حبل الله
ماهيَّة الرُّوح

ماهيَّة الرُّوح

كما يظهر من الآيات ذات الصِّلة فإنَّ ما جعل البشر إنسانا هي الرُّوح. كلمةُ الرُّوح في القرآن تأتي بمعنيين. الأول: علم الله تعالى، الثَّاني: الملَكة التي حمَّلها الله تعالى للإنس والجنِّ فصاروا بموجبها قادرين على تلقِّي علم الله وتقييمه، وبالتَّالي صاروا أهلا للامتحان بمقتضى ذلك العلم[1].

ويمكن الوصول إلى علم الله تعالى من مصدرين اثنين؛ الأول: الآيات المنزلة أي كتاب الله تعالى، والثَّاني: الآيات المخلوقة، وهي جميع الكائنات.

والاسم الآخر لهذا العلم هو الذِّكر، ويصل الإنسان إلى هذا الذِّكر بنظرته الفاحصة في الموجودات وملاحظة الرَّوابط بينها والتَّفاعلات بين عناصرها. وهذه بعض الآيات ذات الصِّلة:

{وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأنزلنَا مِنَ السَّمَاء مَاء طَهُورًا. لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَّيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أنعَامًا وَأناسِيَّ كَثِيرًا . وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا} (الفرقان 25/48-50)

قوله تعالى “ليذَّكروا” من التَّذكُّر وهو من باب التَّفعُّل، وهذا القالب يحمل معنى التَّكلف، الذي يعني الوصول إلى الهدف خطوة خطوة دون تواني. ولهذا كان من معاني التَّذكُّر الوصول إلى الذكر خطوة بخطوة. لأنَّ الوصول إلى المعلومة عبر ملاحظة الكائنات يحتاج إلى وقت.

الذِّكر هو الاسم المشترك لجميع كتب الله تعالى. وهذا يثبت أنَّ المعلومات التي يتمُّ الحصول عليها من الفهم الصَّحيح للكتب الإلهية تنسجم تماما مع المعلومات التي يتمُّ الحصول عليها من الطبيعة. يقول الله تعالى:

{وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ، فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إنَّ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ. بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ[2] وَأنزلنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ[3] وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} (النحل 16/43-44)

{أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً، قُلْ هَاتُوا بُرْهَانكُمْ، هَذَا ذِكْرُ مَن مَّعِيَ وَذِكْرُ مَن قَبْلِي، بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُم مُّعْرِضُونَ} (الأنَّبياء 21/24)

{إنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ[4] وَإنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} (الحجر 15/5)

يفهم الشخص من خلال معارفه التي يحصل عليها من بيئته ومن نفسه أنَّ القرآن هو الكتاب الذي أنزله الله تعالى. وهذه الآية توضِّح الأمر:

{سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أنَّه (القرآن) الْحَقُّ، أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أنَّه عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} (فصلت 41/53)

ما ورد أعلاه هو جزء من مقالة أ.د عبد العزيز بايندر (البشر والإنسان في القرآن) المنشورة على الرابط التالي https://www.hablullah.com/?p=3404

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]   للمزيد من المعلومات حول موضوع الروح ننصح بقراءة مقالة عبد العزيز بايندر (الرُّوح: العلم الآتي من الله تعالى، والقدرة على تقييم هذا العلم) على الرابط التالي https://www.hablullah.com/?p=3321

[2]  الزبر جمع زبور، وتأتي بمعنى الكتب المليئة بالحكمة. وقد ورد في سورة (آل عمران 3/18) أنَّ الله تعالى قد أنزل على جميع الأنَّبياء الكتاب والحكمة، لذا لا يمكن أن يكون معنى كلمة الزبر الواردة في الآية أعلاه سوى الكتب المليئة بالحكمة، وهذا ما يفهم من الآيات التالية أيضا (النحل 16/43-44، الشعراء 26/196، فاطر 35/25، القمر 54/43)، وواحد من هذه الزبر قد أنزل على داوود عليه السلام (النساء 4/163، الإسراء 17/55) ولأنَّه لا يوجد اسم خاص للكتاب الذي أنزل على داوود فقد وردت تسميته بـ (زبور) خاليا من أل التعريف. وقد وردت كلمة الزبور معرفة بالألف واللام في سورة (الأنَّبياء 21/105) وتعني الكتاب الذي أنزله الله تعالى على جميع النبيين ومنهم داوود.

[3]  يبين لهم بعض الذي أخفوه كما جاء في قوله تعالى {يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ} (الـمَّائدة 5/15)

[4]  بحسب التفاسير التقليدية فإنَّه يتمُّ إعطاء كلمة الذكر معنى القرآن. بما أنَّ الآيات ابتداء من الآية الرابعة من ذات السورة تتحدث عن الذكر الذي أعطي للأمم السابقة والأنَّبياء الذين أرسلوا إليهم ، فإنَّ الصحيح شمول كلمة الذكر لجميع الكتب الإلهية.

Your Header Sidebar area is currently empty. Hurry up and add some widgets.