حبل الله
نصاب الزكاة والعفو

نصاب الزكاة والعفو

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، لي صديقةٌ ممن يتبعون كتب الأحاديث، سألتني ذات يوم – بقصد إحراجي – سؤالاً تعيب فيه من حيث لا تدري في كمال القرآن الكريم؛ إذ قالت لي: “بما أنكِ تتمسكين بالقرآن أولاً، فأخبريني عن مقدار الزكاة؟!”، وتبسمت تبسماً فيه كبرٌ وكأنها انتصرت وأفحمتني.

فوجدتُ نفسي أُجيبها عفوياً بأن الله تعالى لم يحدد مقداراً ثابتاً جامداً للزكاة في كتابه، وإنما جعل تقديرها راجعاً لصاحب المال بناءً على قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ ، كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ [البقرة: 219]. فكلمة “العفو” هنا تعني ما يعفو ويصرف عنه صاحب المال مما يفيض عن حاجته، وربما يكون هذا المقدار متغيراً بحسب الظرف والحالة المادية، ولكن الأهم ألا ينقطع إيتاء الزكاة سواءً أكان الإخراج قليلاً أم كثيراً؛ فربنا سبحانه جعلنا نحن من نقدرها. أضف إلى ذلك أن كلمة “الزكاة” في القرآن ليست محصورة في كل الأحوال في النقد والمال، بل تشمل كذلك تزكية النفس والارتقاء بها.

وجدتُ نفسي أُجيبها بهذا المنطق دون تفكير مسبق، والآن أريد أن أعرف: هل ما قلته صحيح؟ لأنني فعلاً لا أجد أرقاماً تفصيلية لمقدار الزكاة في القرآن، بل إن هذه المقادير والأنصبة فيها خلاف عريض بين المذاهب والفقهاء، مما يرجح أنها مجرد اجتهادات بشرية تاريخية فُرضت على الناس لاحقاً.

كذلك، لدي سؤال آخر بخصوص الذهب المدخر الذي يزعمون أنه “بلغ النصاب”؛ فالله تعالى لم ينص في كتابه على أن من يدخر ذهباً – ولا يملك سيولة غيره – يجب عليه إخراج ربع العُشر منه كل عام! كيف يستقيم ذلك؟ أشعر أن هذا الطرح غير منطقي؛ فالعقل والفطرة، وما صدّقه القرآن، يؤكد أن الزكاة قائمة على مبدأ العفو، وهي سعة وحرية لصاحب الذهب يخرج منها ما يجده مناسباً لحالته؛ إذ إن هناك من يدخر لحفظ القيمة فحسب، وهناك من يدخر ويتاجر بالذهب ويكسب منه، وكل حالة لها حكم اقتصادي يغاير الأخرى.

والسؤال الجوهري هنا: هل نحن نتبع كتاب الله وحده؟ أم نُشرك معه كتباً أخرى تحت مسميات شتى كـ “الحديث” أو “الفقه”، وهي في النهاية كتب خطتها أيدي البشر، أفيعقل أن نتبعهم؟ أم أننا نتبع ما وجدنا عليه آباءنا وأجدادنا؟

آسفة على الإطالة برجاء توضيح ذلك بشرح مفصل من القرآن يكون مقنعًا أرجوكم . وشكرًا مقدمًا.

الجواب:

وعليكم سلام الله ورحمته وبركاته، إن الجواب الجوهري عن أسئلتكِ الحائرة يكمن في قلب المنظور القرآني للزكاة؛ فما نطقتِ به أمام صديقتكِ عفوياً يلتقي في مواطن كثيرة مع المقاصد العليا للتشريع، لكنه يحتاج إلى ضبط منهجي دقيق حتى لا تقعي في فخ العشوائية التي قد تُضعف موقفكِ:

الشق الأول: غياب مقدار الزكاة في القرآن:

ما أجبتِ به صديقتكِ صحيح من حيث المبدأ؛ فالقرآن الكريم لم يذكر أرقاماً، ولا أنصبة، ولا مقادير رياضية للزكاة، وهذا ليس نقصاً في كتاب الله – حاشا لله – بل هو عين “الكمال التشريعي”. ومع ذلك لا نعدم إشارات قرآنية في هذا الخصوص تدرك بمزيد من التدبر تساعدنا في الوصول إلى مقادير الصدقة الواجبة في الأموال كلها. وهذه الاستنتاجات تلتقي مع ما ورد عن نبينا الكريم من أنصبة الزكاة ومقاديرها.

