حبل الله
البشر والإنسان في القرآن الكريم

البشر والإنسان في القرآن الكريم

البشر والإنسان في القرآن الكريم

أ.د عبد العزيز بايندر

مدخل

تُستخدم كلمة بشر في القرآن للإشارة إلى التَّركيب الـمادِّي للشَّخص، أما كلمة الإنسان فتدلُّ على الهيكل الـمَّادِّي والرُّوحي معا. وقد علمنا ذلك من خلال قوله تعالى:

{إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إنَّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ. فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ} (ص 38/71-72)

كما سيظهر بعد قليل فإنَّ نفخ الرُّوح في البشر يجعلُه سميعا بصيرا، ومن هنا يصير صاحب ملَكَة تمكِّنه من ابتكار المعرفة. المعلومات التي يتوصَّل إليها الإنسان بهذه الملَكة تخضع لتقييم العقل، لكنَّ القلب هو صاحب اتخاذ القرار. لهذا السبب فإنَّ كثيرا من النَّاس يقعون حيارى بين ما يقتضيه العقلُ من التَّقييم الصَّحيح للمسائل وبين المنافع التي يميل إليها القلب، فالَّذين يقعون فريسة تغليب المنفعة يتَّخذون القرار الخاطئ، بينما أولئك الذين يُغلِّبون العقل فيتَّخذون القرار الصَّحيح. وسؤورد بعض الآيات التي تؤكد عاطفية الإنسان عموما، بينما تصف أولئك الذين يتصرَّفون بالشكل صحيح كما يلي:

{إنَّ الإنسان خُلِقَ هَلُوعًا. إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا. وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا. إِلَّا الْمُصَلِّينَ[1] . الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ . وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ. لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ. وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ. وَالَّذِينَ هُم مِّنْ عَذَابِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ. إنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ. وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ. إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ[2] أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانهمْ[3] فَأنَّهمْ غَيْرُ مَلُومِينَ. فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ. وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَاناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ. وَالَّذِينَ هُم بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ. وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ. أُوْلَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُّكْرَمُونَ} (المعارج 70/19-35)

ويُبيِّن الله تعالى في الآية التَّالية أنَّه خلق الإنسان على الفطرة:

{فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا، لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ، ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} (الروم 30/30)

الفطرة مشتقة من الفَطر، وهو مصدرٌ يقع على عدِّة معان. وأصل الفطر: الشَّقُّ طولا[4]. وبحسب الآية، فإنَّ الفطرة هي القانون الذي خلقه الله في خلق البشر، والآية التَّالية تبيِّن إنَّ هذا القانون كان نافذا كذلك في خلق السَّموات والأرض:

{إنَّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا إنَّاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} (الأنَّعام 6/79)

وتشير الآيات التَّالية إلى أنَّ النِّهاية ستحدث وفقًا لنفس القاعدة:

{إِذَا السَّمَاء إنَّفَطَرَتْ[5]. وَإِذَا الْكَوَاكِبُ إنَّتَثَرَتْ. وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ. وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ. عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ} (الأنَّفطار 82/1-5)

وفقًا لكلِّ هذه الآيات، فإنَّ الفطرة تدل على البنية الأساسيَّة للكائنات، ومبادئ وقوانين الخلق، والتَّطور، والتَّغيير الذي يشكِّل ذلك الهيكل. بما أنَّ الدين الصحيح يوصف _في الآية 30 من سورة الروم_ بأنَّه الفطرة ، فإنَّ دين الله في وئام تام مع البنية الإنسانية والبشرية للشخص. فعندما يتخذ القرار مراعيا التوافق بين العقل والقلب مبتعدا عن ما يرفضه العقل فقد تصرف بمقتضى الفطرة وحمى نفسه من الأخطاء، ويكون بهذا الحال من المتَّقين، وما إنَّ يسمع بدين الله تعالى حتى يبادر بقبوله واتباعه على وجه السرعة. وقد جاء في أولى آيات الكتاب قولُه تعالى:

{الم[6] ذَٰلِكَ ٱلْكِتَٰبُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى[7] لِّلْمُتَّقِينَ} (البقرة 2/1-2)

مَن يقدِّمون أهواءَهم ورغباتهم على عقولهم فأنَّه لن يعجبهم دين الله تعالى، وهؤلاء إمَّا أن يعمدوا إلى تغطية ما علموا من الحقائق فيصبحوا بذلك كفارا وإما أن يعملوا جاهدين على تطويع الدِّين لـمآربهم عبر التَّحريف والوضع زاعمين التَّديُّن، ويكونوا بذلك قد دخلوا في عالم النفاق. وفي مثل هؤلاء يقول الله تعالى:

{إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا[8] سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ. خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ[9] وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ. وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ. يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا[10] وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ. فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كانوا يَكْذِبُونَ} (البقرة 2/6-10)

إذا كان الدِّين هو الفطرة، فإنَّ الآيات التي تُعرِّف البشر بهذه الدِّقَّة المتناهية يجب أنَّ تكون واحدة من البراهين الواضحة على أنَّ القرآن هو كتاب الله تعالى.

والأنَّ لنحاول فهم مصطلحي البشر والرُّوح

1_ البشر

كلمة البشر في القرآن تشير إلى الجانب الـمادِّي من الإنسان، يقال لظاهر جلد الإنسان في العربية البشرة، وكلمة بشر التي تشترك مع البشرة في الجذر اللغوي تشير إلى تميِّز جلد الإنسان عن جلد غيره من المخلوقات. وبسبب هذا الفارق الذي جعله مضطرَّا للِّباس صار الكائن الوحيد الذي يمكنه العيش في كلِّ المواسم وفي أيِّ مكان من الأرض.

والآيات التَّالية تشير إلى أهميَّة اللباس بالنسبة لآدم وبنيه:

{يَا بَنِي آَدَمَ قَدْ أنزلنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآَتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى[11] ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ. يَا بَنِي آَدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَان كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآَتِهِمَا أنَّه يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ} (الأعراف 7/26-27)

{يَا بَنِي آَدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا أنَّه لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ. قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} (الأعراف 7/31-32)

نفهم من جميع الآيات ذات الصِّلة وممِّا شاهدناه في الواقع أنَّ جلد البشر مختلفٌ عن جلود غيره من الكائنات الحيَّة. إنَّ الذين عاندوا أنبياء الله كان لهم ذات الميِّزات البشريَّة التي يملكها الأنَّبياء، لذا كثر تركيزهم على كون الأنَّبياء لا يختلفون اختلافا يقتضي اتِّباعهم. يقول الله تعالى:

{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ.  فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأنزل مَلَائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ} (المؤمنون 23/23-24)

يمكن تقسيم الكائنات الحيَّة إلى مرئيَّة وغير مرئيَّة، وغير المرئي منهما يقالُ له الجنّ. وقد خلق الله تعالى الإنسان الأول (آدم عليه السَّلام) من الطِّين؛ وهو التُّراب المجبول بالـمَّاء، بينما خلق الجنَّ من النَّار المختلطة بالـمَّاء. يقول الله تعالى:

{خَلَقَ الإنسان (آدم) مِن صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ. وَخَلَقَ الْجَانَّ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ} (الرحمن 55/14-15)

{وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ. وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ} ( الحجر 15/26-26)

الجانَّ هو اسم الفاعل من الجنِّ، واسمُ الفاعل ينبئ عن الحدث، ويعني الكائن غير المرئي. وحتى تكون النار سامَّة  يجب أن تكون ذات دخان، ويكون في الدُّخان ماء.

