السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، كنت أود منكم تصحيح بعض الأفكار المنتشرة حول نبي الله سليمان عليه السلام، وهذا يتضمن ثلاث نقاط:
- الأولى: البعض يظن أن نبي الله سليمان عليه السلام كان ينشر الإسلام عن طريق إخراج أهل البلاد الأخرى (المشركين) أذلة؛ فعندما أرسلت إليه ملكة سبأ الهدية (لا أعلم أكان ذلك استعلاءً، أم عرض صداقة بين البلدين كما هي العادة الدبلوماسية)، قال نبي الله سليمان عليه السلام إنهم سيعودون إليهم بجنودٍ لا قِبَل لهم بها، وسيخرجونهم منها أذلة وهم صاغرون.
ويقع اللَبْس هنا عندما أتى أحدُ جنود نبي الله سليمان بعرش ملكة سبأ (وأرى هنا في الحقيقة أن مجيء ملكة سبأ كان نتيجة فعلٍ دبلوماسي بادر به نبي الله سليمان – أي دعاها كضيفة أولاً – وهو إجراء يسبق الحرب، وقد لا يلجأ الشعبان إليها في الأساس، وأعتقد أن نهج نبي الله سليمان لم يكن الحرب، بل عرض قوة المسلمين وقتها، ثم الدعوة، ولكن ما لم أستطع فهمه هو جزء: ﴿أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ هل هذا يعني أنه قد تقع الحرب إذا ظلوا مشركين بالله واستعلوا على رسالة الله مثل الأقوام المشركة التي تتعدى بالإيذاء؟ أم أن هناك معنى آخر؟ هل من الممكن أن تشرحوا هذا الجزء، رجاءً؟
- النقطة الثانية: لم أفهم الفائدة من الصرح الممرد من قوارير، وهناك بعض التفسيرات التي رأيتها منذ زمن ولم أقتنع بها أبداً؛ حيث يروي البعض أن نبي الله سليمان أمر ببناء هذا الصرح حتى تكشف ملكة سبأ عن ساقيها، فإذا كانت رجلاها كأرجل الماعز اكتشف ما إذا كانت من الجان، وإذا كانت قدم إنسان فهي بشرية! لم أقتنع نهائياً بهذا التفسير وأجده غير منطقي. ثم ما علاقة ذلك باقتناعها بأنها ظلمت نفسها، ومن ثم إيمانها بالله مع نبي الله سليمان عليه السلام؟ لا أرى علاقة واضحة إلا أنها آمنت بتمكين الله لعباده الصالحين فاقتنعت وآمنت.
- النقطة الثالثة والأخيرة: تفاجأت بعدد هائل يردد رواية ينسبونها إلى النبي صلى الله عليه وسلم في صحيح البخاري، مفادها أن نبي الله سليمان طاف بـ 100 امرأة في ليلة واحدة (70 امرأة حرة، و30 محظية)، وكانت النية أن ينجب أبناء يجاهدون في سبيل الله، لكنه لم ينجب إلا شق رجل (طفلاً غير مكتمل الخلقة) لأنه لم يقل: “إن شاء الله”!!
والغريب في الأمر أنني وجدت التفسير ذاته على منصة تابعة لليهود المؤمنين بالتلمود لا التوراة، وكان عدد النساء هو نفسه ولكن أضافوا إليه صفراً، فأصبح 1000 امرأة (700 حرة، و300 محظية) فكنت أود توضيح مدى صحة هذه الرواية ومفهومها.
عذراً على الإطالة، وجزاكم الله عنا كل خير.
الجواب:
وعليكم سلام الله ورحمته وبركاته، نرحب بالسائلة الكريمة ونحيها على حسن تدبرها وعدم انسياقها وراء الافتراءات والخرافات، ولا داعي للاعتذار فنحن نرحب بتلك التساؤلات التي تثري الفكر وتمنحنا فرصة التدبر لكتاب الله تعالى.
