العمليات الانتحارية في ميزان الكتاب والسنة

العمليات الانتحارية في ميزان الكتاب والسنة

أ.د عبد العزيز بايندر

يُقصد بالعمليات الانتحارية تلك التي يُفجر شخصٌ فيها نفسَه بالعدو قاصدا إلحاق الضرر بهم والمساعدة في هزيمتهم. ويطلق البعض على هذا النوع من الانتحار (العمليات الاستشهادية) واصفين من يفعل ذلك بالشهيد الذي يستحق الدرجات العلا عند الله تعالى كما يستحق تكريم المؤمنين لبذله نفسه في سبيلهم.

إن وصف هذا النوع من الانتحار بالاستشهاد لا يمكن قبوله، لأن العدو لا يُقابل بالانتحار، بل بالصبر والثبات. لم يؤمر بالانتحار في القرآن ولا في السنة ولم يعرف عن الصحابة الكرام ، بل ورد النهي عنه في القرآن والسنة ، لذا لا يمكن أن يكون هذا الفعل من قبيل الشهادة في سبيل الله.

من هو الشهيد؟

يقول الله تعالى {وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ} (البقرة، 154) وهنا يوجد شرط لإطلاق (الشهيد) على المقتول، وهو كونه (قد قُتِلَ) في سبيل الله، أي وقع عليه القتل، ويخرج من هذا القيد مَن قَتل نفسَه بفعل التفجير. فالمقتول في سبيل الله ليس كمن قتل نفسه بالعملية الانتحارية.

لقد أفتى الشيخ القرضاوي وآخرون أن هذا النوع من الانتحار شهادة. وقد آمن بفتواهم عدد من شاب المسلمين فعمدوا لتفجير أنفسهم بغرض كيد العدو والفوز بدرجة الشهيد. فمن آمن من شباب المسلمين بفتواهم فقضى منتحرا فإثمه على من أفتى، ولا يستطيع أحد أن يجزم بتقبل الله لهم. إن الموت بيد الله وحده لا يملك الانسان أن ينهيه بنفسه.

والله تعالى لم يصف من يقتل نفسه بالشهيد، بل نهى عن قتل النفس بقوله سبحانه {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} (النساء، 29)

وقد روى البخاري ومسلم قول النبي صلى الله عليه وسلم «مَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَهُوَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ يَتَرَدَّى فِيهِ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ تَحَسَّى سُمًّا فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَسُمُّهُ فِي يَدِهِ يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ، فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ يَجَأُ بِهَا فِي بَطْنِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا»[1]

الدافع للعمليات الإنتحارية

الذي يجب أن يُنتبه إليه في هذا السياق أن الذي يفكر بالانتحار هو الذي انقطع أمله من تحقيق النصر وانسدّ الأفق في وجهه. ولا ينبغي ذلك للمسلم، ولا يجوز له أن يفقد الأمل بنصر الله.

يقول الله تعالى بلسان يعقوب {وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} (يوسف، 87)

وفي سورة الحجر يخبرنا القرآن قول إبراهيم عليه السلام {قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ} (الحجر، 56)

وفي آية أخرى يقول سبحانه {لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ} (فصلت، 49)

الدليل الذي استند إليه القرضاوي وتفنيده

لقد استدل القرضاوي على جواز العمليات الانتحارية بقوله تعالى {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ} (الأنفال،60)

وقد أطلق القرضاوي على هذا النوع من الإعداد /السلاح الجديد (القنابل البشرية). ومعلوم أن هذا الإطلاق لا يتناسب مع كرامة الانسان، فلا يمكن أن يكون الانسان سلاحا. والأهم من ذلك أن الآية التي احتج بها القرضاوي لا تتحدث عن القتال في أرض المعركة أصلا، إنما تتحدث عن ضرورة الإعداد الضروري لردع العدو عن التفكير في محاربة المسلمين.

وقد قرأت لبعض العلماء المعاصرين ما يحتجون به على جواز العمليات الانتحارية ومن ذلك ما روي عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَذَ سَيْفًا يَوْمَ أُحُدٍ فَقَالَ: “مَنْ يَأْخُذُ مِنِّي هَذَا؟ ” فَبَسَطُوا أَيْدِيَهُمْ، كُلُّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ يَقُولُ: أَنَا، أَنَا، قَالَ: “فَمَنْ يَأْخُذُهُ بِحَقِّهِ؟ ” قَالَ فَأَحْجَمَ الْقَوْمُ. فَقَالَ سِمَاكُ بْنُ خَرَشَةَ أَبُو دُجَانَةَ: أَنَا آخُذُهُ بِحَقِّهِ. قَالَ: فَأَخَذَهُ فَفَلَقَ بِهِ هَامَ الْمُشْرِكِين[2]. حيث قالوا: يُفهم من الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد من يقاتل به حتى يسقط شهيدا. وقد رأوا بذلك دليلا على جواز العمليات الإنتحارية.

ولا أدري كيف توصلوا إلى مقصد النبي من قوله، علما أن قوله “فَمَنْ يَأْخُذُهُ بِحَقِّهِ؟ ” لا يحتمل ما توصوا إليه أصلا.

والحق أنه لا يصح الاستدلال بهذه الحادثة على جواز العمليات الانتحارية؛ لأنه قياس مع الفارق الكبير، حيث إن القتال بالسيف لا يؤدي بالضرورة الى الإستشهاد، فقد ينهزم العدو قبل أن يقضي المجاهد شهيدا. وما أراده النبي هو الحثُّ على الثبات أمام العدو وعدم رجوع القهقرى وهو تطبيق عملي لقوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (الأنفال، 45)

وقد حرم الله تعالى في كتابه الهروب من أمام العدو إلا بغاية الانضمام إلى مجموعة أخرى أو تجميع الصفوف والكر من جديد بقوله {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ. وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} (الأنفال، 15_16 )

ثم إن الله تعالى يقول {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} (البقرة، 190) والمقاتلة معروفة وهي الالتحام مع العدو، وهذا لا يتم إلا في أرض المعركة. أما العمليات الإنتحارية فهي ليست من باب المقاتلة بل تصنف على أنها قتل للنفس.

