حبل الله
الإنسان بين التخيير والتسيير

الإنسان بين التخيير والتسيير

السؤال:

هل الإنسان مسيّر أم مخيّر؟ إذا كان مسيّراً، فما الهدف؟ وإن كان مخيّراً، فكيف ينطلق في حياته التي تملؤها المخاوف من الخسارة والضياع؟ أنا لا أستطيع تحديد الهدف من حياتي، وأشعر أنها عشوائية. أحب الله وعبادته، ولكن ماذا يجب أن أفعل؟ من سيدلني؟ وكيف أعرف أن تصرفي صحيح؟

سؤال آخر: هل يهتم الله بحياة كل إنسان ويصممها خصيصاً له، أم أن التصميم والاهتمام بالحياة ذاتها هو الاختبار؟ أشعر بالضياع والعشوائية، لماذا أنا هنا؟ ولماذا أفعل هذه الأمور المادية التي أراها ‘غبية’؟ لا يصبرني إلا يقيني بوجود الله. كيف أتوكّل على الله؟ لو قيل لي إن الصبر يعني تحمل المشاق وأن هذه الصعاب من الله، لقبلت، لكنني لا أشعر أن معاناتي لي؛ فما أمر به صعب لكنه ليس كصبر الأنبياء، وأشعر أن صبري على الحياة لن يُجازى، وربما هو مجرد وهم في رأسي.

هذا ينقلني لسؤال آخر: لماذا الامتحان مفتوح بهذه الدرجة؟ لماذا هو غير واضح؟ حتى ذاتي لا أستطيع أن أبصر بها، ولا أستطيع التفرقة بين الروح والنفس والوعي. وأخيراً، ربما كل هذا مرض جسدي أو فكري يؤدي لتفكيري بهذه الطريقة. المزعج في الأمر أنه يصاحبه شعور جسدي بضيق شديد، وأحياناً اختناق وصعوبة تنفس. هناك أمور لا أستطيع تفسيرها، كأن ما أخاف منه يحدث، وهذا يحدث تناقضاً لدي: إذا كنت أنا المحاسب، كيف تحدث أمور خارج إرادتي؟ مثل الوسواس القهري مثلاً. هل أتجه للرقية الشرعية لحل مثل هكذا مشكلة، أم أنها أسئلة مشروعة لها إجابات؟

أطلت الحديث وربما قد تجاوزت بعض الحدود ولكني أريد جواب ينهي مشكلتي غير الموجودة وبارك الله عليكم.

الجواب:

نرجو أن يطمئن قلبك تماماً، فما طرحته ليس تجاوزًا ولا إطالة، بل هو حوارٌ عقلي ووجداني مشروعٌ جداً؛ فالله سبحانه وتعالى خلقنا وخلق فينا الفطرة على حب الاستطلاع والتساؤل والبحث المستمر، الذي يبدأ معنا منذ الطفولة حين يسأل أحدنا: كيف جئتُ إلى الدنيا؟ وأين الله؟ وغيرها من الأسئلة، وهي غريزةٌ فطريةٌ تدفعنا نحو المعرفة، وقد أرشدنا القرآن الكريم إلى هذا النهج في البحث والتأمل بقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف 185]

وضرب لنا القرآن أمثلةً لأنبياء طلبوا الاطمئنان، مثل قول نبي الله إبراهيم عليه السلام: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَىٰ﴾ فلم ينكر ربه عليه قوله وإنما سأله: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِن؟﴾ وحين: ﴿قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة 260] جعله يرى بعين اليقين ما آمن به بعلم اليقين.

بل إن الله جل جلاله، عندما عصاه إبليس، لم يمنعه من الكلام أو الحوار، بل أفسح له المجال ليحاجج ويطلب المهلة، فكيف بمن هو مثلك محبٌ لله سبحانه ويبحث عن الحق وسط حيرةٍ صادقة؟ وهو الذي نهى عن نهر السائلين: ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ﴾ [الضحى: 10] فكيف ينهرك من رحمته بسؤالك عن حكمته! فأنت لست في معصية بسؤالك هذا، بل في مقام الباحث عن الحقيقة

الإنسان مسيّر أم مخيّر؟

إن حقيقة وجودنا لا تكمن في كونه تسييرًا جبريًا يسلبنا الإرادة، ولا في حرية مطلقة تتركنا وحدنا في مهب الريح – فالله الذي خلقنا لا يتركنا مصداقًا لقوله: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة 36] فنحن ندور في فلك ما نسميه – إن جاز لنا التعبير – بــ:

الاختيار المُسيَّر والميسر

نحن نعيش في إطارٍ قدّره الله تعالى بدقة؛ فنحن مسيّرون في جنس خلقتنا ذكرًا أم أنثى ووالدينا، إلى زمان ومكان وجودنا، وكذلك في الابتلاءات التي تحدث لنا على مدار حياتنا، وحتى لحظة رحيلنا ليس لنا فيها اختيار، وهذا التسيير ليس عشوائياً، بل هو ميدان الاختبار الذي صُمم خصيصاً لك، كما قال تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ [القصص: 68].

