حبل الله
الحيوانات بين عدل الله وحكمة الخلق ومصيرها في الآخرة

الحيوانات بين عدل الله وحكمة الخلق ومصيرها في الآخرة

السؤال:

استوقفني قليلاً الحديث الذي يتحدث عن أن الله تعالى يوم القيامة سوف يرد حق الحيوانات غير المفترسة من الحيوانات المفترسة، ثم يقول لهم بعد الحساب (رغم أنها غير عاقلة، و غير مكلفة) كونوا تراباً
فيقول البعض أن الكافر، و الظالم سيقول كما جاء في القرآن الكريم (يا ليتني كنت تراباً)
بصراحة لا أعرف هل يصح ربط هذه الآية بموضوع الحديث؟ لأنه في الوقت الذي يعتقد فيه كثير من الناس أن الجنة ليس بها حيوانات، ففي هذه الحالة ما معنى قوله تعالى (و زرابي مبثوثة)؟ . ربما التبس علي الأمر…
و كذلك، أرى الكثير من الناس التي أعلنت إلحادها يسألون باستنكار واندفاع دون تأمل أن ديننا يفترض أن الإله خلق كائنات دون حول، و لا قوة؛ لتعاني فقط، و في النهاية مصيرها الفناء، فيدَّعون أن ذلك عبث، و شر من وجهة نظرهم، فيدخلون في دائرة كره الابتلاءات، و الجزع غير المحمود، و هي محاولة ناجحة للشيطان في جرهم نحو تلك الفلسفة الفارغة التي تتعجل الراحة في دار الكبد دون السعي لدار الجزاء (الجنة)

الجواب:

يثير الحديث عن مصير الحيوانات يوم القيامة عددًا من التساؤلات الدقيقة، ولا سيما عند الجمع بين الحديث النبوي الذي يثبت القصاص بينها، وبين قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾ [النبأ: 40]. وقد يزداد الإشكال حين يُقال إن الحيوانات غير عاقلة ولا مكلفة، ثم يُسأل: لماذا تُحشر ويُقتص لبعضها من بعض؟ وهل يكون مصيرها بعد ذلك إلى الفناء؟ وهل يدل ذلك على أن الله خلق كائنات تتألم ثم لا يكون لها جزاء أخروي؟ والجواب يحتاج إلى التمييز بين النصوص الثابتة والتفسيرات المأثورة والاستنتاجات التي لا دليل قاطع عليها.

جاء في صحيح مسلم أن النبي ﷺ قال: «لَتُؤَدَّنَّ الحقوقُ إلى أهلها يوم القيامة، حتى يُقادَ للشاةِ الجَلحاءِ من الشاةِ القرناءِ». وهذا الحديث يدل بوضوح على أن الله تعالى لا يترك حقًا يضيع، حتى الحقوق التي تقع بين الحيوانات غير المكلفة؛ فيقتص للشاة التي اعتدت عليها شاة أخرى. وليس المقصود بذلك أن الحيوانات تُحاسب على التكليف الشرعي كما يُحاسب الإنسان، وإنما المقصود إظهار كمال عدل الله تعالى وأن المظالم لا تضيع عنده.

أما القول بأن الحيوانات بعد القصاص يُقال لها: «كوني ترابًا»، فليس جزءًا من حديث الشاة في صحيح مسلم، ولذلك لا ينبغي نسبته إلى النبي ﷺ على أنه نص ثابت في الحديث. وإنما ورد هذا المعنى في بعض الآثار والتفاسير، وذكره عدد من المفسرين عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾ [النبأ: 40]؛ ففسروا الآية بأن الكافر حين يرى الحيوانات وقد قضى الله بينها ثم صارت ترابًا، يتمنى لو كان هو أيضًا ترابًا فلم يُكلَّف ولم يُحاسب. وهذا تفسير مأثور له أصل عند بعض أهل التفسير، لكنه ليس هو المعنى الوحيد الممكن للآية، ولا ينبغي تحويله إلى عقيدة قطعية مستقلة عن النص.

