السؤال
هل لفظ طاعة الزوج ثابت شرعاً؟ لم أستطع تقبل أحاديث الطاعة والسجود أبداً؛ أنا أحب زوجي ولكن ليس على حساب كرامتي، أكره كلمة طاعة الرجل وأن أسمى مطيعة…
هل يجب على الزوج أن يطيع زوجته، يستأذنها في دخول ضيف لبيتها، ويستأذنها في الصيام، ويعطيها حقها في الفراش؟ إذا كانت هي ملزمة بخدمته ومسؤولية البيت وترغب في العلاقة، فهذه أيضاً مسؤولية، فكيف لا تمتلك سلطة في المقابل؟ وما رأيك في تفسير القوامة على أنها تأديب للزوجة وأمر وعلاقة هرمية؟ لا يوجد حديث صريح يقول أن على المرأة استئذان الزوج للخروج من البيت، أصلاً الخروج من البيت يكون بالمعروف. في حالة الفراق (الطلاق)، يكون بإرادة الزوج وحده، وفي حالة رغبة الزوجة في الفراق، تحتاج لرضاه وانتظار رضا القاضي قبل إرادة المرأة إلا في حالة الضرر. وفي حالة أن يصوم الزوج أو يدخل ضيفاً للبيت، لا يحتاج لرضاها إلا إذا حدث ضرر. رضا الزوج مهم ورضا الزوجة غير مهم بما أنه لا يوجد ضرر عليها، أما هو فعدم رضاه فقط يعتبر ضرراً له، لهذا هو يُعاشر بالمعروف وهي تُطيع.
الجواب:
تحدثنا كثيرًا في موقعنا عن مفهوم الطاعة والقوامة، وذكرنا أن المتأمل في كتاب الله تعالى يجد غياباً تاماً لمصطلح “طاعة الزوج” بالمعنى الذي صاغته بعض الاجتهادات البشرية والمذهبية، والتي رتبت عليه أحكاماً ما أنزل الله بها من سلطان أدت إلى تكريس ما أسمته السائلة الكريمة بالعلاقة (الهرمية) التي تُصور الزواج كبناء طبقي يضع الزوج في القمة والزوجة في القاع، بما يفرض خضوعاً تاماً يسلب المرأة كرامتها وصلاحياتها.
إن هذا التصور الذي منح الرجل سلطة التأديب والوصاية المطلقة، إلى الدرجة التي جعل دخول المرأة الجنة رهناً لرضاه، هو تصور غريب عن روح القرآن الذي جعل العلاقة بين الزوجين علاقة تكاملية وتشاركية قائمة على المودة والرحمة والسكن المشترك. فالله سبحانه لم يؤسس للعبودية بين البشر، بل جعل التقوى هي ميزان التفاضل، وأرسى قيم الشراكة الوجدانية التي تحترم إنسانية المرأة وعقلها، بعيداً عن مفاهيم الفوقية والدونية التي تخالف فطرة التكريم الإلهي.
*وللمزيد حول معنى الطاعة والقوامة في كتاب الله تعالى يرجى الاطلاع على المقالتين التاليتين:
تصحيح الأخطاء المتوارثة حول مفهومي القوامة والطاعة
مفهوم الطاعة في القرآن الكريم وعلاقته بطاعة الأب أو الزوج
فكل ما ذكرته السائلة الكريمة في سؤالها هو حق مشترك بين الزوجين كفله الله تعالى لكليهما.
وأولى هذه الحقوق هو حق الفراش.. الذي هو ميثاق العفة المتبادل لا صك العبودية!
إن من أكبر المفاهيم التي طالها التشويه في العلاقة الزوجية هو تصوير “حق الفراش” كصك عبودية أو حق حصري للرجل، والافتراء على رسول الله بإنزال ملائكةٍ وظيفتهم حراسة مضاجع الرجال ولعن النساء؛ متناسين أن الرباط الزوجي ميثاق غليظ أسمى من أن يُختزل في الخوف أو الطبقية.