والعشوائية التي تشعر بها ربما بسبب نظرتك لـ دائرة التسيير (الظروف) ومحاولتك التحكم فيها، بينما الاختبار الحقيقي هو في دائرة التخيير (رد فعلك، سعيك، توكلك) تجاه هذه الظروف؛ فحين تخلص نيتك في السعي، يتحول ما تظنه قيوداً في حياتك إلى تيسيرٍ من الله ومعيّةٍ تسندك مصداقًا لقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَاتَّقَىٰ . وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَىٰ . فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ﴾ [الليل: 5-7] وكذلك على النقيض يحدث التيسير حتى عند اختيار الطريق الآخر من التكذيب: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَىٰ﴾ [الليل: 10]

وهذا المفهوم الذي نتحدث عنه ليس مجرد فكرة نظرية، بل عاشه الأنبياء عليهم السلام كمنهج حياة، يتقاطع فيه التسيير الذي يفرضه القدر، مع التخيير الذي يمارسه الإنسان بسعيه واختياره، ثم يتبعهما التيسير الإلهي كمدد ونصر.

كيف يتجسد هذا المفهوم في حياة الأنبياء؟

فقد كان لكل نبي إطار تسيير خاص به، ومساحة تخيير امتحنه الله تعالى فيها صدق سعيه ويسر له أمره، فعلى سبيل المثال لا الحصر:

  • نبي الله موسى عليه السلام:
  • دائرة التسيير: لم يختر أن يولد في زمن استضعاف، ولا أن يُلقى به في اليم، ولا أن يتربى في بيت عدوه الطاغي، بل كان ذلك باختيار تام من العلي القدير ليصطفيه لمهمة معينة: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ [طه: 41]
  • دائرة التخيير: ولكنه اختار نصرة المظلوم، واختار مواجهة الطاغية، واختار اليقين وقت العجز: ﴿إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء 62]
  • فتحقق له التيسير في تلك اللحظة، تدخّلت المعية الإلهية بــ (التيسير) لتشق له البحر.

هو لم يملك النتيجة (شق البحر)، لكنه ملك الاختيار (المضي قدماً والتوكل) هذا هو جوهر حياتك بالضبط: أن تمضي في سعيك وأنت تعلم أن الله سبحانه هو من يدبر لك البحر وما بعده.

  • نبي الله يوسف عليه السلام:
    • دائرة التسيير: لم يختر غدر إخوته به، أو بيعه كعبد، أو فتنة جماله، أو دخوله السجن ظلماً.
    • دائرة التخيير: ولكنه اختار العفة والتعلق بربه حين أُغلقت الأبواب: ﴿قال رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ [يوسف 33] واختار الإحسان وتمسك بالدعوة وهو في السجن، واختار العفو عند المقدرة بعد التمكين، فهو لم يتحكم في ظروفه، لكنه تحكم في رد فعله تجاهها.
    • فكان التيسير: بالتمكين في الأرض: ﴿وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ﴾ [يوسف 56]
  • نبي الله أيوب عليه السلام:
    • دائرة التسيير: ابتُلي بمرض عضال، وفقد ماله وولده، وضاق عليه الحال.
    • دائرة التخيير: اختار الصبر والثبات، لم يجزع ولم ييأس، بل اختار الدعاء والتوجه لربه بضعفه: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء 83]
    • فكان التيسير في كشف الضر والفرج بعد الضيق: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا﴾ [الأنبياء 84]
  • خاتم النبيين عليه السلام:
    • دائرة التسيير: لم يختر أن يولد يتيماً، أو يعيش في بيئة جاهلية، وأخرى فيها من مرد على النفاق، وفتن طائفية من يهود ونصارى، ولم يختر أن يُخرج من وطنه ويُحارب.
    • دائرة التخيير: لكنه اختار الثبات على الحق والصدع بالرسالة رغم كل العقبات: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الحجر 94] تعامل باللين وتخلق بالرحمة والرأفة.
    • فتحقق التيسير بالمعية الإلهية في أحلك الظروف: ﴿إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾ [التوبة 40]