ويُفهم من الآية التَّالية أنَّ الملائكة فريقٌ من الجنَّ:

{وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كان مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ، أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ، بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا} (الكهف 18/50)

ولفهم قوله تعالى {كان مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ} لا بدّ من الإجابة على السُّؤال التَّالي: من هم الجنّ الذين لم يفسقوا عن أمر ربِّهم؟ الإجابة الوحيدة الممكنة على هذا السُّؤال هي: الملائكة. والملكُ الوحيد الذي فسق عن أمر الله هو إبليس، ولو لم يكن إبليس من الملائكة لـما كان مكلَّفا بالسُّجود لآدم. والفهم الصحيح لهذه الآية يبطل التَّصور الحاصل بأنَّ الملائكة ليسو من الجنِّ، وأنَّهم غير مكلفين، وأنَّه لا يقع منهم العصيان (معصومين)[12].

ب_ خلق حواء

يؤمن النَّاس بأنَّ المرأة خُلقت من ضلعٍ أعوج بناء على رواية نُسبت إلى نبيِّنا عليه الصَّلاة والسَّلام، وهذا هو نصُّ الرِّواية:

“واستَوْصُوا بالنَّساء فإنَّ المرأة خُلقت من ضلع، وإنَّ أعوج شيء في الضِّلع أعلاه؛ إنْ ذهبْتَ تُقيمه كسرته، وإنْ تركته لم يزل أعوج. استوصوا بالنِّساء خيرا”[13]

وكما في كثير من المواضيع فقد ذهبت الآيات ضحيَّة تغليب الرِّواية التي يُنظر إليها بمعزل عن الآيات، بل وجعلها مقدِّمة لفهمها، ممَّا خلق تصوُّرا بأنَّ القرآن يصدِّق هذا الزَّعم المنسوب إلى نبيِّنا.

إذا سألت علماء التَّفسير ما معنى الحكمة فإنَّهم يكرِّرون ما ذكره الشَّافعي من معناها؛ “الحكمة هي السنة”[14] وإنْ سألتهم كيف علَّم الله تعالى نبيَّه الخاتم _بصفته رسولا_ الكتاب والحكمة كما رود في الآيتين 164 من سورة آل عمران والثانية من سورة الجمعة، فلن يكون لديهم أيُّ إجابة على هذا التَّساؤل. ولأنَّ كلَّ الآيات ذات الصِّلة باتت مبهمة في تصوِّرهم، فإنَّ غالبيَّة المفسِّرين باتوا بعيدين عن معرفة الحكمة، ولأنَّ التَّحقق من أعمال المفسِّرين الأوائل بات محظورا فقد تربَّى اللاحقون على منهج الحفظ والتَّسليم[15]. فباتت الأخطاء تتناقل عبر الأجيال وتكتسب قدسيَّة كلـمَّا تقادم عليها الزَّمان.

الحكمة هي منهج إصدار الأحكام الصَّحيحة من القرآن وانتاج الحلول المناسبة[16]، وهاتان الآيتان تلخَّصان هذا المنهج:

{الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آَيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ. أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِير} (هود 11/1-2)

عندما نتناول موضوعنا بحسب منهج الحكمة يظهر بأنَّ الدَّليل الذي سيق على ادعاء خلق حواء من الضَّلع الأعوج مخالفٌ للآية التَّالية:

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء} (النساء 4/1)

تُفسَّر هذه الآية بحسب المنهج التَّقليديّ بما يلي:

“أجمع المسلمون على أنَّ المراد بالنَّفس الواحدة هاهنا هو آدم عليه السَّلام، إلا أنَّه أنَّث الوصف على لفظ النَّفس، وأنَّ هذا الزوج هو حواء، وفي كون حواء مخلوقة من آدم قولان:

الأول: وهو الذي عليه الأكثرون أنَّه لـمَّا خلق الله آدم ألقى عليه النوم، ثم خلق حواء من ضلع من أضلاعه اليسرى، فلـمَّا استيقظ رآها ومال إليها وألفها، لأنَّها كانت مخلوقة من جزء من أجزائه، واحتجوا عليه بقول النبي صلى الله عليه وسلم: « «المرأة كالضلع، إن أقمتها كسرتها، وإن استمتعت بها استمتعت بها وفيها عوج»[17]

 والقول الثَّاني: وهو اختيار أبي مسلم الأصفهانيّ: إنَّ المراد من قوله: وخلق منها زوجها أي من جنسها، وهو كقوله تعالى: والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا [النحل: 72] وكقوله: إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم [آل عمران: 164] وقوله: لقد جاءكم رسول من أنفسكم [التوبة: 128]. انتهى[18]

ورأي أبي مسلم الأصفهانيّ هو الصَّواب؛ لأنَّه اتَّبع منهج الحكمة في تفسيره الآية بالآيات المشابهة فتوصَّل إلى النَّتيجة الصَّحيحة، فقد خُلقت حواء من الـمَّادة التي خُلق منها آدم عليهما السَّلام.

وبحسب الآيتين 1-2 من سورة هود فإنَّ الله تعالى هو صاحب الحقِّ في تفسير كتابه، لذا كوَّن لتفسيره علـمَّا خاصا احتواه كتابُه[19]، ولا يمكن الوصول إلى ذلك التفسير إلا بذلك العلم[20]، فمن يحاول تفسير كتاب الله دون الاستعانة بذلك العلم فقد وضع نفسه مكان الله تعالى.

ولنرى التَّضارب الحاصل في أراء المفسِّرين_ باستثاء أبي مسلم الخراسانيّ_ لنقرأ الآية مرة أخرى:

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء} (النساء 4/1)

وضمير المخاطب في (خلقكم) يعود على آدم عليه السَّلام بالرُّغم من أنَّ الخطاب موجَّه لجميع النَّاس، وهو من باب الالتفات، حيث يمكن استخدام صيغة الجمع بدلاً من المفرد بُغْيَة الحفاظ على السَّرد حيَّاً والتَّأكيد على أهميَّة الموضوع.

التَّفاسير التي تقبل كون حواء خُلقت من آدم ليس مستغربا أن تقبل أنَّ كلَّ النَّاس خلقوا منه أيضا، وعلى هذا لا يبقى عندهم معنى لقوله تعالى {وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء}، لأنَّه إنَّ كان النَّاس كلهم خلقوا من آدم، فمَن هؤلاء الرِّجال والنِّساء الذين خلقوا من كليهما؟.

كما سيُرى فإنَّ النَّفس التي خُلق منها آدم وحواء هي البويضة الملقَّحة.

الآية التي تُظهر أنَّ آدم قد خُلق قبل حواء هي:

{خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا} (الزُّمر 39/6)

ويشير حرف العطف (ثُمَّ) الذي يفيد التَّرتيب مع التَّراخي الزَّمني أنَّ حوَّاء وآدم اللَّذين خُلقا من ذات البويضة الملقَّحة لم يكونا توأمَيْن.

