حبل الله
كيف أواجه ضيق الرزق؟

كيف أواجه ضيق الرزق؟

السؤال:

رزقنا في ضيق سنة بعد سنة، الوضع يزداد سوءا، خسرت وظيفتي منذ 7 أشهر وحتى الآن لم أحصل على وظيفة رغم كل السعي ، حاولت العمل الحر ولم يرزقني الله، جميع أفراد عائلتي عاطلة ما عدا أخت واحدة، ونسعى دون فائدة وكأن الله لا يكترث بنا. أبي متقاعد وأمي ربة منزل لا تملك شهادة، فماذا نفعل؟ المنصات التي من المفترض أن تساعدنا تقوم بقطع الأهلية عنا بين فترة وأخرى كأنهم يستمتعون بذلنا وإهانتنا. أنا جدًا غاضبة وحزينة على هذا الوضع لأني الأصغر سنا وأشعر أن قلبي سينفجر، فكثير من أمثالي عاطلين دون وجود أولويه لنا في أرضنا.

الجواب:

ما تشعر به السائلة الكريمة من غضب وحزن واختناق ليس أمرًا تافهًا ولا دليل ضعف إيمان، بل هو أثر طبيعي لضغطٍ طويل وقاسٍ يمرّ به الإنسان حين تتراكم الأبواب المغلقة أمامه. والقرآن نفسه وصف حال البشر حين يشتدّ عليهم البلاء:

﴿وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا ‌رَحُبَتْ ﴾ [التوبة: 25] ﴿وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ ﴾ [التوبة: 118] 

فأنتِ لستِ وحدكِ في هذا الشعور. لكن المهم ألا يتحول هذا الألم إلى قناعة أن الله لا يكترث بكم.

فالله تعالى لم يعد الناس بحياة خالية من القسوة والظلم، بل أخبرنا أن الدنيا قائمة على الابتلاء والتدافع، وأن كثيرًا من البشر يظلم بعضهم بعضًا ويحتكرون الأرزاق والفرص. هذا ليس دليل غياب الله (حاشاه)، بل دليل فساد البشر واختلال الموازين التي صنعها الناس.

القرآن لا يقدّم صورة وردية تقول إن المؤمن سيُفتح له كل باب فورًا، بل يقول بوضوح:

﴿‌لَقَدْ ‌خَلَقْنَا ‌الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ ﴾ [البلد: 4] 

أي في معاناة ومشقّة مستمرة. ويقول جل شأنه أيضا:

﴿ ‌وَنَبْلُوكُمْ ‌بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: 35] 

فالفقر، وتعطل الأسباب، والشعور بالقهر… كلها من أصعب ما يُبتلى به الإنسان.

ونفهم من كلامك أنك لا تتحدثين عن كسل أو استسلام، بل عن سعي طويل مع انسداد النتائج. وهذا فرق مهم؛ لأن القرآن يحمّل الإنسان مسؤولية السعي لا مسؤولية النتائج النهائية. قال تعالى:

﴿وَأَنْ ‌لَيْسَ ‌لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: 39] 

أي أن ما يملكه الإنسان حقًا هو سعيه ومحاولته وثباته الأخلاقي، أما النتائج فتدخل فيها عوامل كثيرة بعضها خارج إرادته.

ولا تسمحي لأحد أن يقنعك أن كل فقير مذنب أو أن كل متعثر مقصّر أو أن الرزق الضيق يعني غضب الله تعالى. فهذا الكلام يخالف القرآن والواقع معًا. فكم من أنبياء وصالحين مرّوا بسنوات من الضيق والخوف والحرمان.

يوسف عليه السلام دخل السجن ظلمًا، وموسى خرج خائفًا مطاردًا، ومحمد أُوذي وحوصر وجوّع، ولم يكن ذلك لأن الله تخلى عنهم. بل لأنه امتحنهم فصبروا ولم يستسلموا ولم ييأسوا بل بحثوا عن الخلاص بكل سبيل ممكنة ومع ذلك كانوا مستيقنين أن الله تعالى لن يخيبهم.