فلم تكن حياة الأنبياء عشوائية، بل كانت منهجاً إلهياً مقصوداً، والله تعالى كان قادراً على أن يهلك أعداءهم ويمهد لهم الطريق قبل مولدهم أو حين بعثتهم، لكنه اختار أن يعيشوا معاناة قومهم ليشعروا بآلامهم ويحملوا همومهم بصدق، وهذا المعنى يمتد بعمق خلف قول الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم 4] فـ اللسان هنا ليس مجرد لغةٍ وبيان، بل هو ينطبق كذلك على لسان الحال، فيعيش الرسول بآلام قومه، وقد نجح الأنبياء لأنهم واجهوا تحديات واقعهم بصدق السعي والتحمل؛ فالحكمة من الابتلاء أن تجاهد داخل ظروفك، لا أن تهرب منها.

وحياتك أيها السائل الكريم وحياة كل إنسان تشبه مسيرتهم في هذا المعنى؛ فأنت لست مسؤولاً عن دائرة التسيير (الابتلاءات والظروف والواقع الذي وُجدت فيه)، لكنك مسؤول تماماً عن دائرة التخيير (رد فعلك، سعيك، توكلك، وموقفك من آلامك وتحدياتك)، وعلى قدر صدق اختيارك ومثابرتك في هذا الميدان، يأتي الوعد الإلهي بالنتيجة.

والجميل في رحلة الإنسان هو أن التسيير والتخيير ليسا متناقضين، بل هما وجهان لعملة واحدة؛ فالله يُسيّر لك الظروف والمواقف لتكون بواباتٍ للبحث، وأنت تختار بـإرادتك الحرة كيف تتعامل معها، فإن آمنت وصدقت وثبت على الحق فسييسره الله تعالى لك.

أما عن مشاعرك وتساؤلاتك المشروعةٌ، فقد فندها القرآن وأزال أرقها بنوره وهديه:

حول فكرة المشكلة غير الموجودة

إنَّ شعورك بأنك تواجه مشكلة غير موجودة ليس دليلاً على توهمك، بل هو بدايةُ رحلتك نحو الحقيقة؛ ولولا هذا الشعور لما طرقتَ أبواب التساؤل، فالله يعلم حقيقة ما تعانيه في حديثه عن خفايا النفس وعلمه بمواطن الضعف الإنسانية في قوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق 16] فاجعل من هذا الشعور بداية الإدراك لا سبباً للتشكيك في ذاتك أو في واقعك.

 هل حياتي تصميمٌ خاص أم اختبار؟

الجواب: نعم، وكما ذكرنا أنها صممت لأجلك أنت، فقد تشعر أنك رهينةٌ للظروف، لكن القرآن يصحح لنا هذه النظرة؛ فأنت لست رهينةً لما يحدث لك، بل أنت رهينةٌ لما تفعله تجاه ما يحدث لك فـــ ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر: 38] ولم يقل (كل نفس فيما عاشت رهينة) وكما بينا في سير الأنبياء – أنه لا تعارض بين أن تكون حياتك مُدبّرةً بعنايةٍ إلهية، وبين أن تكون ميدان اختبارٍ لروحك؛ فكل تفصيلٍ تعيشه هو رسالة، وكل موقفٍ يواجهك هو فرصةٌ لتثبت اختيارك؛ وأيما اخترت لحقك التيسير الإلهي.

لماذا الامتحان مبهم وغير واضح؟

الامتحان ليس معادلة رياضية لها نتيجة وحيدة، بل هو قصة حياة؛ ولو كان الامتحان واضحاً تماماً (كما في القوانين الفيزيائية) لانتفت الحرية ولتحول الإنسان إلى آلة تنفذ الأوامر؛ فالغموض هو المساحة التي تظهر فيها حقيقة جوهرك، وقد خلقك الله لتختار: ﴿ونفسٍ وما سوّاها. فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا. قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا. وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس: 8 -10] وهذا الاختيار يحتاج إلى بيئة غير محسومة حتى لا يكون إيمانك إجبارياً، بل طوعياً؛ فهذا الغموض هو المكان الذي تولد فيه العبقرية الروحية، حيث تبحث، وتتعب، وتخطئ، ثم تصحح.