*يمكن الاطلاع على التفاصيل في المقالة التالية: المستند القرآني في مقادير الصدقة

1- الزكاة ناموس كوني موروث وليس تشريعاً مبتدئاً

إن القرآن الكريم لم يَنزل بالصلاة والزكاة كأحكام طارئة ومبتدعة من الصفر ليضع لها أحكاما تفصيلية، بل نزل تأييداً وإحياءً وتصديقاً لما كان مستقراً ومعلوماً في الرسالات السماوية السابقة منذ فجر التاريخ.

والقرآن يسند إيتاء الزكاة لكل الأنبياء (إبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، وموسى، وعيسى عليهم السلام). وكان مقدار هذا الحق مستقراً تاريخياً في الأمم السابقة بمقدار “العُشر” (10%) في الزروع والثمار، كما نصت على ذلك التوراة والإنجيل صراحة في مواضع متعددة؛ فلما كان الأمر معلوماً وممارساً لدى أهل الكتاب قبل البعثة الخاتمة، لم يحتج القرآن لإعادة صياغة أرقام جديدة، بل جاء مؤكداً ومصدقاً لهذا الناموس في قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ ‌مُصَدِّقًا ‌لِمَا ‌بَيْنَ ‌يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: 48]

وقد ظهرت تلك الأحكام المفصلة في الشرائع السابقة بتطبيقات النبي عليه السلام والسلام. وما قرره الفقهاء استنادا إلى الرؤية القرآني وتطبيقات نبينا الكريم هو صحيح بالجملة، وهذا لا يمنع مراجعة اجتهاداتهم عل ضوء القرآن الكريم وصحيح النقل عن نبينا الكريم.

أما اختلاف الفقهاء في بعض المسائل كان نظرا لاختلاف آليات الاجتهاد عند كل فريق، وقد أصابوا وأخطأوا، لكن الخطأ الأكبر يكمن فيمن جاء بعدهم حيث قاموا بتقديس وتجميد هذه الاجتهادات وجعلها حجة ونصوصاً موازية للقرآن المطلق، مما عطل مقاصد الله التنموية وسد حاجة الفقراء في العصور الحديثة.

2- مفهوم “العفو” ليس عشوائية تترك للهوى.

أصبتِ في ربط المنظور القرآني بآية “العفو” ﴿‌وَيَسْأَلُونَكَ ‌مَاذَا ‌يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ [البقرة: 219]  ولكن احذري من تفسير العفو بأنه حرية مطلقة ومتروكة لمزاج صاحب المال يخرج ما يراه مناسباً؛ فهذا يفرغ الفريضة من مضمونها ويحولها إلى من صدقة فرضية إلى طوعية.

  • المفهوم الاقتصادي الصحيح للعفو وآليته المنضبطة: العفو في لغة القرآن والتشريع هو “الفائض الفعلي الواضح عن حاجات الاستقرار المعيشي الأصلي” للإنسان ومن يعوله، والقرآن لم يضع رقماً جامداً لئلا تقع المنظومة في حرج التضخم التاريخي، وهنا يتجلى الإعجاز القرآني الذي يتناسب مع عالمية الرسالة وزيادة الموارد المالية وتنوع الأوعية الاستثمارية الحديثة بما لم يكن موجوداً من ذي قبل.
  • حركية المقدار بين السعة والتعسر: إن معيار إخراج الحق المالي معلوم ومستقر تاريخياً وتشريعياً وهو (العُشر 10%) كما بيّنا سلفاً، ولكن قانون “العفو” الإلهي جاء هنا كميزان مرن يربط بين سعة المكلف وحاجته؛ فهو يتيح أفقاً مرناً للاستزادة الطوعية والترقي والزيادة فوق هذا المقدار لمن امتلك القدرة المالية والرغبة في نيل عظيم الأجر أضعافاً مضاعفة، وفي المقابل يتدخل كعتبة رحمة وإعفاء لمن لم يستطع إخراج هذا المقدار المعهود كاملاً بسبب أعباء معيشته: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ ‌سَعَتِهِ ‌وَمَنْ ‌قُدِرَ ‌عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا ﴾ [الطلاق: 7]
  • تنويه: وسوف ننشر قريباً – بإذن الله تعالى – مقالاً يبحث في هذا الجانب الاقتصادي للزكاة من منظور قرآني موسع.

