حبل الله
مرويات حادثة الإفك في ميزان القرآن الكريم

مرويات حادثة الإفك في ميزان القرآن الكريم

السؤال:

هل شك النبي في أم المؤمنين عائشة حقًا أم أن الروايات تتحدث بالباطل؟ وهل شك فيها أبوها أيضًا؟ لا أدري أيهما أقسى أن يتجرأ ذكور قذرون على اتهام زوجة نبي بالزنا! أم أن تتخيل نفسها أنها في موضع اتهام من أقرب الأشخاص إليها! حادثة كهذه وإن دلت على شيء فتدل على أن المرأة حتى وإن كانت قديسة وسيرتها من ذهب (وأكيد عائشة كانت ترتدي حجابًا شرعيًا) لم يمنع هذا الحفنة القذرة من الناس سبها والخوض فيها! ولم تمنع الأمور السابقة أيضا أقرب الناس من الشك فيها أيضًا ولو حتى وساوس! لو صحت الروايات هذه. وأتمنى أن تكون مكذوبة، بل أتمنى أنهم قد دافعوا عنها باستماتة ﻷن لو أشخاص في وضع هؤلاء لم يفعلوا فمسميات العائلة والزواج إلخ كذبة كبيرة ككل شيء يتضح في النهاية أنه كذبة أوهم الناس بعضهم بها.

الجواب:

​إنَّ ما يختلج في صدر السائلة الكريمة من استنكار وقلق هو في حقيقته دليلٌ على نقاء سريرتها؛ فالإنسان ينضح بما فيه. وقد وضع الله قاعدة ذهبية في سورة النور في سياق الحديث عن الإفك حين قال:

﴿‌الْخَبِيثَاتُ ‌لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [النور: 26]

فــ “الطيب” و”الخبيث” هنا هما القولُ والظنُّ والاعتقاد؛ فالأفكار الخبيثة والظنون الآثمة لا تليق إلا بالنفوس الخبيثة التي تعجز عن تصور الطهر، أما النفوس الطيبة فهي التي ترفض القول الخبيث بالفطرة، ولا تعتقد إلا الطيب من القول والعمل وخاصة إذا تعلق اﻷمر بالأنبياء وأهل بيتهم الطيبين الطاهرين.

​والقسوة التي أشارت إليها السائلة التي تتجلى في “رواية الإفك” لا تكمن فقط في جرأة جماعة من المنافقين على الطعن في العفيفات بالباطل حتى لو كانت السيدة عائشة زوج النبي – فهذا دأب أعداء الأنبياء والصالحين عبر التاريخ، كما فُعل بأطهر نساء العالمين مريم ابنة عمران، التي نبتت في المحراب وانقطعت للقنوت ولم يشفع لها طهرها عند قومها حين رموها ببهتان عظيم حين:

﴿قَالُوا ‌يَامَرْيَمُ ‌لَقَدْ ‌جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾ [مريم: 27]

فإنَّ الاستهداف يطال العفة لذاتها، لكسر تماسك المجتمع وتشويه طهارته. فالمنافقون لا يستفزهم الخوض في سير الباغيات اللواتي لا يشكلن خطراً على قِيَم المجتمع، بل غايتهم هي زلزلة صفوف المؤمنين عبر الطعن في رموز العفة.

ولكنَّ القسوة الأشد و “الإفك الأكبر” يكمن في قبولنا لرواياتٍ لا تنقل لنا حادثة إفك، وإنما هي الإفك بعينه كما سنرى.

إنَّ المتأمل في نسيج “حادثة الإفك” يجد نفسه أمام إشكاليةٍ كبرى تتجاوز مجرد سرديةٍ تاريخية؛ فهي ليست قصة عن عقدٍ فُقد أو رحلةٍ تعطلت، فالحادثة كما روتها الكتب الموروثة هي جناية على العقل والوحي، إذ تُعد نموذجًا صارخًا لهجر كتاب الله والاحتكام لغيره في تقييم سيرة النبي وأهل بيته، والفطرة السليمة تأبى أن يتصور العقلُ النبيَّ ﷺ – وهو القدوة والرحمة المهداة – في موقف “المتخاذل” أو “الشاك” في أقرب الناس إليه، فحادثة الإفك لم تكن مجرد طعن في السيدة عائشة، بقدر ما كانت طعناً في عدالة النبي وانضباطه وتطبيقه للوحي، وبقدر ما كانت طعنًا في قدرة المؤمنين وبصيرتهم على تمييز الحق من الباطل، وعلامة على هجرهم كتابهم واﻻكتفاء به ككتاب لنيل البركات وحصد الحسنات وإبعاده عن الحياة  كمنهج ودستور نهتدي به إلى سبل السلام مصداقًا لقوله:

﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ ‌اللَّهِ ‌نُورٌ ‌وَكِتَابٌ مُبِينٌ. يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: 15-16]

​فعند تأمل الرواية التي تسرد تفاصيل خروج السيدة عائشة مع النبي ﷺ في إحدى الغزوات، نجد أنفسنا أمام تسلسل للأحداث يثير الكثير من علامات الاستفهام المنطقية، بل ويكاد يقترب في تفاصيله من الخيال؛ فالسردية القائمة على فكرة “فقدان العقد” تفتح الباب لتساؤلات جوهرية تطرح نفسها وتمس صلب الواقعية التاريخية:

  • ​ معضلة الهودج وخفة الوزن: تزعم الرواية أن الجيش لم ينتبه لخلو الهودج من السيدة عائشة عند رفعه فوق الجمل نظراً لنحافة جسدها. وهنا نتساءل: هل بلغت خفة وزنها حداً جعلها تتساوى مع العدم؟ إن الجمل حيوان يتحسس توازن الثقل؛ فكيف لم يشعر السائق بميلان الهودج أو خفته المفاجئة بعد خروج السيدة عائشة؟ وهل كان غيابها سيمر مرور الكرام لو كانت “ثقيلة الوزن”؟ إن هذا التبرير يبدو واهياً أمام بديهيات الرعاية والاهتمام.
  • سرعة الارتحال وضجيج الجيش: هل كان الجيش يتحرك في صمت مطبق أو عبر مركبات عازلة للصوت، أم كان موكباً ضخماً من الخيول والجمال والرجال؟ فكيف لم تسمع السيدة عائشة جلبة الرحيل وأصوات المنادين بالتحرك؟ فالمسافات في الصحراء واسعة والرؤية ممتدة، وصوت الجيش وجلبته تُسمع في الخلاء.
  • فكم استغرقت من الوقت في البحث عن عقدها حتى يختفي جيش كامل عن بكرة أبيه، وكأنهم استقلوا طائرات حلقت بعيداً في لمح البصر، كيف يختفي جيش كامل بضجيجه وخيله وجماله في دقائق معدودة، لدرجة أنَّ شابة قوية لم تستطع اللحاق ولو بآخر صفوفه؟ فالرواية تصوّر الجيش وكأنه “تبخر” بمجرد قيامها للبحث عن العقد!!.
  • ​ظروف البحث والنوم في العراء: إذا كان البحث قد تم ليلاً، فبأي ضوء عثرت على العقد في عتمة الصحراء؟ وإن كان نهاراً، فكيف لم يرها أحد وهي تعود؟ أما فكرة جلوسها في مكانها حتى غلبها النوم في صحراء مكشوفة، فتلك قصة أخرى؛ فهل كانت الصحراء بيئة آمنة لدرجة تسمح لامرأة وحيدة بالنوم بسلام بانتظار من يجدها؟!
  • أين الدور القيادي والأسري للنبي؟ من البديهي في العرف العسكري أن “خيمة القيادة” وما يتبعها من خصوصية (أهل بيت القائد) لها حرس خاص وتفقد مستمر. وهنا يبرز التساؤل الأهم حول دور النبي ﷺ في هذه القصة:
  • فهل يقتصر دوره على مجرد اصطحاب زوجه في الغزوة دون تفقد أحوالها؟ وكيف تُترك امرأة وحدها في قلب الصحراء لتقضي حاجتها دون مرافقة زوجها أو حماية توفر لها الأمان في تلك الفلاة الموحشة؟ هل يُعقل أن تذهب بعيداً عن أعين الجيش دون أن يشعر أحد بغيابها؟ وكيف لم يتفقدها زوجها، وهو الأحرى بالاطمئنان عليها قبل بدء الارتحال؟
  • وإن قيل أن النبي  كان القائد في الغزوات وكان مشغولاً بتنظيم تحرك آلاف الجنود.
  • إذًا فقد تناقض قرار الاصطحاب مع العجز عن التأمين؛ فإذا كان حجم المسؤوليات العسكرية يمنع القائد من الاطمئنان على أهله، أو يجعل “فقدانهم” أمراً وارداً لا يُكتشف إلا بعد فوات الأوان، فلماذا تم اصطحابها من اﻷساس؟ إن اصطحاب الزوجات في الغزوات لم يكن “نزهة”، بل كان قراراً يتطلب ترتيبات أمنية مضاعفة. فهل يُعقل أن النبي ﷺ – وهو القدوة في تحمل المسؤولية – يقرر اصطحاب زوجه ثم يتركها “ثغرة” أمنية واجتماعية بلا رقيب أو حماية خاصة؟

