حبل الله
تفسير الآيات 26-29 من سورة البقرة

تفسير الآيات 26-29 من سورة البقرة

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا، فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ، وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا، يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا، وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ ﴾ [البقرة: 26] 

تؤكد الآية أن الله تعالى لا يستحي أن يضرب مثلًا بأي شيء، كالبعوضة، أو بما هو فوقها في ذلك المثل. فأما المؤمنون فيعلمون أن هذا المثل حقٌّ من ربهم. أما الذين كفروا فيقولون: «ما الذي أراده الله بهذا المثل؟» وبذلك يحكم الله على كثيرين بالضلال، ويحكم على كثيرين آخرين بالهداية؛ ولا يحكم بالضلال إلا على الفاسقين.

إن وصف أحد الموجودات بأنه «فوق» غيره قد يكون من جهات متعددة، كالكِبَر والصغر، أو النفع والضرر، أو التعقيد والبساطة. واختيار هذا التعبير في الأمثال التي يضربها الله تعالى ذو دلالة مهمة؛ لأنه يبرز تنوع هذه الأمثال وتفاوتها في موضوعاتها وصورها، كما يظهر في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَٰذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾،

وكل من آمن بالله ووثق به يقدّر كل ما يأتي من عنده، ولا يرى في شيء مما خلقه الله أمرًا تافهًا أو مستحقًا للازدراء. والبعوضة، على صغر حجمها، ليست شيئًا خاليًا من التعقيد والإبداع[1].

وليس الأمر مقتصرًا على ما يحتويه جسم البعوضة من أجهزة دقيقة؛ فهناك أيضًا كائنات أصغر تعيش على جسمها أو داخله، وتحصل منه على الغذاء والمأوى، ويُطلق على مجموع هذه الكائنات اسم الميكروبيوتا (Microbiota). وقد أظهرت الدراسات أن الميكروبيوتا، ولا سيما البكتيرية منها، تؤثر بدرجة كبيرة في جوانب متعددة من حياة البعوض، من بينها قدرته على التكاثر، وتحديد جنسه، ونموه وانتقاله من طور اليرقة إلى طور البلوغ، ووظائفه الهضمية والمناعية، بل وبعض خصائص سلوكه أيضًا.

وفوق هذا الكائن الصغير توجد كذلك كائنات أخرى، من بينها أنواع من العثّ وحشرات تتغذى على دمه. ومن ثم فإن ضرب المثل بالبعوضة لا يدل على التفاهة أو الحقارة، بل يمكن أن يلفت النظر إلى ما في أصغر المخلوقات من مظاهر الدقة والتعقيد وعجيب الصنع.

وقد جاء ضرب المثل بالذباب أيضًا في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ [الحج: 73]، مما يبين أن صغر المخلوق لا يمنع من أن يكون ضرب المثل به ذا دلالة عظيمة.

ويتكرر في القرآن بيان أن الله تعالى نوّع الأمثال للناس؛ ليقرب إليهم المعاني ويقيم عليهم الحجة، كما قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَٰذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ [الإسراء: 89]، وقال: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَٰذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ [الكهف: 54]، وقال: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَٰذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ [الروم: 58]، وقال: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَٰذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [الزمر: 27].

إن الإنسان يستطيع، من خلال ما يعيشه طوال حياته من ملاحظات وتجارب، أن يدرك مرارًا وتكرارًا وجود الله ووحدانيته، وأنه سبحانه المالك له ولما حوله. كما يدرك أنه بحاجة إلى أن يحمي نفسه من الخطأ والانحراف.

ومن يتدبر آيات الله تدبرًا سليمًا يستطيع أن يصل إلى يقين بأن هذه الآيات من عند الله، كما قال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت: 53]. فإذا قامت لديه هذه القناعة، كان مقتضى ذلك أن يستجيب للحق وأن يلتزم بما دلّت عليه آيات الله، وأن يفي بالعهد الذي قطعه على نفسه في اتباعها.

أما الفاسقون فهم الذين يخرجون عن طاعة الله وعن مقتضى الحق بعد قيام الحجة عليهم، ولذلك نسب القرآن إليهم الفسق في مواضع متعددة، منها قوله تعالى: ﴿فَمَن تَوَلَّىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [آل عمران: 82]، وقوله: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: 47]، وقوله: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [التوبة: 67]، وغير ذلك من الآيات التي تربط الفسق بالخروج عن طاعة الله ونقض عهده والانحراف عن سبيله.

﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ، أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ﴾ [البقرة: 27] 

الفاسقون هم الذين ينقضون عهد الله من بعد توثيقه، ويقطعون الصلة التي أمر الله بوصلها، ويسعون في الأرض فسادًا. وأولئك هم الخاسرون.