في الخلق الأول جاء آدم وحواء إلى هذه الدُّنيا بجسدين بالغين، فلم يمرُّا بمرحلة الطُّفولة، وهكذا سيقوم النَّاس كلُّهم من قبورهم يوم البعث، يقول الله تعالى:

{مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى} (طه 20/55)

{قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ …. كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ} (الأعراف 7/25 و 29)

وتتحدَّث الآيات التَّالية عن الإحياء من جديد:

{وَاللَّهُ أنبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا. ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا} (بوح 71/17-18)

{يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ، كَمَا بَدَأنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ، وَعْدًا عَلَيْنَا إنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ} (الأنَّبياء 21/104)

{وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أنزلنَا عَلَيْهَا الـمَّاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأنبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ. ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأنَّه يُحْيِ الْمَوْتَى وَأنَّه عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. وَأنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ} (الحج 22/5-7)

ج_ مراحل خلق البشر

تُفيد الآيةُ الأولى من سورة النِّساء أنَّ آدم وحوَّاء قد خُلقا من ذات النَّفس، وبحسب الآية التَّالية فإنَّ كلَّ بشر قد خُلق من ذات النَّفس أيضا:

{وَهُوَ الَّذِيَ أنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ، قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُون} (الأنَّعام 6/98)

جاء في الآية الأولى من سورة النِّساء “خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ” وفي الآية السَّابقة “أنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ” والخلق يأتي بمعنى إيجاد الشَّيء من الشَّيء[21] أمَّا الإنشاء فيأتي بمعنى إيجاد الشِّيء وتربيته، وأكثر ما يقال ذلك في الحيوان[22]

وبحسب الآية التَّالية فإنَّ المكان الذي تتكون فيه البويضة الملقَّحة، أي النَّفس، هو القرار المكين:

{أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّاء مَّهِينٍ. فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ. إِلَى قَدَرٍ مَّعْلُومٍ. فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ} (المرسلات 77/20-23)

{وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ. ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً[23] فِي قَرَارٍ مَكِينٍ[24]} (المؤمنون 23/12-13)

القرار يُطلق على المكان الذي يمكن الإقامة فيه بشكلٍ مريح. والقرارة عند أبي حنيفة كُلُّ مُطْمَئِنٍّ اندَفَعَ إِليه الـمَّاءُ فاستقَرّ فِيهِ[25] ، أما كلمة مكين فتأتي بمعنى أن تجعل للشَّيء على الشَّيء سلطانا وقدرة[26]

القرار المكين المتعلق بتكوين البشر، هو المكان الذي يعطي الإمكانية لوصول الحيوان المنوي والبويضة بقدراتهما الذاتية إليه وحصول تلقيح البويضة فيه، وهو مدخل قناة الرحم.

التَّعبير الوارد في الآية (مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ) مهمٌّ للغاية، ولأنَّ الطَّين المكوَّن من التَّراب والـمَّاء هو مصدر الغذاء للإنسان كان من المناسب أن يكون مصدر الحيوان المنوي والبويضة أيضا، ليس فقط البشر، بل إنَّ كلّ الكائنات الحية تتغذَّى على المحاصيل النَّاتجة عن اتحاد التربة بالـمَّاء:

{الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ، وَبَدَأَ خَلْقَ الإنسان مِنْ طِينٍ. ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ} (السجدة 32/7-8)

بحسب الآية التَّالية فإنَّ الخلق يتمُّ في ثلاث أماكن مختلفة:

{يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِن بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلـمَّاتٍ ثَلَاثٍ، ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ، لَهُ الْمُلْكُ، لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، فَأنَّى تُصْرَفُونَ} (الزمر 39/6)

زوجةُ الرَّجل مثل الحقل الذي تُزرع فيه البذور فيدوم النَّسل (البقرة 2/223) عندما يتمُّ إطلاق البذور / السائل المنوي إلى الجهاز التَّناسلي، فإنَّ أول مكان مظلم يُسمح للبويضة الوصول إليه هو القرار المكين، وهناك يتمُّ تلقيحها (المؤمنون 23/12-13) وفي هذه المرحلة تتحدَّد جنسيَّةُ الجنين وخواصُّه الوراثيَّة؛ لأنَّ الله تعالى يقول {وَأنَّه خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأنَّثَى. مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى} (النجم 53/-45-46)، ويحدث الإخصاب أولا، ثمَّ يتمُّ تحديد المقادير (عبس 80/18-19). ولأنَّ المقادير تكون معلومة في مرحلة التَّلقيح فإنَّه يُطلق لفظ النَّفس على البويضة الملقحة، أي النُّطفة (النساء 4/1، الأعراف 7/189) كما يُطلق على بدن الإنسان أيضا (الـمَّائدة 5/32، الأنَّبياء 21/35).

تمرُّ البويضة الملقَّحة من القرار المكين إلى المستقرّ (قناة الرَّحم) وهو الظُّلمة الثانية، حيث ستبقى لفترة من الوقت. ومن هناك يمرُّ إلى الفضاء المظلم الثَّالث (المستودع) وهو الرَّحم، حيث سيبقى فيه حتَّى الولادة (هود 11/6، الأنَّعام 6/98). وهكذا يتمُّ الخلق في ثلاثة أماكن مظلمة.

د_آدم وحواء هما الأب والأم لجنس الإنسان

كان آدم أول رجلٍ من جنس البشر، وحواء المرأة الأولى، لذا كانا الأب والأم للإنسانية. يقول الله تعالى:

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَإنَّثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا، إنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ، إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}  (الحجرات 49/13)

2_ ماهيَّة الرُّوح

كما يظهر من الآيات ذات الصِّلة فإنَّ ما جعل البشر إنسانا هي الرُّوح. كلمةُ الرُّوح في القرآن تأتي بمعنيين. الأول: علم الله تعالى، الثَّاني: الملَكة التي حمَّلها الله تعالى للإنس والجنِّ فصاروا بموجبها قادرين على تلقِّي علم الله وتقييمه، وبالتَّالي صاروا أهلا للامتحان بمقتضى ذلك العلم[27].

ويمكن الوصول إلى علم الله تعالى من مصدرين اثنين؛ الأول: الآيات المنزلة أي كتاب الله تعالى، والثَّاني: الآيات المخلوقة، وهي جميع الكائنات.

والاسم الآخر لهذا العلم هو الذِّكر، ويصل الإنسان إلى هذا الذِّكر بنظرته الفاحصة في الموجودات وملاحظة الرَّوابط بينها والتَّفاعلات بين عناصرها. وهذه بعض الآيات ذات الصِّلة:

{وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأنزلنَا مِنَ السَّمَاء مَاء طَهُورًا. لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَّيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أنعَامًا وَأناسِيَّ كَثِيرًا . وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا} (الفرقان 25/48-50)

قوله تعالى “ليذَّكروا” من التَّذكُّر وهو من باب التَّفعُّل، وهذا القالب يحمل معنى التَّكلف، الذي يعني الوصول إلى الهدف خطوة خطوة دون تواني. ولهذا كان من معاني التَّذكُّر الوصول إلى الذكر خطوة بخطوة. لأنَّ الوصول إلى المعلومة عبر ملاحظة الكائنات يحتاج إلى وقت.