3- تزكية النفس وتزكية المال

أصبتِ تماماً؛ فالزكاة في القرآن حركة شاملة؛ فاستعمال اللفظ اللغوي في كتاب الله له مفهوم أوسع من إخراج المال الذي يختص بلفظ الصدقة مصداقًا لقوله تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا. ‌فَأَلْهَمَهَا ‌فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا. قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا. وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ﴾ [الشمس: 7-10]

الشق الثاني: معضلة الذهب المدخر والجمود الفقهي

سؤالكِ عن الذهب المدخر يضرب في عمق الإشكالية البنيوية للفقه الموروث، نعم، كلامكِ ومنطقكِ يتفق مع الفطرة والقرآن لسببين:

1- لا زكاة تكرارية تقضم أصل المال الجامد

بعض الفقهاء أوجبوا على من يدخر ذهباً لا يدر عليه دخلاً (كامرأة تدخر مصاغها) أن تخرج منه ربع العُشر (2.5%) كل عام!

هذا الطرح غير منطقي ويصادم المنطق القرآني؛ لأنه يعني أن الزكاة ستأكل أصل المال المدخر بعد عدة عقود وتقضي عليه تماماً. والقرآن الكريم إنما يربط وجوب الصدقة بالمال النامي أو الذي فيه إمكانية النماء، لقوله تعالى: ﴿وَآتُوا ‌حَقَّهُ ‌يَوْمَ حَصَادِهِ ﴾ [الأنعام: 141]  فالذهب المخزن لغرض الزينة لا حصاد دوري له، لأنه معد للزينة لا للتجارة.

2- التفرقة بين “المكتنز” و”المتاجر به”

هناك فرق هائل في المنظور الاقتصادي بين حالتين:

  • صاحب الادخار الساكن: يخرج حقه مرة واحدة فقط يوم تسييله أو بيعه وتحقيق ربحه الفعلي (لحظة حصاده)، بشرط أن يكون اقتناء الذهب بالفعل لغرض الزينة أو لحفظ القيمة المشروعة ضد انهيار العملة، وليس خديعة أو حيلة للتهرب من حركة التدوير المالي والزكاة.

فالمنظور القرآني يشجع دائماً على تحويل الأموال الساكنة إلى أصول نامية ومستثمرة تنفع المجتمع.

  • المُتاجر في الذهب: هذا يقع تحت طائلة كسب النماء المستمر، فتجب الزكاة في أرباح تجارته الدورية كلما يحول الحول.

أما وعيد القرآن الشديد في كنز الذهب والفضة في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ ‌وَلَا ‌يُنْفِقُونَهَا ‌فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ [التوبة: 34]  فهو يتوجه إلى من يحبسون الأموال والثروات عن التدوير والإنتاج ويمنعون نفعها عن حركة المجتمع وليس إلى امرأة تدخر قطعاً محدودة للزينة.

الخلاصة: هل نتبع كتاب الله تعالى وحده؟

المسلم يتبع كتاب الله كمرجعية عليا وحاكمة ومهيمنة امتثالًا لقوله تعالى: ﴿‌وَأَنِ ‌احْكُمْ ‌بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ ﴾ [المائدة: 49]  وما دُوّن في كتب الفقه القديمة هو اجتهادات بشرية وبيئية وتاريخية قدّرها رجال عصرهم بما يناسب، وقد وُفقوا في مسائل عديدة وأخطأوا في أخرى، ولكن الخطأ الأكبر ارتكبه من جاء بعدهم عندما قاموا بـتقديس وتجميد نصوص السابقين الفقهية حتى صارت نصوصاً موازية للقرآن، مما عطل مقاصد الله تعالى التنموية وسد حاجة الفقراء في العصور الحديثة.

لذا، ثقي بمنطقكِ المستمد من تدبر القرآن، واعلمي أن القول بالقرآن وتقديم قوانينه المحكمة هو السبيل الوحيد لإعادة الهيبة والعدالة المطلقة لمنظومة الإسلام الاقتصادية، والالتزام بأمر الله سبحانه في قوله: ﴿وَالَّذِينَ ‌يُمَسِّكُونَ ‌بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾ [الأعراف: 170] .

التعليقات

  • برجاء التوضيح اكثر معنى هذا الكلام انه لا يوجد نصاب محدد للزكاه وخصوصا الذهب واسفه على الإلحاح في السؤال ولكن هذا بغرض التعلم والرجوع لاصل التشريع من كتاب الله
    في انتظار الرد وشكرا مقدما

    • لا داعي للاعتذار، ذكرنا أن نصاب الزكاة كان معروفًا من ذي قبل في شريعة جميع الأنبياء السابقين والقرآن مصدق له كأصل للتشريع لم يلغَ، وآية العفو جاءت كنوع من التيسير باعتبار القرآن كتاب للعالمين ليقرر أنه من أراد الزيادة عليه وكان مقتدرًا دون تبذير فله أجره، أو من لم يستطع إخراج النصاب لحاجة يدخر لها فلا إثم عليه.
      وبالنسبة للذهب فإن كان للزينة فلا تجب فيه الزكاة ومازاد عن حد الزينة وكان للإدخار أو التجارة تجب فيه الزكاة؛ حتى لا يقع تحت وعيده تعالى ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ التوبة (34) وسوف نفصل ذلك لاحقًا في مبحث منفصل بإذن الله تعالى.