بالنسبة للنقطة الأولى:
عند تأمل قصة نبي الله سليمان عليه السلام مع ملكة سبأ في سورة النمل من منظور قرآني تدبري، نجد أننا أمام نموذج رفيع يُجلّي حقيقة الدعوة إلى الله، ويفرق بين الرفق في عرض الحق وبين الحزم في مواجهة الطغيان:
-
طبيعة الرسالة: دعوة راقية تعتمد الرحمة وليس الإكراه
فلم يبدأ نبي الله سليمان عليه السلام بالتهديد، بل أرسل كتاباً سيادياً راقياً، وهو ما شهدت به ملكة سبأ نفسها حين وقفت أمام قومها وقالت: ﴿قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ. إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ. أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ [النمل: 29-31] فإن تصدير الكتاب بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ﴾ ووصف الملكة له بـ ﴿كِتَابٌ كَرِيمٌ﴾ يدل على أنه خطاب متزن يحمل الرحمة والرفق، ولا يحتوي على البطش أو الإكراه، إذ لا يُوصف الجبر والعدوان بالكَرَم.
أما قوله:
- ﴿أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ﴾: فالنهي هنا موجه للاستكبار والتجبر السياسي الذي يمنع صاحبه عن قبول الحق والإذعان لأمره تعالى، وقد كان من قبله نبي الله موسى عليه السلام الذي كان مرسلا لدعوة فرعون الذي ﴿عَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ [القصص: 4] و ﴿كَانَ عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الدخان: 31] والذي منعه استكباره عن قبول الحق؛ ورغم علوه وتجبره لم يأمر الله تعالى رسوله موسى بقتاله أو محاربته، بل أمره بالدعوة والرفق: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ﴾ [طه: 44].
- ﴿وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾: تجمع بين الانقياد والاستسلام السياسي لسلطان الحق، والقدوم بسلام دون كبر، لفتح الباب أمام حرية اختيار العقيدة.
-
اختبار الهدية: رفض المقايضة المالية
عندما تلقت ملكة سبأ الرسالة، أرادت اختبار الملك سليمان لمعرفة طبيعة دعوته: هل هو ملك طامع يُدارى بالمال، أم نبي يحمل رسالة؟ فقالت: ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِم بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ [النمل: 35].
وهنا جاء موقف سليمان عليه السلام حازماً: ﴿فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِّمَّا آتَاكُم بَلْ أَنتُم بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ . ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُم بِجُنُودٍ لَّا قِبَلَ لَهُم بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُم مِّنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [النمل: 36-37] فرفض النبي سليمان للهدية أثبت لها أن قضيته ليست مالاً أو توسعاً في الملك، وأنه يرفض محاولة تحويل رسالة التوحيد إلى صفقة مالية، وكان الوعيد بـ ﴿وَلَنُخْرِجَنَّهُم مِّنْهَا أَذِلَّةً﴾ موجهاً حصراً للطبقة المستكبرة والملأ والحكام الذين يصرون على المواجهة ويقفون عائقاً أمام الحق؛ وهي كملكة تدرك ذلك جيدًا وتيقنت منه بعد اختبار الهدية؛ ولذا قررت الذهاب إليه بمحض إراداتها وليس خوفًا من التهديد؛ إذ أنها تملك قوة عسكرية قادرة على المواجهة بدليل ما ذكر على لسان وزرائها عند استشارتها لهم: ﴿قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ﴾ [النمل: 33] – حتى ولو أنها قد أساءت تقدير قوتها أمام قوة الملك سليمان عليه السلام.
-
هل كانت الحرب ستقع إذا لم تأتِ الملكة؟
نعم، كانت القوة العسكرية ستتحرك، ولكن بضوابط الشرائع الإلهية:
- القتال ليس للإكراه القلبي: فالقرآن يحسم أن العقيدة لا تُفرض بالسيف: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: 256].
- علة القتال هي كسر الطغيان: التحرك العسكري كان لغاية إسقاط المنظومة الحاكمة المستكبرة التي تحجب التوحيد عن قومها وتسجد للشمس، وذلك لتجريدها من نفوذها وترك الناس أحراراً في اختيار دينهم دون خوف.
-
النتيجة: حرية الاختيار والندّية الإنسانية
نجح منطق سليمان عليه السلام في استعراض قوة التوحيد والردع بدلاً من سفك الدماء؛ ولو كان هدفه من البداية هو التجبر والظلم لما سعى بإحضار عرشها قبل وصولها إليه، ولباغتها بجنوده وجيشه من الإنس والجن والطير وهي في طريقها إليه، أو أرسل بعد خروجها من سبأ جيشًا يأسر قومها ويقتلهم؛ وإنما حتى اللحظة الأخيرة كان ينتظر إقناعها بمنطقه فـــ ﴿قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ﴾ [النمل: 31] وهو المنطق الصحيح الذي رآه مجديًا مع ملكة يعلم أنها قد ملكت قومها: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ [النمل: 23] ولم يكن ضربًا من الخيال أو الحظ بل أتاه ربه الفهم والحكمة مصداقًا لقوله تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ [الأنبياء: 79].