صبري ليس كصبر الأنبياء

المقارنة هي الفخ الأكبر؛ فالله تعالى لا يحاسبك بميزان الأنبياء، بل بميزان وسْعك الشخصي ومقاومتك في ظروفك الخاصة حين قال: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة 286] فالأنبياء قادوا أمماً، وأنت تقود نفسك وروحك وسط أمواج الحيرة، وهذا بحد ذاته جهادٌ يتفهم ربُّك العظيم ثقلَه. فاستمر في ثباتك، واترك النتائج لمن ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ﴾ وتيقن أن كل ثقلٍ يمر بك يكمن فيه يسرٌ يطمئن به قلبك ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح 5].

صبري لن يُجازى

لا تظن أن معاناتك طاقةٌ مهدرة؛ فربك  يرى هذا الفعل ويحفظه بدقة متناهية لا تُغادرها صغيرة ولا كبيرة، حتى ما كان مكتوماً في أعماق نفسك، وكل لحظة صبرٍ مريرة يعلمها ويجبرها بالإيمان واليقين، فما تسقط من ورقة إلا يعلمها: ﴿إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ… يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان 16] فهو سبحانه أرحم من أن يُضيع إيمانك وصدق سعيك كما وعد: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [البقرة 143].

حتى وإن ضللت في وسط الطريق فسوف تعود مادام النور يكمن في قلبك: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ﴾ [طه:123] فثق بأن قلبك الذي لم يستسلم للضياع، سيجدُ بإذنه تعالى سعة الهدى وطمأنينة الوصول.

لماذا أحاسب على أفكار خارج إرادتي؟

اطمئن، فالله أرحم بك من نفسك؛ أنت لا تُحاسب على ما يمر بذهنك من وساوس طالما أنت كارهٌ لها، فهذه الأفكار مجرد ضيوفٍ ثقيلة تقتحم عقلك دون إرادة منك، والعبرة عند الله ليست بمرور الفكرة، بل بما يستقر في قلبك ويختاره، تماماً كما لا يحاسب الله العبد على لغو اليمين – أي الكلام الذي يجري على اللسان دون قصدٍ حقيقي أو كسب للقلب مصداقًا لقوله: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [البقرة: 225]

وتذكر أن الخطر ليس في حدوث الفكرة، بل في الاسترسال معها ومنحها شرعية الوجود، ولا تجعل من وعيك ساحةً لمعارك لا تختارها، ولا تسمح لها باستنزاف سلامك النفسي، واحمِ عقلك من دوامة القلق عملاً بقوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: 195]

كيف أتوكل على الله؟

التوكل هو التوازن بين العمل واليقين؛ ابذل جهدك كأن الأمر بيدكَ، ثم سلّم النتيجة لله كأن الأمر بيد الله وحده.

  • مرحلة العمل: ابدأ باتخاذ قرارك والسعي بكل ما أوتيت من قوة: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران: 159].
  • مرحلة الاطمئنان: حين تثق بربك وتوكل أمرك إليه، سيُدبر لك ما يُغنيك ويُريح قلبك: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: 3].

فالتوكل ليس استسلاماً للظروف، بل هو قوةٌ تمنحك الطمأنينة أثناء السعي، والرضا بما يقدره الله تعالى بعد انتهائه؛ وهو أقصر طريق للخروج من دوامة القلق.

لماذا أنا هنا؟

أنت هنا لتحقق الغاية التي أرادها الخالق لك، والتي بيّنها بوضوحٍ لا شائبة فيه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56] لكن تذكر؛ هذه العبادة ليست مجرد طقوسٍ منعزلة في صلاةٍ أو صيام، بل هي نمط حياة شامل، فالعبادة الحقيقية التي أرادها رب العالمين تمتد لتشمل كل تفاصيل يومك؛ فلا تخطو خطوةً إلا في الطريق الذي رسمه لك، مستعيناً به ومتوكلاً عليه.