      • يعني إخراج زكاة الذهب المدخر تكون عند تسييله الي نقود فقط صح كده ؟ ومقدار الزكاه راجع للظروف كما يتيسر ؟ اما بالنسبه ان نصاب الزكاه كان معلوم في اليهوديه او المسيحيه فأنا كمسلمه بصراحه غير مقنعه بهذا التفسير فالرساله الخاتمه وكتاب الله الخاتم لم يامرنا بتباعهم ولم يقول لنا خذوا تفاصيل زكاتكم منهم ولا يوجد لا إشارة ولا تلميح بحد أقصى او حد أدنى لمقدار الزكاه ولكن يوجد أمر بالزكاه فقط ..للأسف تفسركم في هذه النقطه غير مقنع برغم انكم ترفضون أحكام شرعيه كثيره لعدم وجود اصل لها في القرآن وهذا ما تعلمته انا شخصيا من موقعكم الكريم هذا بأن يكوم القرآن هو الحاكم والمهيمن على كل حكم شرعي وليس العكس
        برجاء اخضاع موضوع الزكاة هذا للبحث
        وشكرا جزيلا على جهودكم

  • شكرا جزيلا على التوضيح فأنا الان في مرحله إحلال وتبديل الموروث الديني بكتاب الله الذي لم يفرط في شئ مع اني أختلف قليلا في الرأي مع قولكم بأن مقدار الزكاه كان معلوم من قبل الإسلام ولذلك لم يكن هناك حاجه بأن يذكره الله مره اخرى في في القرآن!!! ألم يحرف الذين سبقونا دينهم وشريعتهم ؟ ام ان الله جعل كتبهم وشريعتهم مصدر ثانوي لنا إذ لم نجد تفاصيله في القرآن والرساله الخاتمه!! اظن ان هذا غير منطقي ابدا .
    كون نصاب الزكاه غير مفصل اذا هو غير موجود اصلا
    اما بالنسبه لزكاة الذهب المدخر لحفظ قيمه النقود من النقصان لم يرد فيها آيات ولا بلوغ النصاب كما في كتب الفقه ولكن من الممكن أن نتعامل معها معامله الحصاد كما تفضلتم وذكرتم هذا ولكن هذا ايضا يعتبر اجتهاد ويندرج تحت بند القياس الذي يتبعه الفقهاء وللأسف قاعده القياس هذه ربما تكون خاطئه لان ما ينطبق على حصاد الزرع لا ينطبق على الذهب. حتى الحصاد المذكور في القرآن نفسه لم يذكر قيمة ومقدار زكاته لاختلاف النفقه بين المحاصيل والأرض الخ
    اظن اننا محبوسين في قفص صنع لنا من فقهاء التاريخ وتم تقديس كلامهم حتى أصبحنا لا ندري ماذا نفعل فعندما ابحث في كتاب الله لا أجد كلامهم ولا فتواهم وهل يجب على المسلم ان يبحث في كتب اخرى؟ وهل طلب منا الله ان نتدبر كتب غير القرآن؟ او ناخد من شرائع من كانوا قبلنا ؟
    برجاء الرد والتوضيح عموما وفي مساله الذهب خصوصا كيف يخرج المسلم زكاته ام هى فعلا تقدير شخصي
    وشكرا جزيلا مقدما