إن القول بأن الزحام والمسؤولية أنسيا النبي وجود زوجه، يصور الأمر وكأن السيدة عائشة كانت مجرد غرض غير أساسي، لا زوجة القائد التي يمثل أمنها ووجودها جزءاً من هيبة القيادة واستقرارها!

  • طول المسافة: الجيش سار يوماً وليلة أو أكثر قبل اكتشاف الغياب. هل يُعقل أن النبي لم يطلب الحديث مع زوجه، أو يرسل لها طعاماً، أو يطمئن على حالها طوال ساعات المسير؟
  • ​الصمت المطبق: الرواية تفترض أن الجميع، بما في ذلك النبي، تعاملوا مع “الهودج” كصندوق مغلق لا يُفتح ولا يُخاطب من فيه حتى الوصول للمدينة، وهو سيناريو يفتقر للرعاية والواقعية الاجتماعية.
  • ​مفارقة الحجاب والتعرف عليها: يبرز تساؤل أخير حول الصحابي الذي وجدها؛ كيف استطاع تمييز هويتها ومعرفتها وهي المفترض أنها محجبة لا يُرى منها شيء؟

إن ظهور الصحابي في اللحظة المناسبة، وفي المكان المناسب، ليدخل المدينة معها في وضح النهار، يبدو كأنه “حبكة درامية” لخدمة غرض القصة لاحقاً (إثارة الفتنة) أكثر من كونه حدثاً عفوياً.

حين يصطدم المرويُّ بيقظة الأنبياء ومُحكم القرآن !

  • من أعظم الأدلة القرآنية على يقظة الأنبياء وحرصهم على رعيتهم، قصة نبي الله سليمان؛ فبينما كان يقود جيشاً أسطورياً يضم الجن والإنس والطير، لم يغب عن عينه طائر صغير: ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ﴾ [النمل: 20] ، وهنا يبرز التساؤل الجوهري: إذا كان “الهدهد” لم يغب عن ملاحظة سليمان ﷺ في زحام جيشه، فكيف يُعقل أن يغيب عن نبينا ﷺ غياب زوجه وأقرب الناس إليه طوال مسيرة يومٍ وليلة؟ كيف استمر غيابها عن النبي طوال تلك المدة دون أن يساوره القلق أو يلاحظ خلو مكانه منها؟

إنَّ الادعاء بأن أعباء القيادة أنست النبي ﷺ أهله هو طعنٌ مبطن في قيادته الإدارية ورجولته الأسرية وتضعه في موقف “الزوج الغائب ذهنياً”، وهو ما يتناقض مع صورته كقائد شديد الملاحظة ورحيم بأهله.

  • فهل كان “الهدهد” في جيش سليمان ﷺ أوْلى بالتفقد من “أم المؤمنين” في جيش محمد ﷺ؟  “نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ”!!

ليتبين لنا أن محاكمة هذه الرواية إلى “المنطق” و”القرآن” تكشف عن ثغرات تجعل من التسليم بها أمراً يصطدم بصحيح الاعتقاد، حين تجعل من “الصدف المستحيلة” مجتمعةً أساساً للقصة (صدفة ضياع العقد + صدفة عدم شعور الحمالين + صدفة عدم تفقد النبي + صدفة نومها في المكان + صدفة عثور الصحابي عليها) هذا التراكم من المصادفات حين تُوضع تحت مجهر العقل، تبدو كأنها أقرب إلى السرد القصصي منها إلى الواقعية التاريخية، مما يستوجب إعادة قراءة هذه المرويات بعين فاحصة تتجاوز التسليم المطلق بالرواية بوضعها في ميزان القرآن الكريم أولًا ثم المنطق السليم.

