حبل الله
كيف نستدل كمسلمين غير دارسين على صحة الحديث و الأخذ به؟

كيف نستدل كمسلمين غير دارسين على صحة الحديث و الأخذ به؟

السؤال:

السلام عليكم سبق و قرأت العديد من المقالات هنا عن المفهوم الخاطئ عن السنة والتصديق الأعمى للمفتريات على الرسول عليه الصلاة والسلام، سواء بسبب الموروث أو المذاهب، وأنه ينبغي عرض الأحاديث على القرآن للتأكد من صحتها وسؤالي فقط… كيف نستدل كمسلمين غير دارسين على صحة الحديث و الأخذ به، لأنني و الله أحياناً أشعر بحزن وقلق إذا كنت متربصة لكل حديث شريف عن الرسول عليه الصلاة و السلام، كما أن عدد الأحاديث كبير جداً في النهاية… ورغم الروايات المفتراة التي لا ولن أصدقها عن رسولي إلا أنه وجب علي و علينا كمسلمين توقير كلمته و أخذه كقدوة لنا، كما أن علينا محبته و أهل بيته و أزواجه وجميع الأنبياء والصحابة كذلك، ولهذا نحب أن نعرف كيف كان يعيش و ينظر إلى الحياة، لأننا بمرور الوقت نكتسب من صفاته الكريمة. أشعر فقط بالذنب حين أتربص لأي شخص يبدأ برواية الأحاديث أو الروايات عن الرسول عليه الصلاة و السلام، والله أعلم بنوايا الشخص الذي صعد إلى المنبر (هل أراد خيراً بنا أم فتنة؟) و الجميع لا يعلم (و أنا من ضمنهم) ما هو سند و متن الحديث و هل يقتضي كون الحديث صحيحا أن يؤخذ به؟ و إذا كان كذلك، لماذا لم يعرض البخاري و الترمذي مثلاً الأحاديث على القرآن للتأكد من صحتها قبل شيوع الفتن بين المسلمين (علما أني لا أبخسهم جهودهم و لهم كل التقدير رحمة الله عليهم

( آسفة على الإطالة… و شكراً جزيلاً مقدماً) .

الجواب:

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

هذا السؤال يعبر عن الإشكال الذي يعاني منه كثير من الناس عندما يبدؤون بالتمييز بين ما يُنسب إلى النبي ﷺ وما يصح عنه فعلاً. وسأنقل لك الجواب بروحه ومنهجه كما يُطرح في موقعنا حبل الله مع تبسيطه قدر المستطاع:

أولاً: الأصل الذي يُبنى عليه كل شيء

القرآن الكريم هو المعيار الأعلى، لأنه الكتاب الذي تكفّل الله بحفظه، وهو الميزان الذي تُعرض عليه كل الروايات. فما وافق القرآن قُبل، وما خالفه رُدّ، مهما كان ناقله. وهذا ليس تقليلاً من أهمية الروايات الحديثية، بل حماية لها من الدخيل.

ثانياً: هل يُطلب من كل مسلم فحص الأسانيد؟

لا يطلب من كل مسلم بأن يكون عالم حديث أو متخصصا في علم الرجال. فهذا علم دقيق له أهله. لكن بالمقابل، لا يُطالب المسلم بأن يُسلم بكل ما يُقال دون وعي. فالمطلوب هو التوازن، فلا تصديق أعمى ، ولا وسوسة وريبة في كل شيء، بل عرض عام على القرآن والعقل السليم.

ثالثاً: كيف يتعامل المسلم عملياً مع الأحاديث؟

يمكن تلخيص المنهج بطريقة سهلة:

  • إذا كان الحديث يوافق القرآن وقيمه (كالعدل، الرحمة، الصدق…) يُقبل من حيث المعنى
  • إذا كان الحديث يخالف القرآن أو يصطدم به صراحة  يُرفض
  • إذا كان الحديث لا يخالف ولا يؤكد شيئاً أساسياً  لا يُبنى عليه اعتقاد ولا يُشغل به القلب

وبهذا يرتاح المسلم من القلق والتتبع المرهق.

رابعاً: هل كل حديث “صحيح” يجب الأخذ به؟

الأحاديث التي صُنّفت “صحيحة” تم تصحيحها بناء على اجتهادات بشرية، وليست وحياً محفوظاً كالقرآن. لذلك لا تُعطى العصمة، بل تُعرض أيضاً على القرآن.

خامساً: لماذا لم يَعرض المحدثون الأحاديث على القرآن؟

علماء الحديث مثل البخاري والترمذي ركّزوا بشكل أساسي على السند (سلسلة الرجال الذين نقلوا الحديث عبر الأجيال) أكثر من تركيزهم على المتن (مضمون الحديث)
وقد كان اجتهادهم عظيماً ومقدَّراً، لكنهم بشر، وعملهم ليس معصوماً من الخطأ أو النقص.

الخطأ حصل في تقديس اجتهادات أولئك العلماء، حيث نقل اللاحقون جهودهم من دائرة الظن إلى دائرة اليقين، وهو الذي لم يزعموه أصلا.