    • السائلة الكريمة.. نحن نرحب بالتساؤلات ونتقبل الاختلاف الذي يهدف إلى بيان الحق، والرد يتلخص في الآتي:
      1- حقيقة “التصديق والهيمنة” وعالمية المقاصد الاقتصادية للقرآن
      إن علاقة القرآن بالكتب السماوية السابقة هي علاقة “تصديق وهيمنة” لقوله تعالى: ‏﴿مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمْنًا عَلَيْهِ﴾‏ [المائدة: 48]؛ فما أقرّه من نواميس فطريّة (كأصل الصلاة والزكاة وتحديد العُشر تاريخياً) هو الحق المشترك، وغياب الأرقام في القرآن ليس نقصاً، بل هو تأكيد على ما شرعه للأنبياء من قبل، وأن شرع من قبلنا هو شرع لنا ما لم ينزل حكماً جديداً ينسخه أو يعدله، مصداقًا لقوله: ‏﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾‏ [الشورى: 13]، وفي الوقت نفسه هو إعجاز يضع قوانين حركة مرنة تتلاءم مع تضخم الأزمان وتنوع الثروات لئلا نقع في حرج التضخم التاريخي.
      2- قانون الجمع بين الكسب والحصاد
      الخلاف مع الفقه التقليدي أنهم يفرضون زكاة سنوية تكرارية تقضم أصل الذهب المتخذ للزينة، بينما يربط القرآن الحق – أي الزكاة – بـ “النماء والربح الفعلي” لقوله تعالى في قانون جامع يربط الكسب بالحصاد: ‏﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الْأَرْضِ﴾‏ [البقرة: 267] فالذهب الساكن المتخذ للزينة لا كسب دوري فيه، وإنما يكون “يوم حصاده” لمرة واحدة فقط عند بيعه وتسييله وتحقيق ربحه الفعلي، وهذا ما جعلنا نستنبط الحكم.
      واختلافنا في هذه التفاصيل الإجرائية هو شيء صحي وطبيعي للوصول إلى الحق؛ فالتدبر والاستنباط ليس حكراً على الماضي ولا وقفاً على الحاضر، بل إن المستنبطين وأولي الألباب موجودون في كل عصر لتجديد فقه الأمة – حتى ولو كانوا قلة – مصداقاً لقوله تعالى: ‏﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾‏ [النساء: 83].
      وكما ذكرنا في الجواب أننا بصدد كتابة بحث عن الزكاة بإذن الله تعالى ننشره فور انتهائه نبين فيه ما قيل في الفقه ما له وما عليه والأخطاء التي وقعوا فيها.

      3- التدبر أداة إصلاح لا هدم لكل ما سبق
      ما تفكرين به من إحلال التراث وتبديله بالحق من كتاب الله تعالى هو خطوة بناءة وهو السبيل الوحيد للإصلاح والفهم، وهنا ينبغي الانتباه إلى أن منهج المؤمن مع الموروث هو الإصلاح والبناء؛ فليس كل التراث أصناماً يجب تحطيمها، نعم أكثرهم كذلك، ولكن القول بهدم كل التراث يجعلنا نهمل علوم اللغة، والبلاغة، وبعض التفاسير، والتاريخ التي هي بعض أدواتنا للفهم والبيان، فهذا التراث نتاج بشري فيه الطيب والخبيث حتى ولو كثر الخبيث؛ فواجب المؤمن الحق مهما وجد من ظلم من الموروث وكراهيته هو أن يمتثل لنهيه تعالى في قوله: ‏﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾‏ [المائدة: 8]؛ فالعدل والإنصاف تجاه التراث يقتضي عرضه بميزان العلم على كتاب الله تعالى ومحاكمته إلى الوحي، فما وافقه من استنباط أخذناه ولو كان قليلًا، وما خالفه فلا حاجة لنا به، ونحن أكثر من خالفناه وفندناه وحطمنا كثيرًا من أوثانه ولكننا في الوقت نفسه لا نستطيع أن ننكر استفادتنا من بعضه كما أشرنا في إجابتنا عن كثير من التساؤلات. ، وفقنا الله وإياكم لفهم كتابه وأن يجعلنا من أولي الألباب ‏﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾‏ [ص: 29].

      • شكرا جزيلا على الاهتمام والايضاح إلا انني مع احترامي الشديد غير مقتنعه بتصديق الله على نصاب العشر في الزكاه كما في الأمم السابقه هذا لو افترضنا صحة هذا النصاب وانه لم يحرف والا كان قد أشار له كما في ايه الصيام كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم ثم ذكر الله لنا تفاصيل صيامنا وماذا على المريض والمسافة..إلخ
        فلو كان نصاب الزكاة العشور كما في التوراه او التلمود كان ذكره الله لنا ولكنه لم يفعل .. اظن ان الله أراد لنا حريه التعبد والزكاة في رسالته الخاتمه ولكن رجال الكهنوت لم يعجبهم الأمر ففرضوا مافرضوه من باب السيطره ..
        اما بالنسبه للذهب فاحب أشير من باب الامانه ان ما اسأل عنه ليس ذهب زينه ولكنه ذهب للادخار على شكل عملات ذهبيه فهل زكاته عند تسييله لنقود ؟ وهل مقدار الزكاه حر بلا قيود ؟ بما انه لا نصاب في القرآن
        برجاء التوضيح واسفه مره اخرى على الاطاله والالحاح وشكرا مقدما

تصنيفات

Your Header Sidebar area is currently empty. Hurry up and add some widgets.