﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً، قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ، قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 30]
﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾، أي: كائنًا يخلف غيره ويخالفه، وتكون في طبيعته قابلية الاختلاف والمخالفة. فقالت الملائكة مستفهمةً عن الحكمة من خلق هذا الكائن: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾؟ ومع ذلك، فنحن خاضعون لأمرك، منقادون لحكمك، نسبّح بحمدك ونقدّس لك؛ لأنك الذي أتقن خلق كل شيء، ولا يصدر عن حكمك إلا ما هو قائم على العلم والحكمة.
فأجابهم الله تعالى بما يكشف لهم أن وراء ما استشكله ظنّهم علمًا وحكمةً لا يحيطون بهما: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. أي إن علمي بما سيترتب على خلق هذا الكائن أوسع من علمكم، وأعلم منكم بما أودعت فيه من خصائص واستعدادات، وما سيصدر عنه من أعمال وآثار، وما يترتب على وجوده من حكم وغايات لا تعلمونها.
لفظ (خَلِيفَةً) مشتق من الجذر (خلف)، الذي يدل على معانٍ منها: أن يأتي شيء بعد شيء فيحلّ محلّه، ومخالفة السابق، والتغيّر (مقاييس اللغة). ولأن الكلمة جاءت على وزن فعيل، فإنها تُستعمل للدلالة على اسم الفاعل، أي من يقوم بالفعل، وكذلك على اسم المفعول، أي من يقع عليه الفعل.
وعند النظر في الآيات التي تصف هذه السمة الأساسية الملازمة لخلقة الإنسان يتضح أن المراد في هذه الآية هو معنى «المخالِف»، أي الكائن الذي يتصف بالمخالفة، كما في قوله تعالى:
﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً (مؤمنة طائعة) وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ. إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود: 118-119]
وعليه، فإن الملائكة عبّروا عن خشيتهم من أن يؤدي خلق الإنسان بهذه الطبيعة المخالفة إلى إفساد النظام وسفك الدماء. ولمّا كانت الحيوانات تسفك دماء بعضها بعضًا، فقد خشي الملائكة أن يكون الكائن الذي سيُخلق ببنية مشابهة لبنيتها، مع تمتعه بطبيعة مخالفة، قادرًا على الإفساد وسفك الدماء.
وقد أقرّ الله تعالى بهذا الجانب من طبيعة الإنسان، لكنه لفت انتباههم إلى أمر سيعلّمه لآدم، وهو أمر لا تعلمه الملائكة، ثم بيّن هذا الأمر في الآيات اللاحقة.
عندما أخبر الله تعالى الملائكة بهذا الأمر، وقع جدال في الملأ الأعلى، أي في جماعة الملائكة ذات المنزلة العليا، كما تشير إلى ذلك الآيات الواردة في سورة ص (ص 69-78). ويُنظر إلى اعتراضهم على هذا الخبر على أنه انعكاس لذلك الجدال.
ومن ثمّ، يفيد هذا الاعتراض أن الملائكة أنفسهم كانوا ذوي طبيعة مخالفة[1]. وتُعد هذه الآيات، إلى جانب الآيات الأخرى ذات الصلة (الأعراف 11-13)، دليلًا واضحًا على أن إبليس كان آنذاك مكلّفًا ضمن الملأ الأعلى.
وأما قول الملائكة: ﴿وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾، فالتقديس في أصل اللغة هو تنزيه الشيء واعتباره مقدسًا مصونًا عن النقائص. وعلى هذا، فإن عبارة ﴿وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ تُفهم بمعنى: «ونقدّسه لك»، أي نخصّه بالتقديس تعظيمًا لأمرك وإظهارًا للخضوع لك.
والتقدير النحوي للعبارة هو ﴿نُقَدِّسُهُ لَكَ﴾، حيث حُذف المفعول به العائد إلى ما سبق ذكره، ثم جاز تقديره وإظهاره عند تفسير المعنى. ومن ثمّ فإن ذكر اللام في ﴿لَكَ﴾ يفيد توجيه هذا التقديس وإضافته إلى الله تعالى، أي أن الملائكة يعلنون تقديسهم لذلك الكائن امتثالًا لله وتعظيمًا لأمره.
﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: 31]
علَّم الله تعالى آدم أسماء الموجودات وخصائصها وما تدل عليه من معانٍ ومنافع، وأفاض عليه من العلم ما يمكّنه من معرفتها وتمييزها والانتفاع بما أودع الله فيها من خصائص. ثم عرض تلك الموجودات على الملائكة، وقال لهم: « ﴿أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ فيما ذهبتم إليه من القول بشأن هذا الكائن المخالف.»
فكان هذا التعليم الإلهي لآدم إظهارًا لجانب من العلم الذي خصّه الله به، وكشفًا عن أن في هذا المخلوق من الاستعداد للعلم والمعرفة والإدراك ما لم يكن الملائكة يعلمونه.
وفي قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾، جاء الضمير في «كلها» بلفظ «ها»، وهو الضمير الذي يُستعمل في العربية للإشارة إلى غير العاقل. غير أن هذا الضمير يتحول في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ﴾ إلى «هم»، وهو الضمير الذي يُستعمل للعاقل. وهذا التحول في صيغة الضمير ليس مجرد اختلاف في اللفظ، بل يمكن أن يحمل دلالةً تفسيرية تتصل بطبيعة العلم الذي علّمه الله تعالى لآدم.
فالعقل في الاستعمال العربي لا يدل على مجرد القدرة الذهنية، وإنما يأتي أيضًا بمعنى العلم والمعرفة التي يُتوصل إليها بإعمال العقل والانتفاع به (مفردات ألفاظ القرآن). ومن ثمّ، فإن الانتقال من الضمير «ها» إلى الضمير «هم» يُفهم على أن تعليم آدم لم يقتصر على معرفة أسماء الموجودات وتسميتها، وإنما شمل كذلك المعارف التي تُكتسب بإعمال العقل والتفكر والنظر في خصائص الموجودات ووظائفها.
وهذه المعارف يمكن أن تُفهم على أنها مما يُستنبط من الآيات المخلوقة؛ أي من الدلائل والسنن والخصائص التي أودعها الله تعالى في خلقه، بحيث يصبح النظر في الموجودات طريقًا إلى اكتساب العلم بها وفهم ما أودع الله فيها من حكم ومنافع.
أما الآيات المنزَّلة، أي ما أنزله الله تعالى من وحي وهداية، فقد جاء التعبير عنها كذلك بضمير «هم» الدال على العاقل، كما في قوله تعالى: (البقرة 136 وآل عمران 84). وهذا يؤيد أن العلم الذي أُعطي للإنسان لا يقتصر على إدراك الأسماء والألفاظ، بل يشمل أيضًا المعارف التي تقوم على الفهم والعقل والتدبر، سواء استُمدت من آيات الله في الكون أو من آياته المنزَّلة.
ولم يقتصر تعليم الله تعالى لآدم على المعرفة النظرية، بل علّمه كذلك الكتابة، وهي الوسيلة التي تُحفظ بها المعارف وتُنقل وتُدوَّن؛ قال تعالى: ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ . عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ (العلق 4-5). وبذلك يظهر أن تعليم آدم شمل التسمية، والإدراك، واكتساب المعرفة، وحفظها بالكتابة؛ وهي مقومات أساسية مكّنت الإنسان من أداء دوره في الأرض وتحمل مسؤولية الاستخلاف فيها.
﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ﴾ [البقرة: 32]
أجابت الملائكة، مقرّين بفضل الله عليهم وبقصور علمهم عن الإحاطة بما لم يعلّمهم إياه: «سبحانك، نحن خاضعون لأمرك، ولا علم لنا إلا ما علّمتنا؛ فأنت العليم الذي أحاط علمه بكل شيء، وأنت الحكيم الذي لا يجري في خلقك وأمرك إلا ما اقتضته الحكمة، ولا يصدر عن حكمك قرار إلا وهو حق وصواب.»