المقصود بالعهد هنا هو الإقرار بأن الله هو الإله الواحد الذي لا شريك له، وأن العبادة لا تكون إلا له وحده، وهو العهد الذي أشير إليه في قوله تعالى: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَىٰ﴾ [الأعراف: 172]، وقوله سبحانه: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ [يس: 60]، ثم قال: ﴿وَأَنِ اعْبُدُونِي هَٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾ [يس: 61].

فالذين لا يلتزمون بمقتضى هذا العهد، ويجعلون بينهم وبين الله وسائط يتقربون بها إليه، مع أن الله تعالى أقرب إلى عباده من حبل الوريد، كما قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: 16]، أو يجعلون أقوالهم وأهواءهم مقدَّمة على آيات الله، فيعرضون عن الحق الذي أنزله الله ويستبدلون به قولًا من عند أنفسهم أو قول غيرهم، كما قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: 10]، فإنهم بذلك ينقضون مقتضى العهد الذي أخذه الله تعالى عليهم.

ومن صور ذلك النقض أن يجعل الإنسان بينه وبين الله وسيلةً للتقرب إليه على وجه ينافي إخلاص العبادة له، كما قال تعالى: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ، وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَىٰ﴾ [الزمر: 3]. وقد يؤدي هذا الانحراف إلى الوقوع في الشرك والكفر، كما تقرر في نهاية الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [الزمر: 3]  وبذلك يكون الإنسان قد جعل بينه وبين الله حائلًا من أهوائه أو من أمور يضفي عليها صفة القداسة، فيقطع بذلك الصلة التي أمر الله بالمحافظة عليها. وهذه هي الصلة المقصودة في الآية، كما يتبين من قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ﴾ [الرعد: 21]. والمقصود بهذا النهي، ليس صلة الأرحام والعلاقات العائلية، وإنما الصلة التي تربط الإنسان بربه من خلال توحيده وإخلاص العبادة له واتباع هداه.

وهذا المعنى تؤكده الآية في سورة الرعد: ﴿وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَٰئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [الرعد: 25].

﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ [البقرة: 28] 

يوجّه الله تعالى هذا الاستفهام إلى من ينكرون حقه في العبادة الخالصة أو يجحدون آياته، وهو استفهام إنكاري يراد به إظهار شدة التناقض في موقفهم؛ فكيف يجحد الإنسان ربه، وهو الذي أوجده بعد أن لم يكن حيًّا، ومنحه الحياة، ثم يجري عليه الموت، ثم يعيده إلى الحياة مرة أخرى؟ وقد جاء هذا المعنى في مواضع أخرى من القرآن، منها قوله تعالى:  ﴿وَهُوَ الَّذِي ‌أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ﴾ [الحج: 66]

وتقرر الآية أن الإنسان مرّ بمراحل متتابعة من الوجود: كان في الأصل من عناصر مادية لا حياة فيها، ثم أنشأ الله منه كائنًا حيًّا، ثم يجري عليه الموت، ثم يعيده إلى الحياة مرة أخرى.

ويشرح القرآن هذه الفكرة بالقول إن الله أنشأ الإنسان من الأرض كما ينبت النبات، كما قال تعالى:  ﴿وَاللَّهُ أَنبَتَكُم مِّنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا . ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا﴾ [نوح: 17-18]. فالنبات يتغذى من العناصر الموجودة في الأرض، وينمو منها، والإنسان بدوره يتغذى على النباتات وعلى الحيوانات التي تتغذى بدورها على النبات أو غيره؛ ومن ثم فإن العناصر الأساسية التي يتكون منها جسم الإنسان ترجع في أصلها إلى عناصر مادية موجودة في الأرض.

وعندما يموت الإنسان ويتحلل جسده، تعود عناصره المادية إلى صورتها الأرضية. ثم يأتي البعث، فيعيد الله خلق الإنسان كما بدأ خلقه أول مرة، فتعود تلك العناصر إلى الدخول في بناء الكائن الحي من جديد. ويؤكد القرآن هذا المعنى في مواضع متعددة، منها قوله تعالى: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ [الروم: 19]، وقوله سبحانه في وصف إخراج النبات من الأرض:  ﴿فَأَنبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ . وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ . رِّزْقًا لِّلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتًا كَذَٰلِكَ الْخُرُوجُ﴾ [ق: 9-11].

وهكذا تنتقل الآية بالإنسان من التأمل في بداية وجوده وحياته إلى الإقرار بإمكان موته ثم بعثه، لتقرر أن الذي أنشأه أول مرة قادر على إعادته، وأن النهاية الحتمية لذلك كله هي الرجوع إلى الله للحساب والجزاء، كما قال تعالى:  ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ ‌تُرْجَعُونَ ﴾ [الجاثية: 15]

﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 29] 

يقرر القرآن أن ما في الأرض من موجودات ومنافع قد خلقه الله تعالى للإنسان، وسخّره له بما يحقق مصالحه ويعينه على القيام بما أُوكل إليه من عمارة الأرض. وقد ورد هذا المعنى في مواضع متعددة، منها قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: 29]، وقوله سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [لقمان: 20]، وقوله: ﴿وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ﴾ [الجاثية: 13].