والسياق القرآني للآية يؤكد أن المقصود الأساس هو بيان شدة حسرة الكافر يوم القيامة؛ إذ يقول تعالى: ﴿إِنَّا أَنذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا، يَوْمَ يَنظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾ [النبأ: 40]. فهو يتمنى لو لم يكن في مقام التكليف والحساب حين يرى عاقبة ما قدمت يداه. ومن هنا فإن ربط الآية بمصير الحيوانات تفسير محتمل ومأثور، وليس شرطًا لفهم معناها الأصلي.

أما قوله تعالى: ﴿وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ [الغاشية: 16]، فلا علاقة له بمصير الحيوانات؛ فالزرابي هي البسط والفرش الفاخرة المبسوطة، والآيات السابقة لها تقول: ﴿فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ . وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ . وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ . وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾.  ولذلك فلا يصح الاستدلال بهذه الآية على وجود الحيوانات في الجنة أو على بقائها فيها.

وفي الوقت نفسه، لا توجد آية صريحة تقول إن الجنة خالية من الحيوانات، كما لا يوجد نص قرآني يقرر أن جميع حيوانات الدنيا ستدخل الجنة وتبقى فيها إلى الأبد. ومن ثم فالأولى الوقوف عند حدود ما ثبت: نعلم أن الحيوانات تُحشر ويقع بينها القصاص، أما تفاصيل مصيرها بعد ذلك فلا ينبغي القطع فيها بما لم يثبت بدليل صحيح صريح. أما قوله تعالى: ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ [الواقعة: 21]، فهو يدل على وجود طعام من لحم الطير لأهل الجنة، لكنه لا يحسم وحده مسألة وجود الحيوانات الحية فيها.

وهنا يظهر جانب بالغ الأهمية في الحكمة من حشر الحيوانات؛ فالحديث لا يدل على أن الحيوان مذنب فيُعاقب، وإنما يدل على أن الحيوان قد يقع عليه ظلم فيُرد إليه حقه. وهذه دلالة عظيمة على سعة عدل الله تعالى. فإذا كان الله لا يترك حتى اعتداء شاة على شاة بلا إنصاف، فكيف يمكن أن يضيع عنده حق إنسان ظُلم وقُهر؟ ولذلك ينسجم الحديث مع الأصل القرآني العام: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: 46].

ومن الخطأ كذلك تصور الحيوانات في القرآن على أنها كائنات عديمة القيمة لم تُخلق إلا لتتألم ثم تفنى. يقول تعالى: ﴿وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُم﴾ [الأنعام: 38]. ويقول: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: 44]، ويقول في شأن الطير: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ﴾ [النور: 41]. فالحيوان له مكانه ووظيفته في نظام الخلق، وله وجوده الخاص وتسبيحه، وإن لم يكن مكلفًا بالتكاليف التي كُلِّف بها الإنسان.

كما أن وجود الألم في عالم الحيوان لا يعني بالضرورة وجود شر أخلاقي؛ فافتراس الحيوان لحيوان آخر ليس فعلًا أخلاقيًا بالمعنى الذي يوصف به فعل الإنسان، لأن الحيوان غير مكلف ولا يُحاسب على اختيارات أخلاقية كاختيارات البشر. أما الإنسان، فقد حمّله الله مسؤولية معاملته للحيوان، ولذلك جاءت الشريعة بالنهي عن تعذيبه والإساءة إليه.

ومن هنا ينبغي التفريق بين الألم والشر الأخلاقي، وبين وجود الحكمة وعدم معرفتنا بتفاصيلها. فليس صحيحًا أن كل ما لا نعرف حكمته يكون عبثًا. إن عدم معرفتنا بالسبب التفصيلي لواقعة معينة لا يستلزم عدم وجود حكمة وراءها. والقرآن نفسه يقرر أن الإنسان يعيش في عالم المشقة والاختبار: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ [البلد: 4]، لكنه لا يجعل وجود الكبد دليلًا على عبث الوجود، بل يجعل الحياة الدنيا مرحلة من مراحل الاختبار والابتلاء.