وفي هذا الجواب إقرارٌ صريح من الملائكة بأن علم المخلوق محدود، وأن علم الله تعالى مطلق محيط، وأن ما خفي عليهم من حكمة خلق آدم إنما يعلمه الله وحده، فهو سبحانه العليم الحكيم.
﴿قَالَ يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ، فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ ﴾ [البقرة: 33]
أمر الله تعالى آدم بأن يخبر الملائكة بأسماء هؤلاء الموجودات وخصائصها. فلما قام آدم بما أُمر به، وأخبر الملائكة بما علّمه الله من أسمائهم وخصائصهم، ظهر لهم ما اختصّه الله به من علم، وانكشف لهم جانب من الحكمة التي خفيت عنهم.
وعند ذلك قال الله تعالى للملائكة: ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ في أنفسكم.
ويدل هذا القول على أن الملائكة كانوا يشعرون بالغيرة من آدم، ولذلك أُمروا بالسجود له، فكان ذلك ابتلاءً شاقًّا واختبارًا صعبًا لهم. فالله سبحانه محيطٌ علمًا بما ظهر من أقوالهم وأفعالهم، وبما خفي في نفوسهم من دوافع ومشاعر ونوايا؛ فلا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، فهو يستوي عنده الظاهر والباطن، إذ علمه سبحانه شاملٌ لكل ما كان وما يكون وما تخفيه الصدور.
﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: 34]
﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾، أي: انحنوا له امتثالًا لأمر الله وإظهارًا لما أُمرتم به من توقيرٍ واحترام. فاستجاب الملائكة جميعًا لأمر ربهم، وسجدوا من غير تردد ولا إبطاء، إلا إبليس؛ فقد أبى الامتثال، وقاوم الأمر الإلهي، وحمله الكِبْر والاستعلاء على رفضه، فاستحق بذلك أن يكون من الكافرين.
وليس المقصود بالسجود هنا عبادة آدم، وإنما هو سجود طاعةٍ لله وامتثالٍ لأمره؛ إذ كان السجود المأمور به فعلًا من أفعال الانقياد لأمر الله، فكان موقف إبليس رفضًا لأمرٍ إلهي صدر إليه، وكشف استكباره عن حقيقة ما استقر في نفسه.
المعنى الأصلي لجذر السجود هو الانحناء (مفردات ألفاظ القرآن). ولذلك أُطلق لفظ السجود على الميلان والانحراف الذي يحدث بين الشمس والقمر والكواكب والأرض والنجوم، وما يترتب عليه من امتداد الظل وانكماشه، كما في (النحل 48، الرعد 15).
ويُستعمل السجود في بعض الآيات بمعنى الطاعة وحدها، كما في (الحج 18، الانشقاق 21)، ويُستعمل في آيات أخرى بمعنى يجمع بين الطاعة والانحناء الجسدي، كما في (البقرة 34، 58، النساء 154، الأعراف 161، يوسف 4، 100).
ومن ذلك السجود في الصلاة؛ فعندما يكون الجسد مستندًا إلى القدمين واليدين والركبتين، ويكون موازيًا للأرض، ثم يضع المصلي جبهته على الأرض، فهذا هو السجود بمعنى الانحناء طاعةً لله تعالى الخاص بالصلاة، كما يتضح من (النساء 102-103).
المخلوقات التي جعل الله تعالى خلقها قائمًا على الابتلاء والاختبار هي الإنس والجن (الذاريات 56). والملائكة هم من الجن الذين كلّفهم الله بمهام ووظائف. وإبليس أيضًا من الجن الذين كلّفهم الله بمهمة الملائكة.
ولما كان أمر السجود قد وُجّه إلى الملائكة، فإن إبليس لو لم يكن من الملائكة لما كان مشمولًا بهذا الأمر، ولما كان مسؤولًا عن امتثاله. وإنما كان سبب امتناعه عن السجود استكباره واعتقاده بتفوّقه، وإصراره على الرفض. ولو ارتكب أيّ مَلَكٍ هذا الذنب نفسه، لآل به الأمر إلى المصير ذاته (النساء 172-173).