وكلمة «ثم» في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ﴾ لا يلزم أن تفيد الترتيب الزمني أو أن أحد الأمرين وقع بالضرورة بعد الآخر من حيث الزمن، بل قد تأتي في اللغة العربية للدلالة على المصاحبة المطلقة أو الانتقال من معنى إلى معنى دون قصد ترتيب الأحداث زمنيًا.

وقد خلق الله سبحانه السماوات والأرض في ستة أيام، كما ورد ذلك في سبع آيات من القرآن. وقد خُلقت الأرض في يومين، ثم استغرق استكمال ما قُدّر فيها من أقوات ومقومات في أربعة أيام، وفي هذه المدة تم كذلك خلق السماوات في يومين، كما يُستفاد من قوله تعالى في سورة فصلت: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ… وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ… ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا… فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: 9-12].

وينبه القرآن إلى أن اليوم عند الله ليس بالضرورة مساويًا لليوم المعروف في حساب البشر؛ فقد وصف القرآن يومًا بأنه كألف سنة مما نعد، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج: 47]. وبناءً على هذا الفهم، تُقدّر الأيام الستة بستة آلاف سنة بحسب الحساب البشري.

ثم ظهرت أشعة الشمس التي تبعث النشاط والحياة في الأرض، ونشأت الظلمات والأنوار، كما يشير إليه قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام: 1]. وجُعلت الجبال على الأرض بما يسهم في استقرارها، وشُقت فيها الأنهار والوديان، وجُعلت الطرق، ثم أُحييت الأرض بالنباتات ومختلف صور الحياة، كما ورد في آيات متعددة، منها [النازعات: 27-33] و[النحل: 15] و[الأنبياء: 31] و[لقمان: 10].

هناك ربط بين نظام الأرض والشمس والنجوم وبين انتظام الظروف التي تتيح تعاقب الفصول واستمرار الحياة. ويستشهد لذلك بما ورد في القرآن من الإشارات إلى الشمس والقمر وحساب حركتهما، وإلى التوازن الدقيق في الكون، كما في قوله تعالى: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ . وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ . وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾ [الرحمن: 5-7].

وهذه المنظومة الكونية والأرضية، بما تشتمل عليه من عناصر وظروف ومنافع، قد سُخرت للإنسان، كما قال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ﴾ [الجاثية: 13]. ومن هذا المنظور، فإن الإنسان جاء في مرحلة متأخرة من مسيرة الخلق، بعد تهيئة الأرض والبيئة التي تقوم عليها حياته، وهو ما يتصل بقوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَىٰ عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا . إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ﴾ [الإنسان: 1-2].

وبذلك تعرض الآية الإنسان أمام حقيقة كبرى: أن ما حوله من عالم الأرض والسماء ليس قائمًا على المصادفة والعبث، وإنما هو داخل في منظومة خلق وتسخير وتقدير، والله تعالى ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾، فلا يخفى عليه شيء في هذا الكون، ولا يغيب عن علمه ظاهر الموجودات وباطنها.

ــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]  تشير الدراسات إلى وجود آلاف الأنواع المختلفة من البعوض. وقد اجتمعت في جسم هذا الكائن الصغير الذي لا يتجاوز طوله بضعة مليمترات، أجهزة حيوية بالغة التعقيد، تشمل وظائف التنفس والهضم والدوران وغيرها من العمليات التي تقوم عليها الحياة.

وللبعوض عينان مركبتان تتكون كل واحدة منهما من عدد كبير من الوحدات البصرية الصغيرة. كما يستطيع، بفضل بنيته العضلية وأجنحته، أن يرفرف بجناحيه بسرعة كبيرة وأن يتحرك في الهواء حتى في الظروف التي لا تكون فيها الرياح مؤثرة. وتمكّنه تراكيب دقيقة في أطراف أقدامه من السير على الأسطح العمودية، بل وعلى الأسقف.

وتقوم إناث البعوض بامتصاص الدم من أجل توفير ما تحتاج إليه بيضاتها من عناصر تساعدها على النمو. وتمتلك قرون استشعارها شعيرات دقيقة حساسة للحركة والصوت والروائح، تمكنها من إدراك الحرارة المنبعثة من الكائنات الحية، وكذلك رائحة العرق وثاني أكسيد الكربون والرطوبة، حتى في الظلام الشديد، فتستطيع تحديد الإنسان أو الحيوان والهبوط عليه.

وبواسطة أجهزة حسية دقيقة تستطيع تحديد مواضع الأوعية الدموية القريبة من سطح الجلد، ثم تستخدم أجزاء فمها المتخصصة للوصول إلى الدم. كما تفرز مواد في لعابها تساعدها على التغذي بسهولة، من خلال الحد من الإحساس بالألم وتأخير تخثر الدم.

 

أضف تعليقا

تصنيفات

Your Header Sidebar area is currently empty. Hurry up and add some widgets.