سادساً: بخصوص شعورك بالذنب والقلق

ما تشعرين به ليس خطأ، بل هو حرص صادق على عدم الكذب على رسول الله ﷺ. لكن لا ينبغي أن يتحول إلى تعب نفسي، فأنتِ على الطريق الصحيح إذا أحببتِ النبي ﷺ ، واحترمتِه ولم تقبلي أن يُنسب إليه ما لا يليق ، وتمسكتِ بالقرآن كمرجع أعلى. ولا يلزمك أن تدخلي في شك دائم أو محاكمة لكل من يتكلم.

سابعا: خلاصة منهج موقعنا (حبل الله) في تقييم الأحاديث المنسوبة للنبي الكريم:

1_ القرآن هو الميزان الأساسي. فأي حديث تسمعينه:  اسألي نفسك: هل هذا يوافق القرآن أم يخالفه؟ إذا كان يوافقه  اطمئني له وإذا كان يخالفه اتركيه مباشرة .

2_ علم السند علم متخصص، فعامة الناس غير مطالبين بمعرفة من روى ومن نقل، و يكفي المسلم فهم المعنى وعرضه على القرآن.

3_ نأخذ من الأحاديث ما يوافق القيم الواضحة، مثل: الرحمة، العدل، الصدق، الأخلاق،

4_ التوقف عند الأحاديث المقلقة. فإذا شعرت أن الحديث فيه ظلم ، أو إساءة للنبي ﷺ ، أو يخالف رحمة الإسلام ، فلا تصدقه، ولا تنشغل به.

5_ليس كل “حديث صحيح” يلزم أن يُتبع. فحتى كتب الحديث الأكثر صحة مثل صحيحي البخاري ومسلم هي اجتهادات بشرية عظيمة حاولت جمع أحاديث النبي الكريم، لكنها ليست معصومة، لذلك تُعرض على القرآن أيضاً.

6_ التوقف عند الحديث أو رفض الاحتجاج به لا يعني إنكار السنة، بل هو الحرص عليها نقية، فلا داعي للشعور بالذنب، فأنتِ لا “تتربصين” بالأحاديث،  أنتِ تحمين دينك من الخطأ، وهذا حرص محمود وليس ذنباً.

7_ الدين يؤخذ ببساطة وطمأنينة. القاعدة الكلية: ما وافق القرآن نأخذ به، و ما خالفه نتركه،  وما لم يتضح، لا تنشغل به النفس.

ثامنا: أمثلة توضح كيف يُطبَّق منهج موقع حبل الله عملياً:

المثال الأول: حديث يوافق القرآن:

الحديث: “الراحمون يرحمهم الرحمن”

التطبيق: القرآن مليء بآيات الرحمة مثل: ﴿‌وَرَحْمَتِي ‌وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ ﴾ [الأعراف: 156]

إذن: الحديث منسجم تماماً مع القرآن

النتيجة: نأخذ به ونطمئن له.

المثال الثاني: حديث يُشعر بالتعارض

مثال مشهور: حديث يُفهم منه “أن أكثر أهل النار من النساء”

التطبيق: القرآن يقول: ﴿مَنْ عَمِلَ ‌صَالِحًا ‌مِنْ ‌ذَكَرٍ ‌أَوْ ‌أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: 97] 

هذه الآية كغيرها من الآيات ذات الصلة تؤكد العدل وعدم التمييز بين الرجل والمرأة.

إذا فُهم الحديث على أنه انتقاص أو ظلم للنساء، فهذا يتعارض مع القرآن.

النتيجة: إما أن الحديث غير صحيح، أو أن الفهم المنتشر له خاطئ. وفي كلا الحالتين: لا نقبله بهذا المعنى .

المثال الثالث: حديث فيه مبالغة أو إساءة

مثال: روايات تُصوّر النبي ﷺ بشكل قاسٍ أو غير رحيم

التطبيق: القرآن يصف النبي ﷺ: ﴿وَمَا ‌أَرْسَلْنَاكَ ‌إِلَّا ‌رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107] ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ ‌بِالْمُؤْمِنِينَ ‌رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: 128]

إذن الأصل أنه رحيم وعظيم الخُلق. فأي رواية تُظهره بعكس ذلك  تُخالف القرآن.

النتيجة: نرفضها مباشرة

المثال الرابع: حديث عادي لا مشكلة فيه

مثال: أحاديث عن تفاصيل حياة النبي اليومية في طعامه ولباسه وما شابه

التطبيق: لا تعارض مع القرآن ولا تتعلق بأصل من أصول الدين.