كما أن التعبير «أصبح من الكافرين» يدل على أن الكافرين كانوا موجودين قبل إبليس أيضًا.
يُنظر في هذا السياق: الأعراف 11، الحجر 28-31، الإسراء 17/1، الكهف 50، طه 116، ص 71-74.
﴿وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ ﴾ [البقرة: 35]
ثم قال الله تعالى لآدم وزوجه: يا آدم، اسكن أنت وزوجك هذه الجَنّة، أي هذا البستان الذي أُعدّ لكما،[1] وكُلا منها هنيئًا من أي موضع شئتما، وتمتّعا بما فيها من رزقٍ ومنافع دون تضييق أو حرج؛ ولكن لا تقربا هذه الشجرة التي نهيتكما عنها، فإن تجاوزتما هذا النهي وقعتما في الخطأ، وصرتما من المعتدين على حدود الله.
وقد جمع هذا التوجيه الإلهي بين الإباحة والتوسعة من جهة، ووضع الحدّ والنهي من جهة أخرى؛ إذ أُتيح لآدم وزوجه الانتفاع بما في الجنة من غير تضييق، ولم يُستثنَ من ذلك إلا موضع واحد نُهيا عن الاقتراب منه، ليكون الامتثال لهذا النهي اختبارًا لطاعتهما واستجابتهما لأمر الله تعالى.
الجنة التي أُسكن فيها آدم وزوجه هي بستان؛ إذ يُطلق في العربية لفظ «الجَنّة» على المكان المغطّى بالنباتات ذات السيقان والأغصان (مفردات ألفاظ القرآن) ومثل ذلك قوله تعالى: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ [البقرة: 266]
والإنسان خُلق في الأرض، ويعيش فيها ويموت فيها، كما أن بعثه من جديد سيكون فيها أيضًا؛ ولذلك فإن هذه الجنة كانت في الأرض، وليست جنة الآخرة (البقرة 30، الأعراف 25).
وفي اللغة العربية يُطلق لفظ «البيت» على المكان الذي يمكن للإنسان أن يبيت فيه (مفردات ألفاظ القرآن). وأول بيت أُقيم للناس كان في بكّة، ويشمل المنطقة التي تُؤدّى فيها مناسك الحج، من عرفات ومزدلفة ومنى والكعبة والصفا والمروة (آل عمران 96-97).
وبعد أن يتم الحجاج وقوفهم بعرفات، يندفعون نحو المشعر الحرام / مزدلفة كأنهم سيل جارٍ (البقرة 198). والمنطقة الممتدة من مزدلفة إلى الكعبة هي وادٍ لا ينبت فيه الزرع (إبراهيم 37). على خلاف ما كان عليه عند خلق آدم حيث كان جنة غناء.
وعلى هذا الأساس، فإن الجنة، أي البستان الذي أُسكن فيه آدم وزوجه، لا يمكن أن تكون إلا في منطقة عرفات أو وادي بكة، باعتبارها المكان الذي عاش فيه آدم عليه السلام.
لفظ (ظلم) في قوله تعالى ﴿فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ يدل على وضع الشيء في غير موضعه الذي ينبغي أن يكون فيه (لسان العرب). وقد استُعمل في القرآن للدلالة على الذنوب، سواء أكانت كبيرة أم صغيرة (البقرة 254، فاطر 32)، وكذلك للدلالة على الجور والاعتداء على الحقوق.
ويُستعمل هذا اللفظ بمعاني: التصرف على خلاف مقتضى العدل، وعدم إعطاء صاحب الحق حقه، والجور، وانعدام العدالة. ولذلك، وبسبب اختلاف الدلالة باختلاف السياق، فسرنا الكلمة بـ «الخطأ» أو «ارتكاب الحيف والاعتداء على الحق».
ويتضح من السياق أن النهي متعلّق بعدم الاقتراب من الشجرة، وأن مخالفة هذا النهي يترتب عليه الدخول في وصف «المخطئين».
﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ، وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ [البقرة: 36]
ثم أزلهما الشيطان عن طاعة ربهما بسبب تلك الشجرة، فكان سببًا في زللهما وخروجهما من الموضع الذي أُسكنا فيه[2]. وعند ذلك قال الله تعالى لآدم وزوجه وللشيطان: «اهبطوا جميعًا من ذلك الموضع، بعضكم لبعض عدوّ؛ إذ قامت بينكم أسباب المخالفة والعداوة. ولكم في الأرض مستقرٌّ تقيمون فيه، وفيها متاعٌ ورزقٌ تنتفعون به إلى أجلٍ معلوم.
وهكذا انتقل آدم وزوجه إلى الحياة الأرضية التي جُعلت موطنًا لإقامتهما وابتلائهما، وصار الصراع بين الإنسان والشيطان جزءًا من سنّة الابتلاء؛ فالإنسان مكلّف باتباع هدى الله، والشيطان يسعى إلى صرفه عنه. ومع ذلك، لم تُترك للإنسان سبل الهداية، بل أُخبر منذ البداية بأن له في الأرض مستقرًّا ومتاعًا إلى حين، وأن حياته فيها تجري في إطار الاختبار والمسؤولية.
عندما أصرّ إبليس على عدم الامتثال لأمر الله تعالى، وُصف بأنه «شيطان»؛ لأن الشيطان يُطلق على الإنسان أو الجن الذي يبتعد عن الطريق المستقيم ويسعى إلى إبعاد غيره عنه أيضًا، كما في (الأنعام 112، الناس 1-6).
الجذر (ع د و) الذي اشتُقت منه كلمة «عدو» بمعنى الخصم أو المعادي، يدل في أصله على تجاوز الحد وعدم الانسجام أو التوافق (مفردات ألفاظ القرآن).
والأمر الوارد في الآية (اهْبِطُوا) جاء بصيغة الجمع. وفي العربية يدل جمع المخاطبين، أي على ثلاثة فأكثر؛ ومن ثم فإن المخلوق الثالث المقصود هنا هو إبليس. فهو مخالف للإنسان ومعادٍ له. كما يمكن أن تقع المخالفة والعداوة بين الأزواج والأبناء أيضًا، كما تشير إلى ذلك (الأعراف 24، طه 123، التغابن 14).
وقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ يقرر أن الإنسان خُلق في هذه الدنيا؛ فهو يعيش فيها، ويموت فيها، ثم يُبعث فيها من جديد كما تؤكد عليه الآيات التالية: (الأعراف 25، طه 55، نوح 17-18، المرسلات 25-26).
أما الملائكة فموضع أداء مهامهم هو السماء الدنيا، أي السماء الأولى (الصافات 6-10). ولما أصرّ إبليس على مخالفة أمر الله، أُبعد عنها (الأعراف 13)، كما مُنع شياطين الجن جميعًا من الصعود إلى السماء الدنيا (الملك 5).
أما الجن الذين ليسوا شياطين، فيمكنهم الصعود إلى السماء الدنيا، كما يتضح من (الجن 8-11).
﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ، إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: 37]
ثم تلقّى آدم من ربّه كلماتٍ هداه بها إلى طريق الرجوع إليه، وأرشده بها إلى سبيل التوبة، فبادر إلى ربه معترفًا بخطئه، راجعًا عن زلته، مستغفرًا إيّاه. فقبل الله توبته، وتجاوز عن زلته، وأعاده إلى رحمته؛ إذ هو سبحانه التوّاب، كثير القبول لتوبة عباده، يفتح لهم أبواب الرجوع مهما زلّت أقدامهم، وهو الرحيم واسع الإكرام والعطاء، لا يردّ من أقبل عليه صادقًا، ولا يحرم من لجأ إلى رحمته.
ويمكن النظر في بيان هذا المعنى: الأعراف 22-23، وطه 122.
﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ [البقرة: 38]
ثم قال الله تعالى لآدم وزوجه والشيطان: اهبطوا جميعًا منها، وانتقلوا إلى الأرض التي جعلتها موطن إقامتكم وابتلائكم. فإذا جاءكم من عندي هدى يرشدكم إلى الحق، ويبيّن لكم سبيل الاستقامة، فمن اتبع هداي واستمسك بما أنزلت، فلا خوفٌ عليهم فيما يستقبلون، ولا هم يحزنون على ما مضى؛ لأنهم جعلوا هدى الله منهجًا لحياتهم، ووثقوا بوعده، وأحسنوا الاستجابة لأمره.
يدلّ هذا النص على أن آدم لم يكن نبيًّا في ذلك الوقت. فلما اصطفاه الله وجعله نبيًّا (آل عمران 33)، آتاه هدىً وكتابًا (طه 122).
ولفظ «الهدى» يعني الهداية والإرشاد، وقد عُدَّت الهداية من الخصائص الأساسية لكتاب الله في الآية الثانية من هذه السورة؛ ولذلك فإن المقصود بالهدى في هذه الآية هو الكتاب الذي أُعطي لآدم.
تذكر هذه الآية وآيات أخرى مشابهة لها (البقرة 62، يونس 62، طه 123، الأحقاف 13) أن الذين يتبعون كتاب الله وهديه لا يكون عليهم خوف ولا يصيبهم الحزن.
وفي المقابل، أخبر الله تعالى أنه سيبتلي عباده في الدنيا بالخوف والجوع ونقص الأنفس والأموال والثمرات، ابتلاءً يختبر صبرهم وثباتهم (البقرة 155).
وعند الجمع بين هذه الآيات، يُفهم أن الإنسان لا بد أن يواجه في الدنيا مواقف تستدعي الخوف والقلق، غير أن الذين يتبعون كتاب الله لا يستسلمون لتأثير الخوف والحزن؛ لأنهم ينظرون إلى هذه الابتلاءات باعتبارها وسيلة لتحقيق نجاح عظيم وبلوغ الجزاء الإلهي. وسيظهر أعظم هذا الجزاء في الآخرة (التوبة 72).
وهكذا، فإن أنبياء الله، مع تعرضهم لمختلف أنواع الشدائد والابتلاءات، لم يستسلموا للضعف أو الوهن، بل صبروا وثبتوا، فاستحقوا الخير والكرامة في الدنيا والآخرة كما في قوله تعالى:
﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ﴾ [آل عمران: 146]
﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأنعام: 34]
ومن الأمثلة البارزة على ذلك يعقوب ويوسف عليهما السلام؛ فقد كافأهما الله في الدنيا على صبرهما في مواجهة ما مرّا به من الخوف والحزن (يوسف 100-101)، كما استحقا في الآخرة النعم العظيمة والجزاء الحسن.
وقوله تعالى فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى يؤكد أن هذا الكتاب يخاطب بني آدم كما يخاطب إبليس، باعتباره من الجن؛ لأن الجن، شأنهم شأن الإنس، خُلقوا للابتلاء والاختبار (الذاريات 55-56)، وهم كذلك مسؤولون عن الالتزام بكتاب الله واتباعه (الأحقاف 29-32).
وبما أن إبليس حصل على مهلة للبقاء إلى أن يموت آخر إنسان (الأعراف 14-15)، فقد يكون قد ظن أن أمامه متسعًا من الوقت للتوبة والرجوع عن موقفه؛ غير أن ذلك الموعد سيأتيه بغتةً ومن حيث لا يتوقع (الأعراف 187، النحل 77، الزخرف 66).
وفي الآيات المتعلقة بجهنم لا يَرِد اسم إبليس صراحةً، وإنما يُذكر أن جيشه وأتباعه سيُلقون فيها (الشعراء 91-95). أما فرعون، الذي مات كافرًا، فقد أُعلن صراحةً أنه سيُلقى في النار هو وجنوده (القصص 36-42).
كما أن الشياطين سيدخلون جهنم مع أتباعهم (مريم 68). فإذا لم يرجع إبليس عن دعوته وموقفه، فإنه سيدخلها هو أيضًا (ص 84-85).