الذِّكر هو الاسم المشترك لجميع كتب الله تعالى. وهذا يثبت أنَّ المعلومات التي يتمُّ الحصول عليها من الفهم الصَّحيح للكتب الإلهية تنسجم تماما مع المعلومات التي يتمُّ الحصول عليها من الطبيعة. يقول الله تعالى:

{وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ، فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إنَّ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ. بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ[28] وَأنزلنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ[29] وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} (النحل 16/43-44)

{أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً، قُلْ هَاتُوا بُرْهَانكُمْ، هَذَا ذِكْرُ مَن مَّعِيَ وَذِكْرُ مَن قَبْلِي، بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُم مُّعْرِضُونَ} (الأنَّبياء 21/24)

{إنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ[30] وَإنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} (الحجر 15/5)

يفهم الشخص من خلال معارفه التي يحصل عليها من بيئته ومن نفسه أنَّ القرآن هو الكتاب الذي أنزله الله تعالى. وهذه الآية توضِّح الأمر:

{سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أنَّه (القرآن) الْحَقُّ، أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أنَّه عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} (فصلت 41/53)

أ_ العلوم التي احتوتْها كتب الله تعالى

جميع الكتب التي أنزلها الله تعالى على أنبيائه تحتوي علمَه سبحانه، ولم يكن هناك نبيٌّ لم يؤْتَ الكتاب. وهذه الآيات تخبر عن هذا:

{قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أنزل إِلَيْنَا وَمَا أنزل إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ، لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ، وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ. فَإنَّ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا، وَإنَّ تَوَلَّوْا فَإنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ، فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ، وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} (البقرة 2/136-137)

بعض الآيات تنصُّ على أنَّ هذه الكتب التي احتوت علمَ الله تعالى هي الرُّوح التي بمعنى المعرفة، وهذه ثلاثة منها:

{يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوح مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ؛ إنَّ أنذِرُوا أنَّه لَا إِلَهَ إِلَّا إنَّا فَاتَّقُونِ} (النحل 16/2)

{وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا، مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الإيمان، وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا، وَإنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ. صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ، أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ} (الشورى 42/52-53)

{وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوح، قُلِ الرُّوح مِنْ أَمْرِ رَبِّي، وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً} (الإسراء 17/85)

علمُ الله هو أعظم من أن يتخيَّله البشر. يقول الله تعالى:

{قُلْ لَوْ كان الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلـمَّاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أن تَنْفَدَ كَلـمَّاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا} (الكهف 18/109)

ما أعطاه الله تعالى للإنسان من علمه كان بقدر حاجته، وهذه الآية متعلِّقة بذلك:

{لَقَدْ أنزلنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ[31]أَفَلَا تَعْقِلُونَ} (الأنَّبياء 21/10)

ب_ العلم الموجود في الكائنات

تشير الآيات المتعلِّقة بآدم عليه السلام أنَّ العلوم الموجودة في الكائنات تسمَّى الرُّوح أيضا، لأنَّ سبب أمر الله تعالى للملائكة بالسجود لآدم كان هو الرُّوح، أي العلم.

{وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إنَّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ. فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ} (الحجر 15/28-29)

والآيات التي تظهر متى تمَّ السُّجود لآدم هي:

{وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إنَّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً [32]}

لـمَّا علم الملائكة أنَّ المخلوق الجديد يحمل صفة الخليفة (المخالَفة) وقعوا في الدَّهشة وقالوا:

{أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء} (البقرة 2/30)

لقد علم الملائكةُ ما بين الحيوان من مخالفة دافعة لسفك الدماء، ومثاله اقتتال الذُّكور على قيادة المجموعة، ولو كانت المخالفة قائمة بين الإناث بنفس الدَّرجة لـمَّا بقي من الحيوان إلا نزر يسير، ولانقرض كثيرٌ من فصائله منذ دهور. أمَّا المخالفة في البشر فستكون في أفراده كلِّهم بغضِّ النَّظر عن الذُّكورة والأنوثة، وهو ما أوقع الملائكة بالدَّهشة وجعلهم يتساءلون بصيغة المعترض.

ولـمَّا أدرك الملائكة أنَّهم بهذا الاعتراض قد وقعوا في مخالفة الله تعالى استدركوا قائلين:

{وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ[33] لَكَ، قَالَ إنَّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}

لم يجد الله تعالى الملائكة ظالمين بقولهم في حقِّ آدم، وذلك بسبب الطبيعة المخالفة له، حيث لم يروا من الكائنات المخالفة قبله سوى الصِّراع والاقتتال. لكن كان هناك شيء لم تعلمه الملائكة عن طبيعة آدم المخالفة، وأنَّه متميِّز عن غيره، لذا قال لهم: (إنَّي أعلم ما لا تعلمون)

{وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ[34] كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ[35] عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إنَّ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} (البقرة 2/31)

والأسماء جمع اسم، وتُطلق على الألفاظ والمعاني مفرداتها ومركباتها. لأنَّ آدم عليه السلام كما عُلِّم الاسم عُلِّم الفعل، والحرف، ولا يعرف الإنسان الاسم فيكون عارف لمسماه إذا عرض عليه المسمى إلا إذا عرف ذاته. ألا ترى أنَّا لو علمنا أسامي أشياء بالهندية، أو بالرومية، ولم نعرف صورة مالَه تلك الأسماء لم نعرف المسميّات إذا شاهدناها بمعرفتنا الأسماء المجرَّدة، بل كنا عارفين بأصواتٍ مجرَّدة، فثبت أنَّ معرفة الأسماء لا تحصل إلا بمعرفة المسمَّى، وحصول صورته في الضَّمير، فالمراد بقوله: {وعلم آدم الأسماء كلها} الأنواع الثلاثة من الكلام وصور المسميات في ذواتها[36].

{قَالُوا سُبْحَانكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إنَّكَ أنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} (البقرة2/32)

قالوا هذا بعد أن ظهر لهم عجزهم.

{قَالَ يَاآدَمُ أنبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ، فَلـمَّا أنبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ، قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إنَّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ} (البقرة2/33)

وقد كان أمر الله تعالى الملائكة بالسُّجود لآدم حصل بعد تعلّم آدم ما علَّمه الله تعالى:

{وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكان مِنَ الْكَافِرِينَ[37]) (البقرة2/34)

الذي جعل آدم في درجة أعلى من الملائكة هو ما حصل عليه من العلم، ذلك العلم الذي تعلَّمه آدم مكتوبا بالقلم:

{اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ. الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ. عَلَّمَ الإنسان (آدم) مَا لَمْ يَعْلَمْ} (العلق 96/3-5)

ما لم تعرفه الملائكة هو المخالفة التي يتميَّز بها المخلوق الجديد التي ستكون الدَّافع إلى سباق العلم وبناء الحضارة. وبهذه المخالفة سيتمُّ الوصول إلى الأفضل والأجمل. حيث لا يوجد سفك للدِّماء هنا، بل دعم للمنافسين بطرق غير مباشرة، وكلـمَّا كان المتنافسون أقوى وأصلح زاد النَّجاح. ولكن إذا كانت المعارضة كالتي في الحيوانات فسيتمُّ إفساد التَّوازن وسفك الدِّماء.

قول الله تعالى للملائكة بعد إخبارهم أنَّه سيخلق بشرا: {فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ} (الحجر 15/29، ص 38/72) وكذلك أمره إياهم بالسُّجود لآدم بعد تعليمه العلوم كلَّها، يُفهم منه أنَّ الرُّوح التي نُفخت في آدم هي العلوم التي تعلَّمها، تلك العلوم التي حمَّلها الله تعالى لآدم. يقول الله تعالى:

{وَمَا كان لِبَشَرٍ أن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاء إنَّه عَلِيٌّ حَكِيمٌ (الشورى 42/51)

واحدة من طرق الوحي الثلاثة المذكورة في الآية تتعلَّق بكل إنسان. ومن ذلك الوحي لأمِّ موسى (القصص 28/7) ولمريم لـمَّا كان ابنها المسيح في المهد (مريم 19/17-34) ويقال لهذا النَّوع من الوحي الإلهام. ولا بدَّ أنْ يكون ما تعلَّمه آدم من علم الله كان من هذا الطريق.