بل إن القرآن يبين أن للحيوانات منافع عظيمة للإنسان، فيقول تعالى: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ . وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ [النحل: 5-6]، ويقول: ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَىٰ بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنفُسِ﴾ [النحل: 7]. فوجود الحيوان داخل في نظام واسع من النعم والمنافع والتوازنات التي أودعها الله في العالم.

ومن هنا فإن الاعتراض القائل: «لماذا خلق الله حيوانات لا حول لها ولا قوة، لتتألم ثم تفنى؟» يفترض ضمنًا أن الفناء يساوي العبث، وهذه مقدمة لا تلزم. فالشيء لا يكون عبثًا لمجرد أن وجوده محدود؛ فالإنسان نفسه حياته الدنيا محدودة، ومع ذلك لا يكون وجوده عبثًا. والنهار ينتهي، والنبات يذبل، والسحاب يتبدد، ومع ذلك لكل منها وظيفة وحكمة في النظام الذي أوجده الله تعالى.

والأهم أن الإسلام لا يطلب من الإنسان أن يحب الألم لذاته، ولا يمنعه من الحزن أو طلب الفرج، وإنما يعلمه أن وجود المشقة لا يعني غياب الحكمة. فالإنسان قد يسأل: لماذا حدث هذا لي؟ وهذا سؤال إنساني مشروع، لكن تحويله إلى نتيجة فلسفية تقول: إذن لا حكمة في الوجود يحتاج إلى دليل مستقل، لأن عدم إدراك الحكمة لا يساوي عدم وجودها.

وبذلك يمكن أن نفهم حديث الحيوانات على أنه يحمل معنى معاكسًا تمامًا للاعتراض السابق: الحيوان غير مكلف، ومع ذلك لا يضيع حقه؛ يقع عليه الظلم فيُقتص له؛ وهذا يدل على أن عدل الله أوسع من دائرة التكليف. وليس من الضروري أن تكون قيمة حياة الحيوان متوقفة على بقائه أبديًا في الآخرة؛ فقد يكون لوجوده في الدنيا حكم ومنافع ووظائف لا تنحصر في مصيره الأخروي.

وخلاصة الأمر أن الحيوانات ليست كائنات عبثية خلقها الله لتتألم ثم يهملها؛ بل هي أمم من خلقه، لها مكانها في نظام الكون وتسبيحها ومنافعها، وقد بلغ عدل الله أن يرد الحقوق بينها يوم القيامة. أما صيرورتها ترابًا بعد القصاص فليست ثابتة في الحديث الصحيح صراحة، وإن كان تفسيرًا مرويًا عند بعض المفسرين، ومن ثم ينبغي ألا نجزم به إلا من باب حكاية هذا التفسير. وكذلك فإن ربط ذلك بقوله تعالى: ﴿يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾ له أصل تفسيري معتبر، لكنه ليس المعنى الوحيد الذي تحملـه الآية.

والنتيجة الأعمق التي يجدر بنا الاحتفاظ بها هي أن الفناء ليس عبثًا، والألم ليس دليلًا بذاته على غياب الحكمة، وعدم التكليف لا يعني انعدام القيمة، وعدم معرفتنا بحكمة كل جزئية في الخلق لا يعني أن الخلق خالٍ من الحكمة. وإذا كان الله سبحانه لا يترك حق شاة مظلومة، فإن ذلك يطمئن المؤمن إلى أن حقوق البشر، وآلامهم، ومظالمهم، وابتلاءاتهم، كلها داخلة في علم الله وعدله وحكمته، وأن ما يبدو ناقصًا أو مؤلمًا في مشهد الدنيا لا ينبغي أن يُحكم عليه بمعزل عن دار الجزاء التي أخبر الله تعالى أنها الغاية النهائية للابتلاء.

أضف تعليقا

تصنيفات

Your Header Sidebar area is currently empty. Hurry up and add some widgets.