حبل الله
هل كلمة “كل” تعني الشمول المطلق في القرآن؟

هل كلمة “كل” تعني الشمول المطلق في القرآن؟

السؤال:

كنت طرحت سؤال عن من كل الثمرات جعلنا فيعل زوجين اثنين ولكني وجدت الإجابة عند ابن عاشور بفضل الله وقد اقنعتني. ولكن لدي سؤال مرتبط بها عن قوله تعالى:
﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾
هل كلمة كل تعني الشمول المطلق في القرآن؟ وقد وجدت آيات كثيرة تقول لا.
هل كل شيء يتكون من صنفين أو حتى ذكر وأنثى؟ لا فهناك بعض الزواحف والأسماك تتكاثر لا جنسيا وكلهن إناث.
فما هو أفضل تفسير مقنع لهذه الآية؟ أرجو الإجابة بأدلة من كتاب الله بعد بحث كلمة “كل” وشكرا جزيلا جدا

الجواب:

هذه الكلمة (كل) تستحق التوقف عندها، لأن كثيرًا من الإشكالات المعاصرة نشأت من تحميلها في القرآن معنى الشمول المطلق في كل موضع، مع أن الاستعمال القرآني نفسه يدل على خلاف ذلك.

قال الله تعالى:

﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الذاريات: 49].

وقد استشكل بعض الناس هذه الآية بحجة أن العلوم الحديثة تثبت وجود كائنات تتكاثر بغير التزاوج الجنسي، أو أن بعضها يتكاثر بالتوالد العذري، فكيف يقرر القرآن أنه خلق من كل شيء زوجين؟ والجواب عن هذا الإشكال يتبين من خلال تدبر القرآن نفسه، إذ إن القرآن هو أولى ما يفسر به القرآن.

أول ما ينبغي تقريره أن لفظ “كل” في القرآن الكريم لا يدل دائمًا على الشمول المطلق الذي لا يقبل استثناء، وإنما هو من ألفاظ العموم التي يبين المراد منها السياق والقرائن. وقد استعمل القرآن هذا اللفظ في مواضع كثيرة، وكان المراد به العموم المقيد لا الاستغراق الحقيقي.

ومن أوضح الأدلة على ذلك قوله تعالى في وصف الريح التي سلطها على قوم عاد:

﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف: 25].

فلو كان المراد الاستغراق المطلق لدمرت السماوات والأرض والجبال والبحار، ولم يبق في الوجود شيء. لكن الله عقب ذلك مباشرة بقوله:

﴿فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ [الأحقاف: 25].

فدل ذلك على أن المراد: تدمر كل ما أرسلت لتدميره من قوم عاد ومتاعهم، لا كل موجود في الكون. وهذا من أوضح الشواهد القرآنية على أن لفظ “كل” قد يراد به العموم المقيد بحسب المقام.

ومن ذلك أيضًا قوله تعالى عن ملكة سبأ:

﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ [النمل: 23].

ولا خلاف بين المسلمين أنها لم تؤت النبوة، ولا الوحي، ولا ملك سليمان، ولا خزائن السماوات والأرض، وإنما أوتيت من كل ما يحتاج إليه الملوك في إقامة سلطانهم. ولذلك فهم المفسرون هذا العموم على أنه عموم إضافي، لا عموم مطلق.

وقوله تعالى:

﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: 30].

فالمقصود كل حي من عالم الأحياء الذي جعله الله قائمًا على الماء، لا أن كل موجود في الكون مخلوق من الماء، إذ إن الملائكة مثلًا ليست مخلوقة من ماء، والله سبحانه ليس بمخلوق أصلًا.

وفي المقابل نجد أن لفظ “كل” يأتي في القرآن على حقيقته إذا اقتضى السياق ذلك، كما في قوله تعالى:

﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر: 62].

فالمراد هنا كل شيء مخلوق، لأن الله تعالى هو الخالق فلا يدخل في هذا العموم، وقد بين القرآن ذلك بقوله:

﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: 11].