حادثة “الإفك” في ميزان القرآن الكريم، وتناقضها مع صريح الآيات من عدة أوجه:

  • ​الطعن في الخلق النبوي: يصف الله نبيه بقوله: ﴿‌وَإِنَّكَ ‌لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4]  فهل من الخُلُق العظيم أن يترك زوجه تموت كبداً لمدة شهر كامل تحت وطأة الصمت، وهو الذي كان يحرم على نفسه المباحات ابتغاء مرضاة أزواجه؟ [التحريم: 1]
  • مخالفة منهج التبيّن: لقد أمر الله المؤمنين في سورة الحجرات بالتبيُّن: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ ‌بِنَبَإٍ ‌فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: 6] ، فكيف يُنسب للنبي أنه عطل هذا المبدأ وترك الأمر للظنون والوساوس، وهو الذي أُمِر أن يحكم بما أنزل الله ولا يتبع أهواء الذين لا يعلمون؟ فهل يُعقل أن النبي ﷺ – وهو المبلغ المطبق لما شُرّع له – ترك التبيّن، واكتفى بالصمت الموحش الذي يقتل زوجه في كل لحظة؟
  • تقرير القرآن طهارة هذا البيت: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: 33] فكيف يُلحق “الرجس المعنوي” ببيته عبر اتهامه بالشك في طهر زوجه؟

دستور “سورة النور”

وإذا جئنا إلى السورة التي يستشهد بها القائلون على وقوع حادثة اﻹفك بزوج النبي – حاشاهما – فسيتبين لنا أن الرواية مخالفة لكل آية في تلك السورة التي أنزلها الله تعالى وفرض وفصل فيها كل حركة وسكنة لتكون قانوناً لحماية الأعراض وحفظ البيوتات من مرضى القلوب وضعاف النفوس حين قال:

﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النور: 1]

ومن تلك اﻵيات البينات:

  • “الظن الحسن” وضعت سورة النور دستوراً حاسماً لمواجهة الشائعات بقوله تعالى: ﴿لَوْلَا ‌إِذْ ‌سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾ [النور: 12]  فإن كانت الحادثة خاصة بزوج النبي فلماذا لم يقل “ظنوا بها خيرًا” أو “ظنت بنفسها خيرًا”؟
  • بل السؤال اﻷهم، هل يدخل النبي في زمرة هؤلاء المؤمنين الذين يظنون خيرًا؟ فإن دخل معهم فلماذا أخرجناه نحن لنجعله – حاشاه – يظن السوء في أهله دون بيّنة؟
  • ​تجاهل حد القذف والشهادة: طالب القرآن بالأربعة شهداء، واعتبر مَن لم يأتِ بهم “كاذباً عند الله” حين قال: ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النور: 13] ، فكيف تذكر الرواية أن النبي ظل شهراً “مكتوف الأيدي” وأنه استدعى عليًّا ليحقق مع بريرة – جارية عائشة – وأن عليًا ضربها لتعترف على سيدتها وأنه أشار عليه بطلاقها، بدلاً من أن يطالب القاذفين بالشهود أو يصفهم بالكذب منذ اللحظة الأولى كما أمره ربه؟
  • التكلم بما ليس به علم: حذر تعالى من تلقي الإفك بالألسن: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ ﴾ [النور: 15]  فكيف ننسب للنبي أنه شارك في هذا “التعظيم” للباطل من خلال صمته أو استشارته لمن يشير عليه بطلاقها؟
  • الوقوع في البهتان: حذّر القرآن من مجرد التلفظ بما أسماه بالبهتان العظيم: ﴿وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: 16] ، فهل يُعقل أن النبي تكلم في بهتان يمس عرضه ولم يقل ما أمره الله تعالى أن يقوله: ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾؟

ثمة دليلٌ قطعي آخر يبدد الربط بين آيات “الإفك” وسيرة السيدة عائشة كما وردت في الرواية، وهو “منهج القرآن في التفصيل”.

  • فقد رصد القرآن الكريم حادثةً زوجية بسيطة (بالمقياس الاجتماعي) حين أسرَّ النبي ﷺ حديثاً إلى بعض أزواجه فأفشينه، وهي واقعة تتعلق بأمر يعتاد حدوثه، ومع ذلك خصص الله تعالى لها سورة كاملة هي سورة “التحريم”، وفصلت الآيات موقف الزوجتين بدقة متناهية: ﴿إِنْ ‌تَتُوبَا ‌إِلَى ‌اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: 4] ، فإذا كان الوحي قد تدخل بالتفصيل الصريح في واقعة “إفشاء سر” فكيف يُعقل أن تمرَّ “كارثة أخلاقية” تزلزلت لها المدينة شهراً كاملاً، وطالت عرض النبي ﷺ واتُّهمت فيها السيدة عائشة – حاشاها – بالزنا (كما تزعم الرواية)، دون أن يرد في القرآن إشارة واحدة تصريحاً أو تلميحاً تربط الآيات ببيت النبي؟