والشيطان قد يكون من الإنس أو من الجن (الأنعام 112، الناس 1-6). ومجموع هذه الآيات يدل على أن باب التوبة والرجوع كان مفتوحًا لإبليس أيضًا، كما هو مفتوح لسائر الشياطين (النساء 17-18)؛ لأن الله تعالى سيجازي كل مكلف في الآخرة بما عمل، ولن يظلم أحدًا من عباده شيئًا (فصلت 46).
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ [البقرة: 39]
وأما الذين يُعرضون عن آيات الله، ويصرّون على تجاهلها بعد أن تبيّن لهم الحق فيها، ويقابلونها بالتكذيب والكذب[3] والإصرار على الإنكار، فأولئك هم أصحاب النار، الذين استحقوا عذاب جهنم جزاءً على موقفهم من آيات الله[4] وهم فيها خالدون، لا يفارقونها ولا يجدون عنها مخرجًا[5].
فليس الكفر مجرد غياب المعرفة أو عدم إدراك الحق، وإنما هو الإصرار على ستر الحق وتجاهله بعد ظهوره، والانحياز إلى الإنكار مع قيام الحجة. ولذلك جاء الوعيد بالخُلود في النار لمن ثبت على هذا الموقف حتى انتهت حياته.
لفظ «الكفر» في أصله اللغوي يعني ستر شيء بشيء آخر (مفردات ألفاظ القرآن). فالكافرون، بعد أن تُبلَّغ إليهم الآيات، ويدركوا ويفهموا أنها من عند الله وأنها ترشد إلى الحق، يعمدون إلى ستر ما استقر في نفوسهم من اعتقاد أو معرفة، لأنها تتعارض مع مصالحهم، ثم يلجؤون إلى إنكارها والكذب بشأنها (آل عمران 86، النمل 14).
وأول نموذج للكافر في القرآن هو إبليس (البقرة 34). فقد أمره الله تعالى بالسجود لآدم، فلم يسجد، ولما سأله: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ (الأعراف 12).
فقد قدّم جوابًا مختلفًا عن حقيقة السؤال، وكأنه طُلب منه أن يبرر سبب خلقه، بينما كان السؤال عن سبب امتناعه عن تنفيذ الأمر الإلهي؛ وبذلك ستر حقيقة الأمر الذي تلقّاه، وأصرّ على موقفه.
ولهذا فإن التعبير الأقرب إلى أداء معنى الكفر في هذا السياق هو: «الإصرار على عدم رؤية الحق» أو «الإصرار على تجاهله».
أما آدم وزوجه، فقد تجاهلا أمر الله عندما أكلا من الشجرة المنهي عنها، لكنهما لم يصرّا على تجاهل أمر الله كما فعل إبليس، بل اعترفا بخطئهما وتابا؛ ولذلك لم يُوصَفا بالكفر، وإنما عُدّا من المذنبين.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] توجد كذلك في بعض المؤلفات المنتمية إلى التقاليد الشفوية اليهودية خارج أسفار التوراة روايات تتناول خلق آدم وسجود الملائكة له؛ وتتحدث هذه الروايات عن نقاشات الملائكة واعتراضاتهم قبل خلق آدم، كما تذكر أن إبليس كان يتمتع بمكانة أعلى من سائر الملائكة. غير أنه بسبب رفضه السجود لآدم، طُرد من مقامه ونُفي إلى الأرض.
[2] انظر في هذا المعنى أيضًا: (الأعراف 20-27، طه 120-121).
[3] الفعل «كذَّب» يَرِد في القرآن على صور نحوية مختلفة؛ فقد يأتي لازمًا، وقد يأتي متعديًا، وقد يُجعل متعديًا بواسطة حرف الجر الباء (بـ). وعندما يأتي متعديًا مباشرةً، يكون معناه «تكذيب الشيء وإنكاره»؛ وعندما يتعدى بحرف الجر الباء، يكون معناه «الكذب في مواجهة شيء أو بشأنه»؛ أما عندما يأتي لازمًا، فيفيد معنى «الإكثار من الكذب».
[4] انظر: آل عمران 56.
[5] انظر كذلك: المائدة 10، المائدة 86، الحج 57، الروم 16، التغابن 10


أضف تعليقا