وقوله:

﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 4].

فدل ذلك على أن القرآن نفسه يعلمنا أن ألفاظ العموم تفسر في ضوء السياق، ولا يجوز حملها دائمًا على الشمول المطلق.

وبناءً على هذه القاعدة يتبين معنى قوله تعالى:

﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ﴾.

فالمراد أن الله جعل في الخلق سنة عامة تقوم على الزوجية والثنائية، ولم يقل سبحانه إن كل فرد من أفراد المخلوقات لا بد أن يكون ذكرًا وأنثى، أو أن جميع صور التكاثر لا تكون إلا عن طريق الذكر والأنثى.

ويؤيد هذا الفهم قوله تعالى:

﴿سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يس: 36].

فهذه الآية وسعت مفهوم الزوجية، فقسمتها إلى ثلاثة ميادين: ما تنبته الأرض، وما يتعلق بالإنسان، وما لا يعلمه البشر. وهذا يدل على أن الزوجية في القرآن ليست مقصورة على الذكر والأنثى، وإنما هي نظام عام في الخلق يشمل صورًا كثيرة لا يحيط الإنسان بعلمها.

ومن أدق ما يؤكد هذا المعنى أن القرآن إذا أراد خصوص الذكر والأنثى قيد لفظ الزوجين بذلك، فقال:

﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى﴾ [النجم: 45].

فلو كان لفظ “الزوجين” لا يدل إلا على الذكر والأنثى لما احتيج إلى هذا البيان. وإنما ذكر ﴿الذكر والأنثى﴾ ليدل على أن الزوجية أعم، وأن هذا أحد أفرادها.

ومن هنا يظهر أن الاستدلال بوجود كائنات تتكاثر لا جنسيًا على معارضة الآية ليس في محله؛ لأن الآية لا تتحدث عن طرق التكاثر، وإنما تتحدث عن نظام الخلق. ففرق بين أن يبين القرآن أن الله خلق الكون قائمًا على سنة الزوجية والثنائيات، وبين أن يقرر أن كل كائن حي لا يتكاثر إلا بذكر وأنثى. وهذا أمر لم تقله الآية أصلًا.

بل إن المتأمل في القرآن يجد أن سنة الزوجية تتجاوز عالم الأحياء إلى نظام الكون كله؛ فالليل يقابل النهار، والشمس يقابلها القمر، والدنيا تقابل الآخرة، والإيمان يقابله الكفر، والجنة تقابل النار، والحق يقابله الباطل، والخوف يقابله الأمن، والعسر يقابله اليسر. فالكون في الرؤية القرآنية قائم على التقابل والتكامل، لا على التشابه المطلق.

خلاصة القول:

إن أقرب التفاسير إلى دلالة القرآن هو أن قوله تعالى: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ﴾ ليس تقريرًا لقاعدة بيولوجية مفادها أن كل كائن حي يتكون من ذكر وأنثى، وإنما هو بيان لسنة إلهية عامة في الخلق، وهي أن الله أقام عالم المخلوقات على نظام الزوجية والثنائية والتقابل. أما لفظ “كل” فلا يفيد دائمًا الاستغراق المطلق، بل قد يراد به العموم المقيد، كما دلت عليه آيات كثيرة من القرآن، منها قوله تعالى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ﴾، وقوله: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾، مع أن المراد في كل موضع منهما ليس جميع الموجودات على الإطلاق، وإنما ما يقتضيه السياق. وبذلك تنتظم جميع الآيات، وينتفي التعارض المتوهم بينها وبين ما يشاهد من صور الخلق في الواقع، ويظل القرآن متسقًا في بيانه، يفسر بعضه بعضًا، كما أرشد الله تعالى بقوله: ﴿كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ [الزمر: 23]، أي يشبه بعضه بعضًا في الصدق والإحكام، ويثني بعضه على بعض بالبيان والتفسير.

 

أضف تعليقا

تصنيفات

Your Header Sidebar area is currently empty. Hurry up and add some widgets.