حبل الله
هل هناك علاقة بين النّسيء والحساب الفلكي؟

هل هناك علاقة بين النّسيء والحساب الفلكي؟

السؤال:

قال الله تعالى:

﴿هُوَ ‌الَّذِي ‌جَعَلَ ‌الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ، مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ، يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ [يونس: 5] 

ذكر الله تعالى في هذه الآية الشمس والقمر لنعلم عدد السنين والحساب. وكلمة «الحساب» تعني الحساب الفلكي. فما علاقة هذه الآية بالآية التي تتكلم عن النَّسِيء وأنه زيادة في الكفر؟ ما المقصود بالنسيء؟ وهل هو ـ كما يُقال ـ الشهر الذي كان يُضاف إلى الشهور القمرية (شهر الكبس) لكي يثبتها وتتماشى مع الأشهر القمرية؟

ولو كانت الإجابة نعم، فهذا ليس دليلًا على تحريمه؛ لأن الله ذكر أن التحريم جاء بسبب أنهم كانوا يُحلّونه عامًا ويُحرّمونه عامًا آخر، فعِلّة التحريم هنا هي عدم الثبات على مبدأ.

ثم كيف لو أن شخصًا يحسب يوم ميلاده بالشهور الهجرية؟ لن يكون ثابتًا، ثم بعد فترة يجد أن تاريخ ميلاده يأتي في الصيف مع أنه وُلد في الشتاء!

بصراحة، أشعر أن هذا الموضوع فيه لَبس وتحريف، وكأننا وقعنا في فخ لم نعد نستطيع الخروج منه.

الجواب:

أولًا: دلالة الآية فيما يتعلق الحساب

تدل الآية [يونس: 5] على أن نظام الشمس والقمر نظام مقصود ومنضبط، وأن من حكمته معرفة عدد السنين والحساب. والمقصود بالحساب هو الحساب الزمني المتعلق بضبط المواقيت والشهور والسنين، ولا سيما عن طريق منازل القمر. فالآية تثبت أن الزمن ليس عشوائيًا، بل هو خاضع لنظام كوني دقيق يُمكِّن البشر من بناء تقويم منضبط.

وعليه، فذكر الحساب هنا تقريرٌ لمشروعية الانتفاع بالحركة الفلكية لضبط الزمن، وليس فيه إشارة إلى منع أي نوع من أنواع الحساب الفلكي المنضبط، بل هو في أصله تأسيس لفكرة التقويم نفسه.

ثانيًا: ما المقصود بالنسئ في سورة التوبة؟

قال تعالى:

﴿إِنَّمَا ‌النَّسِيءُ ‌زِيَادَةٌ ‌فِي ‌الْكُفْرِ، يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ، زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ، وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ﴾ [التوبة: 37] 

النسئ في لغة العرب هو التأخير. وقد بيّن جمهور المفسرين، أن المراد به تأخير حرمة الشهر الحرام أو تبديله بحسب الأهواء والمصالح القبلية.

وقد كان العرب في الجاهلية إذا احتاجوا إلى القتال في شهر محرّم مثلا، وهو من الأشهر الحرم، أعلنوا تأجيل تحريمه إلى شهر آخر، فيستبيحون القتال فيه عامًا، ثم يعيدون تحريمه في عام لاحق بعد انتهاء الحرب. وبهذا يصبح التحليل والتحريم تابعين للظروف لا لأمر الله تعالى. فجوهر النسئ لم يكن مجرد تعديل زمني، بل كان عبثًا بحكمٍ شرعي ثابت.

فالعلة في تحريم النسيء ليس عدم الثبات عليه، وإنما التلاعب في الأشهر الحرم كلما اقتضت المصلحة القبلية.

ثالثًا: هل كان النسئ هو إضافة شهر كبيس لتثبيت الفصول؟

يُثار أحيانًا أن النسئ كان إضافة شهر كل عدة سنوات حتى تبقى الأشهر القمرية متوافقة مع الفصول، كما هو الحال في بعض التقاويم الأخرى. غير أن النسئ لم يكن نظامًا فلكيًا منضبطًا بقواعد حسابية ثابتة، وإنما كان قرارًا قبليًا يُعلن بحسب الحاجة السياسية والعسكرية، دون التزام بنظام دوري رياضي دقيق.

ومن هنا يتبين أن العلة في تحريمه هو التلاعب بأحكام الله وتحويل التحريم إلى قرار بشري متغير. ولهذا قال تعالى: {يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا}، فدلّ السياق على أن المشكلة في اضطراب المعيار التشريعي، لا في الحساب الفلكي.

رابعًا: كيف نفهم دوران الشهور الهجرية على الفصول؟

السنة القمرية أقصر من السنة الشمسية بنحو أحد عشر يومًا، ولذلك تدور الشهور القمرية على فصول السنة مع مرور الزمن. فيأتي رمضان أحيانًا في الصيف وأحيانًا في الشتاء، وكذلك الحج. وهذا ليس خللًا في النظام، بل هو أثر طبيعي للاعتماد على الدورة القمرية.

ويمكن استنتاج الحكمة من هذا الدوران ، إذ لا ترتبط العبادات بفصل معين دائمًا، بل تمرّ على الناس في ظروف مناخية مختلفة، فيتحقق نوع من العدل الزمني بين الأجيال. كما أن اختلاف مواسم الحج عبر الفصول يؤدي إلى تنشيط الحركة التجارية وتنوعها.

أما الأمور الزراعية والمدنية فيمكن اعتماد التقويم الشمسي فيها، ولا حرج في ذلك، لأن الشريعة لم تمنع استعماله في المصالح الدنيوية.

خامسًا: ماذا عن إشكال تغيّر فصل يوم الميلاد؟

إذا حُسب يوم الميلاد بالشهور الهجرية، فإنه يثبت في نفس اليوم من الشهر القمري، لكنه ينتقل عبر الفصول مع مرور السنين. وهذا أمر طبيعي ناشئ عن الفرق بين النظامين الشمسي والقمري، وليس دليلًا على اضطراب أو تحريف. فمن أراد الثبات على الفصل اعتمد الحساب الشمسي، ومن أراد الثبات على الشهر القمري اعتمد الحساب القمري، ولكل نظام مجاله.

الخلاصة:

الآية في سورة يونس تقرر نظامًا كونيًا لضبط الزمن والحساب، وآية النسئ في سورة التوبة تُدين التلاعب البشري بالأشهر الحرم. ولا تعارض بين الأمرين، إذ إن المحرَّم هو تغيير أحكام الله بحسب الهوى، لا استخدام الحساب الفلكي المنضبط.

ودوران الشهور القمرية على الفصول نتيجة طبيعية لطبيعة السنة القمرية، وليس خللًا في الدين ولا تحريفًا في التقويم.

*وللمزيد حول الموضوع ننصح بالاطلاع على المقالات التالية:

الأشهر الحُرُم والكعبة والحجّ والأضحية

تثبيت بداية شهر رمضان يتمُّ برؤية الهلال أم بالحساب الفلكي

دعوى ثبات شهر رمضان وأنه لا يدور على فصول السنة

رؤية الهلال أم الحساب

النسيء والتقويم القمري

 

أضف تعليقا

تصنيفات

Your Header Sidebar area is currently empty. Hurry up and add some widgets.