إنها في تعاملك، ودراستك، وعملك، وفي أدق تفاصيل حياتك من زواجٍ أو طلاق، ومن سفرٍ أو نزهة، في مواقفك السياسية والاجتماعية، العبادة هي التطبيق العملي لقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: 162]

أحب الله وعبادته، ولكن ماذا يجب أن أفعل؟ ومن سيدلني؟

الدلالة ليست شخصاً يُملي عليك، بل هي منظومة ربانية تتكامل في حياتك:

  • القرآن هو البوصلة: هو النص المرجعي الذي يعيد ضبط إحداثيات روحك كلما تاهت: ﴿إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: 9] فاجعل علاقتك به علاقة استنطاق للحياة؛ اقرأه ليفسّر لك مشاعرك، لا لتبحث عن حكمٍ فقهي جاف دون النظر في الحكمة من ورائه؛ فالحكمة هي وسيلة قراءة للأحداث وتجلي الحقائق بشفافية: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: 269]
  • التقوى مفتاح البصيرة: التقوى ليست مجرد التزامٍ بالحدود، بل هي المفتاح الذي يفتح مغاليق الفهم؛ فحين تتقي الله في السر والعلن، يمنحك بصيرةً حادة تفرق بها بين الحق والباطل مصداقًا لوعده: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ [الأنفال: 29] هذا الفرقان هو الذي يجعلك تستشعر الخطأ قبل الوقوع فيه، وهو الذي يقوي بصيرتك ويلهمك الصواب، فتمشي وكأن معك مصباحًا يضيء الدروب: ﴿وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ [الحديد: 28].
  • الدعاء: حين تطلب الهداية بصدق في صلاتك: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ فإن الله تعالى سيسوق لك أسباب الهداية؛ قد تكون فكرةً تلمع في ذهنك، أو موقفاً يمر بك، أو حكمةً تستقر في قلبك، فالتوفيق هو تدبير الله تعالى لخطواتك.

كيف أعرف أن تصرفي صحيح؟

صحة طريقك الديني لا تُقاس بالأداء الروتيني، بل بالأثر الذي يتركه الإيمان في داخلك وسلوكك، ويمكنك قياس ذلك ببعض المؤشرات:

  • السكينة: أول مؤشر لصحة طريقك هو السكينة؛ فالإيمان الحقيقي لا يورث قلقاً مستمراً، بل يمنحك طمأنينةً تؤنس قلبك وتجعلك في حالة سلام مع أقداره تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح: 4] فإذا وجدت أن تصرفك يورثك هدوءاً في نفسك، فهذه علامةٌ على أنك تسير في الاتجاه الصحيح.
  • اللين (الرحمة): كلما اقتربتَ من الله تعالى، أصبحتَ أكثر ليناً مع نفسك ومع الآخرين؛ فإن كان طريقك يجعلك قاسياً، أو متعالياً، أو سريع الحكم على الناس، فلعلك بحاجة لمراجعة مسارك، كما قال الله تعالى لنبيه الكريم: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: 159].
  • توازن الروح والنفس: العبادة الصحيحة هي التي تزيدك وعياً وفاعليةً في واقعك، لا التي تغرقك في العزلة والهروب من المسؤوليات، فالدين الحق يجعلك أكثر حياةً، فالله تعالى يريد أن يحييك حياةً كريمةً وفاعلةً بقلبٍ مؤمن: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: 97] وهذا التوازن يعني أن تسعى لآخرتك وتُعمر دنياك دون إفراط أو تفريط امتثالًا لأمره: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص: 77].

استمر في بحثك، وابقَ قريباً من القرآن، ولا تحمل نفسك فوق طاقتها؛ فالله لا يريدك معصوماً، بل يريدك طالباً للحق، فلا ترهق نفسك بما فوق وسعك: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن 16].

هل أتجه للرقية الشرعية لحل مثل هكذا مشكلة؟

إنَّ أكبر خطأٍ يقع فيه المرء هو حصر علاقتة بالقرآن في كونه أداة لاستجابة الحاجات الدنيوية أو رقيةً لتذليل العقبات؛ فلو كان القرآن مجرد وسيلةٍ لتغيير واقع المادة لتغيرت نواميس الكون، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَىٰ بَل لِّلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا﴾ [الرعد: 31].

من وهمِ الرقية إلى رحابِ الرُّقِيّ: القرآن منهجٌ للبناء لا للهروب

إن الغارق في الوساوس لا يحتاج لرقيةٍ خارجية، بل لتغييرٍ داخلي، فعندما يبحث الإنسان في أزمته عمن يرقيه: ﴿وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ﴾ [القيامة: 27] فإنه يغفل عن جوهر الخلل الذي كشفه القرآن عند طلب الرقية: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّىٰ﴾ [القيامة: 31]؛ فالنجاة ليست في البحث عن راقٍ، بل في أن ‘ترتقي’ أنت بذاتك عبر القرآن.