وقد يكون الوحي بشكل رؤيا يراها النَّائم. ومن ذلك رؤيا يوسف عليه السَّلام لـمَّا رأى أحد عشر كوكبا والشَّمسَ والقمرَ له ساجدين (يوسف 12/4) وكذلك رؤيا ملك مصر في نفس السُّورة (يوسف 12/43)، ومثل هذه الرؤى هي إحدى الوسائل التي يصل بها علمُ الله تعالى إلينا.

والنَّوع الثَّالث من الوحي هو الذي يأتي الأنَّبياء حيث يأتيهم على هيئة كتاب، وهم بذلك مكلَّفين بتبليغه إلى الناس وتطبيقه بينهم، لذلك من الضَّروري أن يكون النَّبيُّ رسولا، وهذا النَّوع من الوحي لا يأتي إلا إلى الأنَّبياء. ومن يُوصل هذا النوع من الوحي هو رسولُ الله جبريل عليه السلام، ومجيء هذا الوحي له ميزة خاصة، كما تخبرُ عنه الآية التالية:

 {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا. إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَأنَّه يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا. لِيَعْلَمَ أن قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا} (الجن 72/26-28)

ت_ الرُّوح التي نُفخت في آدم وأولاده.

قبل أن يتعلم آدم الرُّوح الموجودة في الكائنات؛ أي ما تحتويه من العلم، نفخ الله تعالى فيه الرُّوح. إنَّها الرُّوح التي تتيح له الفرصة للتَّعلم وتقييم ما يتعلَّمه. تلك هي الرُّوح التي منحته وزوجته وأولاده بُنيَة مختلفة. يقول الله تعالى:

{الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ، وَبَدَأَ خَلْقَ الإنسان مِن طِينٍ. ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَالَةٍ مِّن مَّاء مَّهِينٍ. ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ، وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ، قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ} (السجدة 32/7-9)

لقد تمَّ خلق أعضاء آدم وحواء في التُّراب، وما إن أصبحا جسدا بالغا حتى نفخ الله تعالى بهما الرُّوح فخرجا من التُّراب بهيئة رجلٍ وامرأةٍ لا بهيئة طفلين وليدين. الآية التي تظهر هذا ستأتي في القسم التَّالي. أمَّا أولاد آدم فبعد إتمام خلق أعضائهم في أرحام أمَّهاتهم توهب الرُّوح لهم، بعد ذلك سيمكثون في الرَّحم لمدَّة ستَّة أشهر أخرى. علمنا ذلك من الآية التَّالية:

وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ. ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ. ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أنشأناه خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ[38]} (المؤمنون 23/12-14)

الجَنين الذي يصبح إنسانا بنفخ الرُّوح فيه يبدأ بالحركة داخل رحم أمِّه مما يحدث لها مضايقات عديدة. يقول الله تعالى:

{وَوَصَّيْنَا الإنسان بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانا، حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا، وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا} (الأحقاف 46/15)

وفقا للآية التَّالية فإنَّ مدَّة الإرضاع تستمرُّ لمدَّة 24 شهرا، بناء عليه فيبقى من  30 شهرا 6 أشهر:

{وَوَصَّيْنَا الإنسان بِوَالِدَيْهِ، حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ، وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ، إنَّ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ، إِلَيَّ الْمَصِيرُ (لقمان 31/14)

وكلمة الفصال في الآية هي فطام الطِّفل بعد تمام الإرضاع كما يُبيِّنه قولُه تعالى:

{وَٱلْوَٰلِدَٰتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَٰدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ إنَّ يُتِمَّ ٱلرَّضَاعَةَ} (البقرة 2/233)

السَّنة المعتمدة في القرآن هي السَّنة القمريَّة (التوبة 9/36). نظرًا لأنَّ طول السَّنة القمريَّة هو 354 يومًا ، فإنَّ 30 شهرًا تساوي عامين ونصف، أي 885 يومًا. إذا طرحنا عامين (708 أيام) وهو الحد الأقصى للإرضاع، فيبقى 177 يومًا. ونظرًا لأنَّه من المقبول أنَّ الطفل يمكث في الرَّحم 280 يومًا فإنَّ 280-177 = 103. من هنا يظهر أنَّ بُنية الجسم في رحم الأمِّ قد اكتملت وأنَّ الرُّوح قد نُفخت فيه في اليوم 103. ونظرًا لأنَّ الشهور القمريَّة تستغرق أحيانا 29 يومًا وأحيانا 30 يومًا، فإنَّ هذه الفترة تقدَّر بـثلاثة أشهر ونصف. وبعبارة أخرى، عندما يبلغ عمر الجنين ثلاثة أشهر ونصف يتم الانتهاء من بناء جسمه وحينئذٍ يتمُّ نفخ الرُّوح فيه. منذ ذلك الحين يصبح إنسانا كاملا، لذا لا يكفُّ عن الحركة في الرَّحم مثيرا المشكلات لأمِّه.

ث_ علاقة الرُّوح بالبدن

الآيتان المذكورتان سابقا (المؤمنون 14، السجدة 9) تبيِّنان بوضوح أنَّ أعضاء الإنسان تكتمل خلقتها بتوازنٍ تامٍّ ثمَّ تُنفخ فيه الرُّوح، وبنفخها تكتسب العينُ البصيرةَ والأذنُ السَّمعَ، وهذا المكتسب هو من خصائص الرُّوح.

تُذكر كلمة قلوب في القرآن مراتٍ كثيرة[39]، القلبُ الذي ينتمي إلى الرُّوح هو عضوُ صنْعِ القرار في الإنسان، فهو مركز القيادة الرئيسي للجسم. تسمحُ البصيرةُ للشَّخص بإدراك ما ينظر إليه، كما تسمح له حاسَّة السَّمع بتصنيف وفهم الأصوات التي يسمعها. وتُعتبر المعلومات التي يتمُّ جمعها بهذين الجهازين محلَّ تقييم من قِبل العقل. والعقلُ دائما ينتصر للحقائق ولا يخالفها، لكنَّ القلب الذي هو محل صنع القرار، إمَّا أنَّ يقبل أو يرفض تقييمات العقل، وذلك تحت تأثير المصالح والتَّوقعات والتَّمنِّيات. إذا لم يُقرِّر القلب وفقًا لتقييم العقل فسيقع الشَّخص في مشكلة تؤثِّر على سلوكه. وبما أنَّ الاختبار مرتبط بالاختيار بين الحقائق والمنافع فإنَّ الإيمان مرتبط بشرط التَّصديق بالقلب، أمَّا العمل فمرتبط بشرطٌ النِّيَّة المعقودة في القلب، وإلا فأنَّه لا يوجد عقل ينكر صحَّة المعلومات التي تحتويها كتبُ الله تعالى. الرُّوح تشبه نظام التَّشغيل المثبَّت على الحاسوب. كيف يختلف الحاسوب عن الأجهزة الكهربائية الأخرى، كذلك فإنَّ الرُّوح هي الفارق بين البشر وبين الكائنات الحيَّة الأخرى. هذا هو الهيكل المختلف بفضل نفخ الرُّوح فيه.