والعلاقة الزوجية رحلة عفة متبادلة، والفضل فيها لمن يعفُّ صاحبه بالحب والرضا؛ فالرجل والمرأة قبل الزواج كانا يعيشان في بيوت أهلهما ينعمان بكل سبل العيش، فما الذي دفعهما لهذا الرباط؟ إن الهدف الأسمى هو “إقامة السكن” لا “فرض الهيمنة” ولا يتحقق هذا إلا بالوفاء بآية الميثاق التي أرساها رب العالمين حين قال:
﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [النساء: 21]
إن تصوير العلاقة الزوجية كعقد عبودية أو حصره للرجل يُلبى تحت التهديد هو تشويه لهذا الميثاق.
فالإفضاء في جوهره هو بلوغ “الفضاء المشترك” بين روحين دون خوفٍ من حُكم أو انتقاص؛ هذا الإفضاء يجعل من “المتعة” حقًا متساويًا وسكنًا نفسيًا يطلبه كلاهما ويجده في الآخر كما بيَّن تعالى لنا: (وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ) ، وليست وظيفة تؤديها المرأة قسراً، بل هي فيض من المودة والرحمة اللتين جعلهما الله آية من آياته حين قال:
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: 21]
وهنا تتجلى عدالة الخالق حتى في اختيار ألفاظٍ تُلغي الهرمية وتُقرُّ التشاركية عندما قال:
* ﴿خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾ وليس “زوجات”: لبيان أن الحاجة للسكن والعفة هي حاجة بشرية فطرية متساوية للطرفين.
* ﴿أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ﴾ وليس “أفضيتم إليهن”: للتأكيد على أن الإفضاء هو فعل تبادلي مشترك.
* ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ [البقرة: 187] وليس “هن لباس لكم فقط”: لترسيخ مفهوم الاحتواء والستر والدفء كحق وواجب متبادل.
ولكن المجتمع بابتعاده عن كتاب الله تعالى جعل الذكور ﴿مِنْ دُونِ الرَّحْمَٰنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ للدرجة التي جعلوا المرأة تكاد تسجد لزوجها، وما هو إلا محض افتراء لا أصل له في كتاب الله تعالى، فالسجود للبشر كنوع من التكريم ليس غريباً عن القرآن، ولو كان هناك سجود للزوج لذكره تعالى صراحة، لكنه لم يرد إلا في مواطن الآية الإلهية والتكريم الخاص، كسجود الملائكة لآدم تكريماً لخلقه: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [الحجر: 29] وسجود إخوة يوسف تحقيقاً لرؤيا صادقة وتكريمًا لخُلقه: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ [يوسف: 100].
ولم يُذكر سجودٌ لزوجٍ، حتى زوجات الأنبياء لم يسجدن لأزواجهن، فالتكريم ميزانه التقوى لا النوع: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13] والزواج رحلة إنسانية قوامها الكرامة والتمتع الحلال بالمعروف، والعبودية لا تكون إلا للخالق وحده سبحانه.
أدب الاستئناس والاستئذان في بيت الزوجية:
إن الاستئذان بين الزوجين ليس تسلطاً، بل هو أدب رفيع؛ فالله تعالى نسب البيت للزوجة حين قال: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ [الطلاق: 1] لذا لا يدخل غريبٌ إلا بعلمهما واستئذانهما معًا.
وهنا نلمح فرقاً بديعاً بين:
* الاستئذان في القيادة والعمل كما في قوله: ﴿فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ﴾ [النور: 62] لضبط النظام والمصلحة العامة.
* الاستئناس في البيوت، كما في قوله: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُوا﴾ [النور: 27] وهو التماس الرضا ليكون الدخول مصدراً للأُنس لا الإزعاج.
وقد جاء التوجيه لبيت النبوة – ولنا فيه الأسوة الحسنة – مبينًا رفع الجناح عن المحارم في دخول البيت: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ وَلَا إِخْوَانِهِنَّ…﴾ [الأحزاب: 55] فدخولهم لا يحتاج إلى إذن رسمي، وإن كان لا يمنع الإخبار المسبق تأدبًا واحترامًا لكلا الطرفين، أما الغرباء فينبغي الاستئذان من كلا الزوجين صيانةً للميثاق الغليظ في حفظ البيوتات ومراعاة الحرمات.
والزواج ملاذُ أُنسٍ متبادل يراعي فيه كل طرف رضا صاحبه واحترام رغباته، أما تحويل البيت إلى منظومة “أمر ونهي” يقتل دفء السكن الذي أراده الله تعالى.
