حبل الله
الصلاة بغير اللغة العربية

الصلاة بغير اللغة العربية

السؤال: ما حكم الصلاة بغير العربية لغير الناطقين بها؟

الجواب:. يقول الله تعالى في وصف كتابه: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْءَانًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} (يوسف، 2) وقال أيضا {وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ} (الشعراء، 192 – 195). بحسب الآيتين السابقتين فإن وصف العربية ملازم للقرآن الكريم. وقد أمر الله تعالى أن نقرأ ما تيسر من القرآن بقوله {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ}(المزمل،20) وقد عبر عن الصلاة بالقراءة، كما قال في سورة الإسراء: {ولا تجهر بصلاتك} أي: بقراءتك[1]. وقراءته بغير العربية لا يسمى قرآنا.

فالأصل أن تؤدى الصلاة بالعربية ولذلك يلزم المسلم أن يتعلم من القرآن ما تقوم به الصلاة كالفاتحة وبعض السور القصيرة، وأذكار الصلاة الأخرى. ولا يكفي مجرد الحفظ بل فهم المعاني ليحصل الذكر الذي من أجله شرعت الصلاة قال الله تعالى لموسى {وأقم الصلاة لذكري} (طه،14). وقال أيضا {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} (آل عمران، 191) فقوله تعالى (يذكرون… ويتفكرون) لفت للنظر إلى الغاية من الذكر، وهو التفكر، ولا يحصل التفكر دون فهم ما يجري على اللسان.

ويستثنى من الحكم السابق من لا يقدر على تعلم العربية، فيباح له أن يذكر الله تعالى بما يستطيع من الذكر بلغته. لقوله تعالى {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} (الحج، 78) ولقوله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم »[2].

وعن عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه قال: «جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني لا أستطيع أن آخذ من القرآن شيئا فعلمني ما يجزئني منه فقال: قل سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله، والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم»[3]  وحسب الحديث فإن الرجل الذي جاء للنبي لا يقدر على الحفظ فأحاله النبي صلى الله عليه وسلم على ما يقدر عليه وهو الذكر.

والمنطق يقتضي أن من لا يستطيع أداء الذكر وقراءة القرآن بالعربية فله أن يذكر الله تعالى بلغته ويقتصر على الذكر . وليس له أن يقرأ معاني القرآن بدلا منه في الصلاة معتقدا أنه قرآن وسنذكر علة ذلك كما يلي.

ترجمة معاني القرآن إلى غير العربية يترتب عليه النتائج التالية:

الأولى: الترجمة هي فهم المترجم للقرآن وليست بالضرورة مراد الله تعالى، ولا يمكن للمترجم احتواء كل دلالات الآية لوجود الفرق الهائل بين بيان الإنسان وبيان الله تعالى.

الثانية: البلاغة الموجودة بالنص القرآني لا يمكن نقلها عبر الترجمة إلى لغة أخرى، حتى لو تم إعادة صياغة الآيات بالعربية لحدث نفس الخلل ويترتب على ذلك ضياع البلاغة.

الثالثة: القول بجواز قراءة القرآن في الصلاة بلغات أخرى سيجعل من الصعب أن يصلى المسلمون خلف إمام واحد إذا اختلفت لغاتهم، وربنا يقول في كتابه {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} (الأنبياء، 92)

الرابعة: القول بالجواز يؤدي إلى هجر القرآن الكريم كنص إلهي، {وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا} (الفرقان، 30) وقد أمر الناس بتدبر القرآن الكريم وألا تقفل قلوبهم حياله {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} (محمد، 24).



[1] تفسير ابن كثير على الآية  8/257

[2] صحيح البخاري، الاعتصام بالكتاب والسنة (7288) ، صحيح مسلم، الحج (1337) ، سنن الترمذي، العلم (2679) ، سنن النسائي، مناسك الحج (2619) ، سنن ابن ماجه، المقدمة (2) ،

[3] سنن النسائي، الافتتاح (924) ، سنن أبي داود، الصلاة (832) ، مسند أحمد بن حنبل (4/353)

تعليق واحد

  • وأن يبتعد عن هجره والانقطاع عنه ، بأي معنى من معاني الهجر التي ذكرها العلماء في تفسير هجر القرآن .. قال الإمام ابن كثير رحمه الله في تفسيره : يقول تعالى مخبرا عن رسوله ونبيه محمد صلى الله عليه وسلم أنه قال : { يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا } ، وذلك أن المشركين كانوا لا يصغون للقرآن ولا يستمعونه ، كما قال تعالى : { وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ } ، فكانوا إذا تلي عليهم القرآن أكثروا اللغط والكلام في غيره حتى لا يسمعوه ، فهذا من هجرانه ، وترك الإيمان به وترك تصديقه من هجرانه ، وترك تدبره وتفهمه من هجرانه ، وترك العمل به وامتثال أوامره واجتناب زواجره من هجرانه ، والعدول عنه إلى غيره من شعر أو قول أو غناء أو لهو أو كلام أو طريقة مأخوذة من غيره من هجرانه ” انتهى.

تصنيفات

Your Header Sidebar area is currently empty. Hurry up and add some widgets.