ويغلب على العمليات الانتحارية أنها تكون خارج حدود أرض المعركة، وهي في الغالب تستهدف المعصومين من المدنيين. وهذا تجاوز للحد بلا ريب.

التعامل مع العدو في حال الضعف

لقد استعبد فرعون بني إسرائيل، وكان يذبح أبناءهم ليحدّ من نسلهم، ويستحيي نساءهم لغايات الشر في نفسه.

وقد وجَّه موسى قومَه لمقاومة ضغوط فرعون بالصبر والصلاة والدعاء وببث الأمل في نفوسهم كما ذكر ذلك سبحانه {قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} (الأعراف، 128)

وكان رد بني إسرائيل على موسى مخيبا {قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا}

لكن موسى عليه السلام لم يعط الأوامر الخاطئة استجابة لضغوط قومه، بل ألحَّ عليهم بمزيد من الصبر والأمل {قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} (الأعراف، 129)

وآن الأوان لتحقيق وعد الله تعالى للصابرين من قوم موسى، فقد أخذ الله تعالى فرعون وقومه بالسنين ونائبات الدهر {وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ} (الأعراف، 130) {وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ} (الأعراف، 137)

التعامل مع العدو في حال أمكن تجنب الحرب

خرج النبي صلى الله عليه وسلم بـ 1600 من أصحابه قاصدا البيت الحرام في مكة المكرمة في السنة السادسة للهجرة، ولما وصلوا الحديبية قريبا من مكة منعهم أهلُ مكة من دخول البيت الحرام، وكان ذلك عارا على أهل مكة بحسب أعراف العرب التي تقضي أن لا ترد قريشٌ حاجا لبيت الله الحرام.

لقد كان المسلمون بقيادة النبي متفوقين بالقوة المادية والمعنوية، وكان أهل مكة ما يزالون يعانون من هزيمتهم في معركة الخندق قبل عام واحد من الحديبية، وما زاد من معاناتهم أن صاحب اليمامة قد دخل في الاسلام ولم يسمح بإرسال القمح إليهم، لكن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بمواصلة إرسال القمح إليهم، كما أرسل الى فقرائهم المال ليقضوا حوائجهم.

لكن أبا سفيان استحوذ على البضاعة بشرائها ليبيعها بأسعار مرتفعة. ولما سمع التجار في مكة خبر قدوم المسلمين انتظروهم بفارغ الصبر لتزدهر أسواقهم، لكن السياسة لها رؤية مختلفة.

لقد كانت الحالة مناسبة جدا لدخول مكة عنوة وكان المسلمون قادرين على تحقيق نصر سريع؛ فقد خبروا الحرب في بدر وأحد والخندق، وأهل مكة يعرفون بأسهم في الوقت الذي يأسوا فيه من سيطرة أبي سفيان وأمثاله على حياتهم ومصيرهم، لكن الله تعالى لم يعط الإذن للنبي والمؤمنين لدخول مكة عنوة. حيث قال تعالى {وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ} (الفتح، 25) وتقدير جواب لولا معروف، وهو لأذنت لكم بالدخول، لكن المانع أن هناك الكثير ممن أسلم من أهل مكة سرا، فلو حارب المسلمون يومئذ ربما يقتل المسلمُ المسلمَ دون أن يعلم فيصيبهم الحرج الشديد نتيجة ذلك.

قفل النبي راجعا إلى المدينة بالرغم من حالة عدم الرضا التي انتابت فريقا من الصحابة لأنهم رأوا أنفسهم قادرين على دخول مكة عنوة، لكن الالتزام بأمر الله تعالى بعدم المقاتلة حينئذ تقدم على رغباتهم في القتال. وانتصر القوم على أنفسهم فالتزموا أمر النبي بالرجوع إلى المدينة. وقد سمى الله تعالى ذلك فتحا مبينا بنص القرآن الكريم {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا. لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا. وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا} (الفتح، 1_3)

لا يستطيع أحد أن يقول أن ما فعله النبيان موسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام كان خاطئا، ونظرا لتصرفهما السليم فإن كلَّ كافر كان يشعر من صميم قلبه ضرورة الايمان بهما واتباعهما. لكن العمليات الانتحارية لا تولد في قلوب الكفار سوى الكره والبغض للإسلام والمسلمين.

يقول الله تعالى في سورة الانشراح {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا. إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا} (الانشراح، 5_ 6)

ما يمكننا فعله كمسلمين هو أن تكون أعمالنا وتصرفاتنا بناء على أوامر الله تعالى، ثم ننتظر النتائج منه سبحانه. وهو لا يضيع من عمل في سبيله، وقد وعد ووعده الحق {إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ} (غافر، 51) ثم جعل نصر المؤمنين حقا عليه بقوله {وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} (الروم، 47).

وقف السليمانية/ مركز بحوث الدين والفطرة

الموقع: حبل الله www.hablullah.com

ترجمه إلى العربية: جمال أحمد نجم



[1]  صحيح البخاري، 5778 وصحيح مسلم 175 – (109)

[2]  صحيح مسلم 128 – (2470)

Facebook'ta PaylaşTwitter'da Paylaş

تعليقك على الموضوع  
التعليق *
* ضرورة إدخال هذا الحقل باللغة العربية

شوهد 2.098 مرة/مرات
الموضوعات ذات الصلة بهذا الموضوع