُنْتَ لا بُدَّ فَاعِلًا، فَاصْنَعِ الشَّجَرَ وَما لا نَفْسَ له، فأقَرَّ به نَصْرُ بنُ عَلِيٍّ.

    ما شرح الجزء الأخير من هذا الحديث الذي يشير إلى أن البديل لذلك الفعل هو صنع ما لا نفس له؟

    • يقول جمال نجم:

      وعليكم السلام ورحمة الله

      قد بيَّنا من خلال الآيات أن لا مشكلة في التصوير أو صناعة التماثيل إلا إذا كان المقصود صناعتها بهدف محرم، وهذا لا خلاف عليه.

      نعم هناك بعض الأحاديث تنهى عن التصوير كالتي أوردتُها في المقالة أو الذي ذكرتَه، لكن ينبغي فهم الأحاديث على ضوء القرآن الكريم. ولا يجوز أن يُعتدَّ بالحديث بمعزل عن الآيات ذات الصلة، وبهذا المنهج يمكننا الاحتراز عن الأحاديث الضعيفة والمدرجة والمزيد فيها.

      أما الاحتجاج بالحديث وجعله أصلا في المسألة فإن ذلك مدعاة لتعطيل النصوص القرآنية ذات الصلة، والحق أن القرآن حاكم على الرواية وليس العكس، فينبغي الانطلاق من القرآن في فهم المسائل ومن ثم البحث في الأحاديث فنختار منها ما يوافق الحكمة، تلك الحكمة التي ظهرت بأقوال النبي وأفعاله وعلمها أصحابه.

      الحكمة هي الحكم الصحيح المستخرج من الكتاب، ولمَّا كان نبينا مأمورا باتباع القرآن والحكم بموجبه والمجاهدة به اقتضى أن تكون أقواله وأفعاله تعكس جوهر الكتاب وتقدم النموذج العملي له. بناء على ذلك لا يمكن قبول رواية لا تتفق مع جوهر الكتاب وأحكامه لأن احتمال نسبتها للنبي تساوي صفرا حتى لو حكم الرجال بصحة سندها.

تعليقك على الموضوع  
التعليق *
* ضرورة إدخال هذا الحقل باللغة العربية

شوهد 2٬476 مرة/مرات
الموضوعات ذات الصلة بهذا الموضوع