وهو ما تحقق بالفعل، فلما حضرت الملكة ورأت الآيات والبراهين، دخلت في الإسلام بملء إرادتها وعن يقين تام، ويظهر ذلك في اللفظ القرآني البديع: ﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [النمل: 44] فلم يقل القرآن “أسلمت لسليمان” (خضوعاً أو استعباداً لشخصه) بل قالت: ﴿مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ﴾ إعلاناً للندّية والشراكة الإنسانية في العبودية لله وحده، ودون أي إكراه أو ذل.
الرد على النقطة الثانية:
إنّ التفسير المرتبط بـ “كشف الساقين للتأكد مما إذا كانت ملكة سبأ من الجن أو أن لها أرجل ماعز” هو من الخرافات والإسرائيليات المبتدعة التي تسللت إلى بعض كتب التفسير القديمة عبر أدبيات التراث التلمودي والإسرائيلي القديم ولا أصل لها إطلاقاً في كتاب الله تعالى؛ فأنبياء الله تعالى الذين قال الله تعالى عنهم: ﴿وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَىٰ عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الدخان: 32] أرفع مقاماً من هذه التصرفات الساذجة والجاهلة – حاشاهم – والقرآن الكريم لم يذكر عن جسدها أو نسبها شيئاً سوى ﴿إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾ [النمل: 43] ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾.
ولفهم الفائدة الحقيقية من “الصرح المُمَرَّد من قوارير” وسبب إيمانها عقب هذا الموقف، نتأمل الآيات من منظور قرآني بحت عبر المحاور التالية:
-
ما هو الصرح الممرد من قوارير؟
- الصرح: البناء المرتفع الشاهق أو القصر.
- المُمَرَّد: المُمَلَّس والمصقول ببراعة وإتقان.
- القوارير: الزجاج الشفاف الصافي.
الموقف يصف استقبال نبي الله سليمان عليه السلام لملكة سبأ في صرحٍ أُعدَّت أرضيته من زجاج شفاف أملس وجرى الماء من تحته، بحيث يظن من يراه لأول وهلة أنه بحيرة ماء عميقة (لُجّة)، بينما هو في الحقيقة زجاج صلب جاف.
-
الفائدة والغاية من دخول الصرح
لم يكن هذا البناء لمجرد التفاخر المعماري، بل كان برهاناً بصرياً ودائماً من دلائل التمكين الإلهي، وحقق أهدافاً تربوية وعقدية عميقة نذكر منها:
- صدمة المعرفة وتواضع السلطة: ملكة سبأ وقومها كانوا يعتزون بقوتهم، وعلمهم، وصناعتهم، وعرشهم العظيم – كما قال ملؤها: ﴿نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ [النمل: 33] – فلما رأت عرشها قادماً قبلها، ثم رأت تقنية معمارية وإعجازية تُضلل الحواس (الماء يجري تحت الزجاج الشفاف)، أدركت أن التمكين الذي لدى الملك سليمان ليس مجرد مُلك بشري أو قوة مادية عادية، بل هو تأييد ومُلك من رب العالمين.
- درس في الخداع البصري والفكري: الموقف يحمل رمزية عميقة جداً؛ الملكة انخدعت بظاهر الصرح الشفاف فظنته ماءً وظاهراً مائعاً، فنبّهها سليمان عليه السلام إلى الحقيقة: ﴿إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِّن قَوَارِيرَ﴾ [النمل: 44] هذا الدرس المادي جعلها تستوعب الخداع الفكري الذي كانت تعيشه! فكما انخدعت بظاهر القصر الشفاف، كانت منخدعة بعبادة الشمس من دون الله لمجرد ظواهر عظمتها ونورها المادي، وغفلت عن الخالق الحقيقي الذي أوجد هذا الكون ووهب هذا الملك مصداقًا وامتثالًا لأمره جل جلاله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرۚ، لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [فصلت: 37].
-
كيف قادها ذلك للإيمان بالله وحده؟
حين ربطت الملكة المشاهد ببعضها:
- إحضار عرشها بأسلوب يعجز عنه البشر.