النتيجة: لا نُشدّد فيها ، ولا نجعلها قضية كبيرة ، فإن وافقت العقل نأخذ بها، وإلا لا ننشغل

المثال الخامس: حديث فيه حكم خطير

مثال: حديث يُستخدم لتكفير الناس أو ظلمهم

التطبيق: القرآن يقرر: ﴿لَا ‌إِكْرَاهَ ‌فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ﴾ [البقرة: 256] ويؤكد العدل وعدم الظلم : ﴿وَلَا ‌يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا، وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2]

إذا كان الحديث يؤدي إلى ظلم أو تكفير بغير حق، فهو  يتعارض مع القرآن

النتيجة: لا يُؤخذ به

تاسعا: تمارين عملية على كيفية تقييم الحديث

التمرين الأول:

الحديث: “لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه”

الخطوة الأولى: هل يوافق القرآن؟

القرآن يدعو إلى: الإحسان ومحبة الخير للناس بل والإيثار. مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ ‌بِالْعَدْلِ ‌وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل: 90] وقوله في مدح الأنصار: ﴿‌وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ﴾ [الحشر: 9]

إذن المعنى متوافق مع القرآن.

الخطوة الثانية: هل ينسجم مع أخلاق النبي ﷺ؟

القرآن وصف النبي ﷺ بأنه: رحيم [التوبة: 128]  وحسن الخلق [القلم: 4]

وهذا الحديث يدعو للأخلاق الراقية، إذن منسجم تماماً

الخطوة الثالثة: هل يؤدي إلى خير أم ضرر؟

الحديث يدعو للمحبة، والتغلب على الأنانية ، وبالتالي يعمل على تقوية المجتمع. إذن يؤدي إلى خير واضح.

النتيجة: نأخذ بهذا الحديث ونطمئن له.

التمرين الثاني

نص الحديث: “إن الميت يُعذّب ببكاء أهله عليه”

1_هل يوافق القرآن؟

لا يوافق القرآن لأن الله تعالى يقول: ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا ‌وَلَا ‌تَزِرُ ‌وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: 164]

الحديث يفيد (بظاهره) أن إنساناً يُعذّب بسبب فعل غيره.  وهذا يخالف مبدأ قرآنيا صريحا في العدل.

2_هل ينسجم مع عدل الله؟

القرآن يقرر أن: كل إنسان مسؤول عن عمله [الإسراء: 13] ، وأنه لا يُحاسب على فعل غيره [الأنعام: 164]

إذن الفهم الظاهر للحديث فيه إشكال في العدل.

النتيجة: عدم قبول الحديث بهذا المعنى.

وهذا بالضبط هو التطبيق العملي لمنهج موقنا حبل الله.

الخاتمة:

-الأصل المقرر أن القرآن الكريم هو المرجع الأعلى والميزان الذي تُعرض عليه سائر الأقوال والروايات إذ هو النص المقطوع بثبوته المحفوظ من التحريف فيكون هو الحاكم على غيره لا المحكوم عليه.

-وعليه فإن ما نُسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم من الأخبار يُنظر في معناها فإن وافق كتاب الله تعالى في أصوله وقواعده العامة من العدل والرحمة والتكليف والمسؤولية الفردية قُبل من حيث المعنى واستأنس به في باب الهدي والاقتداء، وإن خالف نصاً قرآنياً صريحاً أو أصلاً كلياً مستقراً رُدّ ولم يُعمل به لأن الظني لا يعارض القطعي.

-ولا يُكلَّف عامة المسلمين بالبحث في أسانيد الأخبار وطرق نقلها، إذ ذلك من دقائق العلوم التي اختص بها أهل الحديث، وإنما الواجب عليهم التمييز الإجمالي بعرض المعاني على القرآن وما تقرر فيه من أصول الدين.

– الحكم على الحديث بالصحة عند المحدثين هو اجتهاد بشري مبني على قواعد الرواية والنقل وليس حكماً بالعصمة المطلقة للنص المروي، ولذلك لا يخرج الحديث المصنف في الصحيح عن كونه ظنياً من جهة المتن فيُعرض على القرآن كذلك.

– إن ورد حديث يُفهم منه مؤاخذة إنسان بذنب غيره أو نسبة ما يناقض عدل الله تعالى أو رحمته أو ما وصف به نبيه صلى الله عليه وسلم من الخلق العظيم فإن هذا الفهم يُترك ولا يُقبل ، لأن الله تعالى قرر قاعدة كلية بقوله: ولا تزر وازرة وزر أخرى

وإن أمكن حمل الخبر على معنى يوافق القرآن دون تكلف قُبل بهذا المعنى وإلا فتركه أولى وأسلم للدين.

-يُستحب للمسلم أن يأخذ من الأخبار ما يعزز مكارم الأخلاق ويوافق مقاصد الشريعة من الرحمة والعدل والإحسان وأن لا يشغل نفسه بما يورث القلق أو الاضطراب في الدين.

– خلاصة ذلك كله أن القرآن أصل والسنة تُفهم في ضوئه، فما وافقه قُبل وما خالفه رُدّ، وما لم يظهر وجهه تُرك دون تكلف، مع بقاء التوقير للنبي صلى الله عليه وسلم وصيانة مقامه عن كل ما لا يليق به.

أضف تعليقا

تصنيفات

Your Header Sidebar area is currently empty. Hurry up and add some widgets.