فاجعل القرآن منهج حياةٍ يهديك للحق: ﴿إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: 9] وشفاءً لروحك: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: 82] وذلك ليس بالرقية به، وإنما بتدبره وتطبيقه الذي يترقي بك في عليين؛ وحينها ستغمرك الطمأنينة: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28].

ومن هنا عليك بالتحرك في الاتجاه الصحيح وليس المعاكس؛ للخروج من دائرة اليأس إلى فضاء السعي والعمل، فأنت بحاجة إلى تغيير في منهجية التفكير:

1-  حوّل بوصلتك من النتائج إلى السعي المستمر: لا تعلق أملك بما لا تملكه (النتائج)، بل بما تملكه (العمل). وداوم على سعيك مهما بدا بطيئاً، والله يراقب صبرك ويسجّل سعيك: ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ﴾ [النجم: 39]، ووثّق إنجازاتك الصغيرة لترى تقدّمك وتكسر وهم الركود، فقيمتك في المحاولة ودوام السعي: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور: 48].

2- احمِ قلبك باليقين، والأخذ بالأسباب، والاتصال بالله: لا تسمح لليأس بأن يغلق أبواب الأمل في وجهك فــ ﴿إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف 87] وإذا اشتدّ عليك الضيق وتجاوز حدود الحيرة، فاستعن بالمختصين كجزءٍ من الأخذ بالأسباب: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43] واجعل الصلاة ملاذك الدائم لتخرج من دائرة الهلع إلى رحاب الطمأنينة، فالمصلون هم المستثنون من اضطراب النفس: ﴿إِلَّا الْمُصَلِّينَ﴾ [المعارج: 22].

أما عن تساؤلاتك التي تدور حول الروح والنفس والوعي:

  • الروح (النفحة الإلهية): هي مشكاة النور فيك؛ الجوهر الذي يمنح حياتك قيمتها ومعناها، من خلالها تتصل بصفات الرحمة والخير والعدل: ﴿ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ﴾ [السجدة: 9] وبدونها يغدو القلب كالصخر قسوةً وجفاءً.
  • النفس (الوعاء والتجربة): هي الميدان الذي تعيش فيه صراعك وتفاعلك مع الدنيا. هي وعاؤك الذي يتقلب بين تحديات الواقع وبين قدرتك على تزكية نفسك أو اتباع هواها، ومن خلالها تختار وجهتك: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا . فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس: 7-8].
  • الوعي (ثمرة المسيرة): هو النضج الذي تكتسبه عندما تتفاعل روحك مع تجارب نفسك عبر الحياة. هو البصيرة التي تميز بها سنن الله جل وعلا وتفهم الحقائق؛ فتصبح أذنك واعية لما يدور حولك بقلبٍ يرى بنور ربه: ﴿لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ [الحاقة: 12].
  • خلاصة الرؤية: الروحُ هي المُحرّك، والنفسُ هي الميدان، والوعيُ هو الخلاصة؛ فهذه الأركان الثلاثة هي أدواتك التي تُدير بها معركتك بين التسيير والتخيير، وكلما كان وعيك متصلاً بروحك الصافية، أصبحت أكثر قدرة على فهم الحياة، وأكثر طمأنينة في مواجهة عواصفها.

وفي الختام:

هذه الرحلة ليست سباقاً؛ فلا بأس إن تعثرت، المهم ألا تتوقف، تذكر أن حيرتك مفترق طرق: فإما أن تكون دافعاً للبحث والارتقاء، فيفتح الله سبحانه لك أبواب الهداية بصدق سعيك: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: 69]، وإما أن تتحول إلى استسلامٍ ويأس، فتصبح كالتائه الذي فقد بوصلته: ﴿كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ﴾ [الأنعام: 71].

فاجعل من حيرتك محركاً للمسير لا عائقاً أمامه: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾، واعلم أن صدق سعيك في دائرة التخيير هو الذي يحدد وجهة الوصول، وهو الذي يحوّل تساؤلاتك من مجرد حيرة إلى يقين، فواصل سعيك واثبت على طريقك، ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر 99]

ندعو الله تعالى أن يشرح صدرك وييسر أمرك ويسدد خطاك.

الباحثة: شيماء أبو زيد

تعليق واحد

  • {كلا إن معي ربي سيهدين} {قال لا تخافا إنني معكما أسمع و أري} صدق الله العظيم.. بارك الله فيك وجزاك خيرا يارب.. لقد بكيت و قرأت مرة و اتنتين.. وفقك الله لما يحب و يرضي.

تصنيفات

Your Header Sidebar area is currently empty. Hurry up and add some widgets.