يرجي الاطلاع على السؤال حول استئذان الزوجة من زوجها سواء في الصيام أو غيره من الفتوى التالية: استئذان الزوجة زوجها عند خروجها من البيت
ميثاق الفراق: بين عدالة التشريع وتعسف الواقع..
عندما كفل الله تعالى حق الطلاق للرجل، فقد كفل للمرأة الحق الكامل في طلب الفراق بــ (الافتداء) متى أرادت مصداقًا لقوله:
﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ، تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا، وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: 229]
ويمكن للزوجين _بوجود الحكمين_ إنهاء مسألة الافتداء دون اللجوء للقضاء كما في الطلاق، ولكن مع تعنت الأزواج فقد جُعل القضاء مآلاً لحسم النزاع بينهما؛ صيانةً لكرامة الزوجة ومنعًا لابتزازها أو استغلال حقوقها التي أوجبها الله تعالى لها.
وهنا ملمح تجدر الإشارة إليه:
إن الزواج ميثاق غليظ فهدمه ليس بالأمر الهين، ولذا فإن ما يمارسه البعض اليوم من “طلاق غيابي” مفاجئ دون علم الزوجة هو أبعد ما يكون عن المنهج القرآني الذي وضع مراحل دقيقة تبدأ عند نشوز أحد الطرفين (أي نفوره وعدم رغبته في البقاء) وتمر بمحاولات الإصلاح، ثم تدخل الحكمين، وصولاً إلى انقضاء العدة داخل بيت الزوجية، لعل في ذلك فرصة للمراجعة امتثالًا لقوله: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَٰلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: 1] وهو الأمر نفسه بالنسبة للمرأة، فإن الافتداء أيضاً يمر بمراحل الصلح والتروي.
أما “الطلاق للضرر” فهو حقٌ شرعي أصيل للمرأة تحصل فيه على كامل حقوقها، وما يحدث في الواقع من مماطلة تترك المرأة فيها “كالمعلقة” هو إثمٌ يقع على عاتق الزوج والقائمين على تنفيذ القوانين لمخالفتهم صريح النهي الإلهي: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ [النساء: 19] والعضل هو التضييق على المرأة لإرغامها على التنازل عن حقوقها، ويتمثل في تعسف الزوج في استغلال الثغرات القانونية لإلحاق الأذى والضرر بزوجته الذي يصادم الأمر الإلهي بالعشرة بالمعروف: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: 19]
الزواج بين المعروف والإحسان:
وهنا تبرز دقة التشريع في الفصل بين حالتي البقاء والفراق بين مسارين لا ثالث لهما؛ فبينما جعل الله “المعروف” هو ميزان العشرة والإمساك، ارتقى بمرتبة “الإحسان” (وهي القيمة العليا والفضل الزائد) لتكون هي العنوان الأبرز عند التسريح والفراق حين قال تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: 229] فالفراق في دين الله تعالى ليس معركة لتكسير العظام، بل هو ممارسة لأعلى درجات الجود، بتمكين المرأة من كامل حقوقها المادية والمعنوية امتثالاً لأمره: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ [النساء: 20] ، فالإحسان عند الفراق هو ذروة الأخلاق التي تليق بهذا الميثاق.
وختامًا:
إن شريعة الرحمن الخاصة بالعلاقة بين الذكر والأنثى ليست منظومة صراعٍ على الحقوق، بل هي ميثاقُ سكنٍ يجمع بين عدالة التشريع وسُمُوّ الفضل، ليبقى الودُّ قائمًا والمعروفُ حاكمًا والإحسانُ غاية، فالإحسان هو ذروة الأخلاق التي تعلو فوق الحقوق والواجبات؛ للفوز بمعية الله وتوفيقه مصداقًا لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل: 128].
الباحثة: شيماء أبو زيد


ومن يكترث بذلك من الرجال؟ اذا كان التطبيق خاطئ و يتم الاستدلال باحاديث ذكورية، أليس الهدف من الدين تطبيقه؟ اذن لما لا يطبقه احد بالشكل الصحيح؟ وعندما يتم تكذيب هذه الاحاديث يتم الاستنقاص من المرأة و القاء التهم عليها و انها نسوية و تكره الدين ومن المستحيل ان يقع بخاري و مسلم في الخطأ!