- رؤيتها للصرح والتمكين الإلهي الباهر أمام ضآلة علومها وملكها.
- حكمة سليمان عليه السلام وتوضيحه لها دون استعلاء أو استغلال لجهلها.
هنا انكشفت الحجب عن فطرتها النقية، وأدركت أن عبادة قومها للشمس لم تكن إلا ضلالاً وظلماً للنفس، فأعلنت إيمانها فوراً وبحرية تامة دون ذل أو إكراه: ﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [النمل: 44].
الخلاصة:
الصرح الممرد كان أداة إقناع وإيقاظ للفطرة الغافلة، أثبت لملكة سبأ أن العلوم والملك المادي مهما بلغا فهما ضئيلان أمام تمكين الله سبحانه وتعالى لأوليائه، وأن الظواهر قد تخدع الأبصار والأنظار، مما جعلها تنتقل من عبادة المظاهر (الشمس) إلى عبادة رب العالمين ﴿الَّذِي خَلَقَهُنَّ﴾.
الرد على النقطة الثالثة:
بالنسبة للمرويات المتعلقة بـ “قسم نبي الله سليمان وطوافه على مئة (أو تسعين) امرأة في ليلة واحدة لإنجاب فرسان”:
عند دراسة هذه المسألة ومناقشتها من منظور قرآني بحت، نصل إلى تحليل يجمع بين إدراك حدود التمكين والالتزام بسنن النبوة عبر المحاور التالية:
1. سعة الملك لا تبرر التحريف القصصي:
إن افتراض كثرة نساء سليمان عليه السلام قد يُفهم في أصله الاستثنائي كجزء من سعة الملك العظيم الذي وهبه الله تعالى له حين قال: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّن بَعْدِي﴾ [ص: 35] لكن الإشكال والتحريف الحقيقي لا يكمن في مسألة العدد بذاته، بل في الحبكة القصصية المتمثلة في “الطواف عليهن جميعاً في ليلة واحدة”؛ فهذه الصياغة تحمل بصمات التراث التلمودي والإسرائيلي المشحون بالمبالغات الأسطورية والتحريفات.
فمسألة الطواف على 90 أو 100 امرأة في ليلة واحدة تقتضي حسابياً وطبيعياً وقتاً وقدرة تتجاوز الفطرة والسنن الكونية للبشر. وبصرف النظر عن أن هذا التصور عبث محض ولا ينسجم مع الوقار والاتزان والسنن التي أجرى الله تعالى عليها أنبياءه ورسله، فإذا قُسّمت ساعات الليل (حوالي 8-10 ساعات) على 100 امرأة، فهذا يعني بضع دقائق لكل امرأة، فكيف الحال إن كان العدد 1000؟ ﴿فَمَالِ هَٰؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾؟!
2. القاعدة العلمية: كل ما خالف القرآن يُرد
المنهج القرآني القويم يفرض علينا عرض كل نص أو خبر على محكم كتاب الله تعالى؛ فما وافق القرآن قُبل، وما تعارض مع نسقه الإيماني أو مسّ بعصمة الأنبياء وقدرهم العالي فهو ساقط ومردود بحكم هيمنة القرآن؛ إذ لا يمكن لخبر صحيح أن يخالف روح التنزيل وسياق القرآن المعصوم مصداقاً لقوله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: 82].
3. تعليم المشيئة والتوكل:
إن الله تعالى أرشدنا صراحة وبوضوح إلى واجب تعليق الأمور بمشيئته سبحانه في قوله: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَٰلِكَ غَدًا . إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: 23-24] ومن ثَم فلا داعي إطلاقاً لتأليف الأقاويل والأساطير الخرافية حتى نبين مدى أهمية قولنا “إن شاء الله”
فالقرآن الكريم يرسخ قاعدة واضحة: عظمة الأنبياء تُقاس بصدق عبوديتهم لله سبحانه وتعالى وكمال تفويضهم لمشيئته، لا بتضخيم قدراتهم الجسدية أو إشراكهم في غرائب المرويات.
وتقديم المشيئة قبل الإقدام على أي عمل هو إعلان عجز بشري وافتقار مطلق للخالق، وحاشا أنبياء الله تعالى أن يُنسج حولهم ما ينقض وقارهم أو يصطدم مع محكم القرآن الكريم وحكمته.
الباحثة: شيماء أبو زيد


أضف تعليقا