عندما يأتي الإنسان إلى هذه الدنيا مولودا لا يكون محمّلا بأيِّ علم، والآيةُ التي تخبر عن هذا هي:

{وَاللّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا، وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ، لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (النحل 16/78)

نتعلَّم من الآية التَّالية أنَّ الكيانَين المنفصلين؛ الرُّوح والجسد يتَّحدان في الرَّحم:

{وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا} (فاطر 35/11)

بحسب هذه الآية فإنَّه يتمُّ استخدام كلمة النَّفس للتَّعبير عن كلٍّ من الرُّوح والجسد:

{اللَّهُ يَتَوَفَّى الأنَّفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا، فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى، إنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} (الزمر 39/42)

النَّفس التي تنام أو تموت هي الجسم. أمَّا النَّفس التي تُؤخذ أثناء النَّوم أو الموت فهي الرُّوح. جميع المعلومات المتحصَّلة للإنسان تتحمَّلها الرُّوح، تمامًا كما هو الحال في نظام التشغيل في الحاسوب. يمكن نقل برنامج الحاسوب إلى حاسوب آخر، لكنَّه لا يمكن نقل روحُ شخصٍ إلى غيره، لذلك تنتظر روحُ الشَّخص النَّائم أنَّ يستيقظ الجسد، وكذلك روحُ المتوفى تنتظر قيامة الجسد الذي تنتمي إليه، ويحصل هذا يوم البعث فقط بخلاف النَّائم الذي ترتدُّ إليه روحه كلـمَّا استيقظ من نومه.

أول إنسان مات على وجه الأرض هو ابن آدم، كما تنصُّ عليه الآيات التَّالية:

{وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آَدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآَخَرِ، قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ، قَالَ إنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ. لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا إنَّا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ، إنَّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ. إنَّي أُرِيدُ أن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ، وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ. فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ. فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ، قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أن أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ} (الـمائدة 5/27-31)

ولأنَّ ابن آدم كان أول ميت من جنس الإنسان فلم يكن معروفا كيف يُدفن الموتى، وليعلِّمهم الله تعالى كيف يفعلون ذلك بعث غرابا ليعلِّمهم.

بما أنَّ الله يأخذ روح المتوفى ويحفظها في مكانٍ معين، فإنَّ الرُّوح الـمَّأخوذة من كلِّ شخص، من أول البشر إلى آخرهم، سيتمُّ الاحتفاظ بها في مكانٍ واحد. تخبُرنا هذه الآية بمكان تجمُّع النُّفوس:

{إنَّ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاء وَلاَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ، وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ} (الأعراف 7/40)

السَّماءُ الأقربُ إلينا هي السَّماء الأولى المزيَّنة بالنُّجوم (الصافات 37/6، فصلت 41/12). المفهوم من الآية السَّابقة أنَّ أرواح الكفَّار ترتفع إلى مدخل السَّماء، لكن أبواب السَّماوات لا تُفتح لهم، ويُفهم من ذلك أنَّ أبواب السَّماء ستُفتح لأرواح المؤمنين. وهذه الآية المتعلِّقة بالنَّبيِّ عيسى عليه السَّلام هي دليلٌ على هذا الارتفاع.

{إِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى إنَّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ} (آل عمران 3/55)

كان ابن آدم المقتول مؤمنا، لذا تمَّ فتحُ أبواب السَّماء لروحه. نحن لا نعرف الزَّمن بينه وبين آخر شخص يموت، لكنَّ القرآن يخبرنا أنَّ الزَّمن ما بين وفاة الرَّجل الأول والقيامة يبلغ سبعة عشر مليار وسبعمائة مليون سنة، نتعلم هذا من الآيات التالية:

{سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ. لِلْكَافِرينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ. مِّنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ. تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوح إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كان مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ} (المعارج 70/1-4) وذلك على اعتبار اليوم عند الله يساوي 1000 سنة.

الزمن نسبي كما نعلم، والخمسون ألف سنة المذكورة هي بالنسبة لله تعالى. ويوم من أيامه سبحانه كألف سنة بالنِّسبة إلينا. الآيات ذات الصِّلة هي كما يلي:

{يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاء إِلَى الْأَرْضِ، ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كان مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ} (السجدة 32/5)

{وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ، وَلَن يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ، وَإنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ} (الحجر 22/47)

وهذا يعني أنَّ الله تعالى لن يقصر فترة الخمسين ألف سنة.

يعتمد القرآن السنة القمرية (التوبة 9/36). يبلغ طول السنة القمرية 354 يومًا. ولأنَّ اليوم عند الله كألف عام بالنَّسبة إلينا فتكون السنة عنده سبحانَّه  354000 سنة بالنسبة إلينا. المدَّة منذ وفاة الرَّجل الأوَّل والقيامة هي خمسون ألف عام من أعوام الله تعالى، لذا تكون المدة بالنسبة إلينا 50،000 × 354000 = 17700000000 (سبعة عشر مليار وسبعمائة مليون) سنة.

والمدَّة الزَّمنيَّة بين بداية الخلق حتى خلق الإنسان الأول (آدم) هي ذاتها، علمنا هذا من قوله تعالى:

{أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كانتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا، وَجَعَلْنَا مِنَ الـمَّاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ} (الأنَّبياء 21/30)

{مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى، وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ}  (الأحقاف 46/3)

{اللّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا، ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّى، يُدَبِّرُ الأَمْرَ، يُفَصِّلُ الآيَاتِ لَعَلَّكُم بِلِقَاء رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ} (الرعد 13/2)

الآيات التي تشرح الوقت من بداية خلق الكون إلى خلق الرَّجل الأول وكذلك الوقت من وفاة الرَّجل الأول إلى إعادة الخلق هي كما يلي:

{يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ، وَبَرَزُواْ للّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} (إبراهيم 14/48)

{يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ، كَمَا بَدَأنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ، وَعْدًا عَلَيْنَا إنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ} (الأنَّبياء 21/104)

بناء على كلِّ هذه الآيات فإنَّ عمر السَّماوات والأرض كما يلي:

17700000000 + 17700000000 = 35400000000 سنة

ورد في سبع آيات أنَّ السَّماوات والأرض قد خُلقت في ستة أيام. ولأنَّ اليوم عند الله تعالى كألف سنة مما نعدُّ، فإنَّ هذه المدَّة تمتدُّ لستَّة آلاف سنة من سنيننا. يقول الله تعالى:

{وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكان عَرْشُهُ[40] عَلَى الـمَّاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا، وَلَئِنْ قُلْتَ إنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إنَّ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ} (هود 11/7)

{قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ، ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآَخِرَةَ، إنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ[41]}. (العنكبوت 29/20)

ولِفهم حقيقة الخلق لا بدَّ من قراءة الآيات المتعلِّقة به بشكلٍ دقيق ومتفحِّص مترافقا ذلك مع جهود العلـمَّاء في رصد المظاهر الطبيعيَّة والنَّظر في ماهيَّتها، وعند ذلك يمكن الوصول إلى حقائق ساطعة فيما يتعلَّق بالخلق.

بحسب الآيات المتعلِّقة بالبعث، فإنَّ أهل القبور يخرجون من قبورهم كما تخرج البذور من التَّراب نباتا. ومن ذلك قوله تعالى:

{قُلْ هُوَ الَّذِي أنشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ. قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ[42] فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} (الملك 67/23-24).

{وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاء مَاء بِقَدَرٍ فَأنشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ} (الزخرف 43/11)

{وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء مُّبَارَكًا فَأنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ. وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ. رِزْقًا لِّلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ} (ق 50/9-12)

تتوقَّف جثَّة الميت عن الحركة وكذلك الوقت، حتى إنَّ الميت الأوَّل لا يمكن أنْ يعتقد أنَّه كان ميِّتا عندما يتمُّ إحياؤه، بل يعتقد أنَّه يستيقظ من النَّوم. يقول الله تعالى:

{وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ[43] إنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (النحل 16/77)

الجسم الذي فسد في التُّربة يعاد تكوينه يوم البعث، ربَّما يكون قد مرَّ على موته ملايين السِّنين، لكنَّه ليس على علم بها. إنَّه يظنُّ أنَّه قد غطَّ في سبات عميق. ونظرا لهذه الحقيقة فإنَّ الموت والقيامة قريبان منَّا أكثر مما نتصوَّر. الآية التي تشرح هذه المسألة بشكل أكثر وضوحًا هي:

{وَلِلّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ، إنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (النحل 16/77)

عندما يتم إحياء الجسد البالي من جديد تأتي الرُّوح وتدخل فيه، وكلُّ روح تدخل في جسدها، وهذا هو تزويج النُّفوس الوارد في قوله تعالى:

{وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ … عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ} (التكوير 18/7 و 14)

مع دخول الرُّوح إلى البدن المخلوق من جديد، فإنَّ الشَّخص يشعر حينئذ كأنَّه استيقظ من النَّوم:

{وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ. قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا[44]، هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ} (يس 36/51-52)

عندما تعود الرُّوح إلى البدن الجديد يشعر الشَّخص كأنَّه استيقط من نومٍ عميق لم يشعر بمثله من قبل.

بحسب الآيات فأنَّه لا فرق بإحساس أوِّل الناس وآخرهم وفاة، فعندما يُبعثون لو تسألهما كم لبثتما؟ لكانت إجابتهما واحدة. من أجل الحصول على مثل هذا التَّصور يجب أنْ تكون المعلومات في وقت الوفاة والمعلومات في البعث هي نفسها. وهذا يثبت أنَّ الإنسان عندما يُبعث لا يكون كطفل حديث الولادة.


[1]  كلمة المصلين الواردة في الآية من الصَّلاة ، والأَصلُ فِي الصَّلاةِ اللُّزوم (لسان العرب، مادة صلا) أي عدم ترك الشيء والمداومة عليه. وعلى هذا فإنَّ المداومين على أفعالهم يقال لهم المصلين. والآية تتحدث عن أؤلئك الذين يداومون على تنفيذ أوامر الله تعالى.

[2]  الزوجة الحرة

[3]  الزوجة الأسيرة.

[4]  مفردات الراغب، مادة فطر

[5]  انفطرت بمعنى أفسدت فطرتها، انظر (المعارج 70/8، الرحمن 55/37)

[6]  ألم واحدة من الحروف المقطعة في فواتح بعض السور البالغة 29 سورة، ويقصد بهذه الحروف لفت النظر لـمَّا سيقال بعدها، وغالبا ما يأتي التنويه على عظيم شأن القرآن.

[7]  وهدى من الهداية وتعني الدلالة على الطريق بلطف. والهداية من الله تعالى تأتي على أربعة أوجه، الأول: إظهار الله تعالى للناس أنَّه أقرب إليهم من أي شيء آخر، لذلك كان الإشراك به جريمة لا تغتفر (النساء 4/48) الثَّاني: أعطى الله تعالى للإنسان القدرة على تمييز الخير من الشر ، وميزة الوعي هذه توجه الشخص للعثور على الحق، ومنه قوله تعالى {وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ. وَفِي أنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ} (الذاريات 51/20-21) الثالث: الهداية المتمثلة ببعثه الرسل بالكتاب الذي يبين لهم ما يريد الله تعالى منهم، لذلك فإنَّ كل واحد من كتب الله تعالى يمثل دليل هداية للناس. الرابع: تأييد الله تعالى لمن اختار سلوك طريق الحق، فهؤلاء يثبتهم الله تعالى على ما اختاروا. يقول الله تعالى {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ} (محمد 47/17)

[8]  الكفر يعني التغطية، والكافر هو المغطي أو الساتر، والمقصود ساتر الحق. والشخص الذي يفهم أنَّ القرآن هو كتاب الله لكنَّه لا يريد أن يرى حتى آية واحدة منه فهذا هو ستر الحق بعينه أي الكفر. و يصبح هذا الشخص مشركًا لأنَّه وضع ما يريده في المقام الأول بينما وضع الله تعالى في المقام الثَّاني، ولهذا السبب فإنَّ كل كافر مشرك كما أنَّ كل مشرك كافر. يؤيد هذا قول الله تعالى: {سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَإنَّا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ} (آل عمران 3/151) 

[9]  في الآية استعارة تمثيلية،حيث إنَّ أداة التشبيه تختفي فيها، لكنَّها مقدرة، فيكون معنى الآية كأنَّ الله تعالى ختم على قلوبهم.. ومثل هذا ورد في سورة (يس 36/8-10) . وفي الآيات التالية حالة مشابهة لكنَّه بدلا من اللجوء إلى المجاز ورد الحديث مباشرة باستخدام أداة التشبيه: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ. وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كان لَمْ يَسْمَعْهَا كان فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} (لقمإنَّ 31/6-7) {وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ. يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كان لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} (الجاثية 45/7-8)

[10]  الخداع يعني التضليل الممنهج (المفردات) ومثال ذلك تصرفات بعض اليهود تجاه نبينا الذي انتظروه طويلا (البقرة 2/75-79 و 90) كما يندرج تحت مصطلح الخداع تجيير معانَي الآيات التي لا توافق الأهواء بإعطائها معنى مختلفا، وكذلك سلوك طرق الضلال المختلفة.

[11]  أفضل الألبسة هي تلك التي تقي البدن من الحر والبرد والضربات العارضة. يقول الله تعالى {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ} (النحل 16/81)

[12]  الخطاب الموجه للملائكة وغيرهم في الآية التالية يثبت أنَّهم محاسبون وبالتالي فأنَّهم غير معصومين {فَالْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ} (سبأ، 42). وبعد إنَّ ذكر الله تعالى أنَّ عيسى بن مريم والملائكة لن يستكبروا عن عبادته سبحانه أردف قائلا {وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا} (النساء،172) تثبت هذه الآية عدم عصمة الملائكة لأنَّهم سيحاسبون وهم تحت طائلة التهديد إنَّ استكبروا عن عبادته. انظر مقالة جمال نجم (الجن والملائكة) على الرابط التالي http://www.hablullah.com/?p=2191

[13]  صحيح مسلم، باب الوصية بالنساء، رقم الحديث: 60 – ( 1468 )

[14]  إذا أردت معرفة كم كان خطأ الشافعي فادحا في تعريفه الحكمة فانظر إلى مقالتنا (مفهوم الحكمة عند الإمام الشافي) على الرابط التالي http://www.hablullah.com/?p=1900

[15]  سأل أحدُ الطلبة شيخَ الإسلام أبا السعود أفندي (982هـ) هل جميع ما وردنا من أقوال نبينا صحيح ويجب العمل بها ؟ فأجاب: سائل هذا السؤال يعد كافرا لأنَّ مثل هذا السؤال لا ينبغي طرحه، وإذا لم يتب فسوف يقتل، ولكون هذا الأسلوب في الطرح يقلل من شأن حديث النبي فأن السائل يُعد زنديقا، وحكمه القتل حتى إذا تاب. (ابن عابدين المجلد 4 ص. 235-236 ، اسطنبول 1984.). والحقُّ أنه في مثل هذه البيئة لا يمكن تنشئة العلـمَّاء.