والمؤمن له في سيرتهم أسوة حسنة، فلا تتركي الغضب يأكل قلبكِ حتى يتحول إلى يأس داخلي، فالقرآن يرفض اليأس لأنه يشلّ الإنسان:

﴿إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف: 87] 

وليس المقصود بالكفر هنا مجرد الإنكار، بل الانقطاع الكامل عن الأمل بالله وإمكان تغيّر الحال.

حاولي أن تنظري لنفسكِ ولعائلتكِ بعين الرحمة لا بعين الفشل. أنتم تحاولون وتُخذلون من أنظمة ومؤسسات غير عادلة، وهذا مؤلم فعلًا. ومن حقكِ أن تغضبي من الظلم والإذلال، فالقرآن نفسه يذمّ الذين يحتكرون الثروة ويضيّقون على الناس كفرعون وقارون وأمثالهما. لكن لا تجعلي هذا الغضب يتحول إلى احتقار للنفس أو اتهام لله جل شأنه.

واحرصي الآن على أمرين معًا:

  • استمرار السعي الواقعي ولو بخطوات صغيرة ومتعبة.
  • وحماية قلبكِ من الانهيار الداخلي.  فأحيانًا يحتاج الإنسان أن ينجو نفسيًا أولًا حتى يستطيع مواصلة الطريق. تكلمي، استشيري أهل الرأي، كرري المحاولة، لا تستسلمي لليأس. ادع الله تعالى، ولا تقنطي من رحمته.

أسأل الله أن يفتح لكم باب رزق وكرامة، وأن يبدّل هذا الضيق فرجًا، وأن يحفظ قلبكِ من الانكسار.

*وللمزيد حول الموضوع ننصح بالاطلاع على المواضيع التالية:

لما يشعر المرء بالغصة عند الخسارة؟ وهل الرزق مقرون بالعمل؟

هل تأخر استجابة الدعاء علامة على عدم محبة الله تعالى للعبد؟

الشكوى من قلة الدعم الأسري وتعثر المخططات

هل الشغل/العمل نصيب أم اجتهاد من الإنسان؟

تعليق واحد

  • ربنا ارزقنا من حيث لا نحتسب السلام عليكم ورحمة الله وبركاته عندي استفسار مستعجل ارجوكم واريد فهمه .. عندي مبلغ من المال ليس بكبير واريد ان اضعه في البنك لكي افتح به حساب والمعروف ان هناك نوعان من حسابات البنوك حساب جاري واخر ادخاري .أما الجاري للأسف البنك يخصم مبلغ معين من أصل مالي الذي عندهم كرسوم إداريه نظير الخدمة وبالتالي اصل المبلغ الذي وضعته سوف يتناقص مع الوقت مع العلم ان المبلغ هذا لا أملك غيره وليس لدي وظيفه لكي انميه.
    اما الحساب الادخاري لو صح الاسم فهو بفائدة تضاف لاصل المبلغ كل شهر تغطي المصاريف البنكيه ولي الحق ان اسحب هذه الفائدة او اتركها فاحافظ بقدر الامكان على مالي دون نقصان .
    فهل هذه الفائده ربا لاني قرأت آراء كثيره في هذا الموضوع وان الربا المحرم هو ان اقترض من البنك واسدد هذا القرض بالفائده كما كانت فكره المرابي زمان انه يقرض الناس مستغل حاجتهم للمال بأن يردوا له المال بالزياده . أما في حالتي كما شرحتها لكم ليست ربا فهل هذا صحيح فأنا اثق برأيكم واريد ان أفهم اين الخطأ لو فعلت ذلك .
    برجاء التوضيح
    وشكرا مقدما

تصنيفات

Your Header Sidebar area is currently empty. Hurry up and add some widgets.