[16]  للإطلاع على ملخص في منهج الحكمة انظر مقالة (الحكمة في القرآن وطريقة الوصول إليها) على الرباط التالي http://www.hablullah.com/?p=2691

[17]  صحيح البخاري، برقم 5184

[18]  فخر الدين الرازي، مفاتح الغيب، تفسير الآية الأولى من سورة النساء، 9/478

[19]  وفي ذلك يقول الله تعالى { وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} (الأعراف 7/52)

[20]  انظر مقالتنا (الأصول في تفسير القرآن بالقرآن) على هذا الرابط  http://www.hablullah.com/?p=1228

[21]  المفردات مادة خلق

[22]  المفردات مادة نشأ

[23]  البويضة الملقحة

[24]  القرار المكين هو المكان الذي يعطي الإمكانية لالتقاء الحيوان المنوي مع البويضة.

[25]  لسان العرب، فصل القاف، 5/85 بيروت، الطبعة: الثالثة – 1414 هـ

[26]  المصباح المنير، 2/577 ، المكتبة العلمية – بيروت

[27]   للمزيد من المعلومات حول موضوع الروح ننصح بقراءة مقالة عبد العزيز بايندر (الرُّوح: العلم الآتي من الله تعالى، والقدرة على تقييم هذا العلم) على الرابط التالي https://www.hablullah.com/?p=3321

[28]  الزبر جمع زبور، وتأتي بمعنى الكتب المليئة بالحكمة. وقد ورد في سورة (آل عمران 3/18) أنَّ الله تعالى قد أنزل على جميع الأنَّبياء الكتاب والحكمة، لذا لا يمكن أن يكون معنى كلمة الزبر الواردة في الآية أعلاه سوى الكتب المليئة بالحكمة، وهذا ما يفهم من الآيات التالية أيضا (النحل 16/43-44، الشعراء 26/196، فاطر 35/25، القمر 54/43)، وواحد من هذه الزبر قد أنزل على داوود عليه السلام (النساء 4/163، الإسراء 17/55) ولأنَّه لا يوجد اسم خاص للكتاب الذي أنزل على داوود فقد وردت تسميته بـ (زبور) خاليا من أل التعريف. وقد وردت كلمة الزبور معرفة بالألف واللام في سورة (الأنَّبياء 21/105) وتعني الكتاب الذي أنزله الله تعالى على جميع النبيين ومنهم داوود.

[29]  يبين لهم بعض الذي أخفوه كما جاء في قوله تعالى {يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ} (الـمَّائدة 5/15)

[30]  بحسب التفاسير التقليدية فإنَّه يتمُّ إعطاء كلمة الذكر معنى القرآن. بما أنَّ الآيات ابتداء من الآية الرابعة من ذات السورة تتحدث عن الذكر الذي أعطي للأمم السابقة والأنَّبياء الذين أرسلوا إليهم ، فإنَّ الصحيح شمول كلمة الذكر لجميع الكتب الإلهية.

[31]  فيه ذكركم؛ أي ما تحتاجونه من الذكر.

[32]  كلمة خليفة تحمل معنى المخالف وتشير إلى مبدأ الاختلاف الذي يحكم حركة الإنسان ويميز كل إنسان عن أبناء جنسه؛ لنجد الناس مختلفين في مناهجهم وقدراتهم وتصوراتهم وحتى أشكالهم. وقد أنزل الله تعالى شريعته إلى الناس لينضبط الاختلاف فيكون سببا في الرقي والتقدم، ومعلوم أنَّ التقدم لا يحصل دون اختلاف القدرات وتنوع المهارات، والزيغ عن دين الله يؤدي إلى تضارب مصالح المختلفين لينتج عنه إهدار الحقوق وسفك الدماء وتعميم الفساد

[33]  التقديس بمعنى تنزيه الله تعالى عن العيب، فكانهم أرادوا القول إنَّ اختيارك كون المخلوق الجديد يحمل صفة المخالفة منزه عن العيب، وهو اعتراف منهم بقصور علمهم بما سيكون عليه المخلوق الجديد

[34]  ال التعريف في (الأسماء) هي عوض عن مضاف إليه مقدر، والمعنى أسماء الأشياء.

[35]  يلاحظ استخدام الضمير (هم) في قوله تعالى (عرضهم) وهذا الضمير يستخدم للعقلاء، بينما ذكر قبل ذلك بضمير غير العاقل (ها) في قوله (كلها) ذلك أنَّه قبل تعلم آدم الأسماء كانت مجهولة مما استدعى وصفها بضير غير العاقل، بينما لـمَّا تعلمها آدم وأصبحت معلومة لديه بأسرارها وماهيتها استدعى وصفها بضمير العاقل (عرضهم) .

[36]  المفردات للأصفهاني مادة سما

[37]  كان إبليس واحدا من الملائكة لكنَّه كفر بعد عصيانه أمر الله بالسجود لآدم، وقوله تعالى (وكان من الكافرين) يدل على أنَّ ملائكة قبله قد كفروا. والملائكة هم الرسل المكلفون من الجن، يختارهم الله تعالى لتنفيذ مهام معينة، والملأ الأعلى مكون منهم.

[38]  هناك نوعان من الخلق؛ الأول: خلق شيء لا مثل له، من لا شيء. وهذا النوع من الخلق لا يستطيعه إلا الله تعالى. ومثاله خلق السماوات والأرض على غير مثال سابق كما يبينه قوله تعالى {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} (الأنَّعام 6/101). الثَّاني: انتاج شيء من شيء، وهذا النوع من الخلق يستطيعه الإنسان، ومثاله ما خلقه عيسى من الطين على هية الطير (آل عمران 3/49). وقوله تعالى في الآية {فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} مهم للغاية، وهذا يفيد أنَّه بإمكان الإنسان إنَّ يخلق عضوا بشريا، لكن هذا العضو لن يكون مثيلا لـمَّا خلقه الله تعالى من حيث إحسان خلقه.

[39]  ترد كلمة قلوب في القرآن 104 مرات. وقد ذكر السمع والبصر مجتمعان في الآيات التالية: (الأنَّعام 6/46، الأعراف 7/179، النحل 16/108، الحج 22/46، فصلت 41/5، وترد كلمة الأفئدة في بعض الآيات. والآيات التي ذكرت فيها السمع والأبصار والأفئدة هي: (النحل 16/78، المؤمنون 23/78، السجدة 32/9، الأحقاف 46/26، الملك 67/23)

[40]  العرش تعبير مجازي يبين صاحب السلطة العليا. يقول الله تعالى {إنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ. رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ. إنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ. وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَإنَّ مَارِدٍ. لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَإنَّبٍ. دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ. إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ} (الصافات 37/4-10)

[41]  قدير اسم الفاعل من القدر، وهو المقياس، فقدير بمعنى واضع المقادير والمقاييس.

[42]  ذرأ تأتي على معنيين؛ أَحَدهُمَا لَوْنٌ إِلَى الْبَيَاضِ، وَالْآخَر كَالشَّيْءِ يُبْذَرُ وَيُزْرَعُ (مقاييس اللغة، مادة ذرأ)

[43]  الموت والنوم هما نفس الشيء بالنسبة للبشر. (الزمر 39/42). تُفتح العين التي تُغلق أثناء النَّوم عندما تستيقظ. وكذلك تُفتح العين التي تُغلق بسبب الموت عندما تُبعث. في كلا الحالتين العين تغمض وفتح. وفي غضون ذلك لا يدرك المرء الوقت. (البقرة 2/259 ، الكهف 18/19 ، يس 36 / 51-52)

[44]  مرقدنا أصلها (رَقَدَ) يَدُلُّ عَلَى النَّوْمِ، وَيُشْتَقُّ مِنْهُ الرُّقَادُ: وهو النَّوْمُ. يُقَالُ رَقَدَ رُقُودًا (مقاييس اللغة، مادة رقد)

Your Header Sidebar area is currently empty. Hurry up and add some widgets.