ليتبين أن آيات “الإفك” في سورة النور جاءت كتشريع عام وقواعد أخلاقية لحماية المجتمع ككل، ولم تأتِ كـ “تقرير حالة” لزوج النبي، وأنَّ إقحام السيدة عائشة في هذه الآيات هو إسقاطٌ روائي لا قرآني؛ فلو كانت الحادثة قد وقعت فعلاً في بيت النبوة، لكان منهج القرآن في “سورة التحريم” أولى بأن يذكر تفاصيل “تطهير” هذا البيت بالاسم والصفة، مصداقًا لقوله: ﴿‌إِنَّمَا ‌يُرِيدُ ‌اللَّهُ ‌لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: 33]  ، لا أن يتركها نهباً للروايات التي نُسجت بعد عقود .

ومن هنا فإنَّ الحقيقة التي يجب أن تعلو فوق كل مروية هي: أنَّ النبي ﷺ، الذي زكّى الله خُلُقه وطهّر أهل بيته، لا يمكن أن يكون لقمةً سائغةً لظنون المنافقين، ولا يمكن أن يترك زوجه تموت كبداً في عتمة الصمت والشك. إنَّ كرامة النبوة تقتضي يقيناً بأنَّ مَن نزل عليه: ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ قد نطق بها بقلبه ولسانه منذ اللحظة الأولى، دون انتظارٍ لشهورٍ من التيه أو استشارةٍ من البشر، وهذا على افتراض أن حادثة الإفك متعلقة بأم المؤمنين.

فكيف نجرؤ بـ “جرة قلم” أن نُلحق الرجس بهذا البيت الطاهر عبر رواية تزعم أن الشك خيّم عليه شهراً كاملاً؟. إن تصديق “موقف الخذلان” المنسوب للنبي ﷺ هو تقديم لأهواء الرواة على قطعية التطهير الإلهي، وتقديم النبي بصورة من استشار الناس في طهر أهله وضُربت أمامه الجارية لتشهد، هو إسقاطٌ الرجس على أهل البيت وإسقاط لعدالته وفهمه، فمن نزل عليه التطهير لبيته ﴿وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ لا يمكن أن تساوره الوساوس في طهر أم المؤمنين.

وتصديقنا لحادثة اﻹفك ما هو إلا إعانة للإفك والظلم والزور  في حق بيت النبوة الذي أمرنا تعالى بالتزام الأدب والوقوف على حدود ما أنزله تعالى في كتابه والحديث عنهم بكل إجلال وتقدير حين لقبهن بأمهات المؤمنين: ﴿‌وَأَزْوَاجُهُ ‌أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: 6] ، لئلا نكون مع الملعونين الذين توعدهم ربهم في سياق الحديث عن طُهر بيت النبوة: ﴿إِنَّ ‌الَّذِينَ ‌يُؤْذُونَ ‌اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا ﴾ [الأحزاب: 57]

وإن قيل فمن المقصود بحادثة الإفك؟ ومن الذي تولى كبره؟ 

يرد على ذلك أنه من المؤكد أنها نزلت عقب وقائع ارتكبت فيها الفاحشة وأخرى رميت فيها مؤمنات غافلات أو زوجات بدليل قوله تعالى: ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [النّور: 17]

والذي تولى كبره، أي الشخص الذي بذر البذرة الأولى للشائعة، وغذّاها، وجمع الناس عليها. وفي الآية تحذير لكل من يقود حملة تشويه ضد الأبرياء.

وليس شرطًا أن تتعلق كل حادثة ببيت النبوة حتى يترتب عليها تشريعًا أو تكون نموذجًا للتطبيق أو لتكون الحادثة واقعية ويكون لها التأثير على النفوس، فكيفي نزولها في أي حادثة لتكون تشريعًا ومبدأ عامًا ودستورًا لما هو آت..

إن قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ﴾ يمثل دستوراً منهجياً ومنظومة عدالة عابرة للزمان، تتجاوز حدود الحادثة التاريخية لأي امرأة كانت؛ فالمغزى الإلهي هو كشف آلية الإفك كفعل جمعي تقوده عصبة تهدف لاغتيال معنويات المؤمنين والمؤمنات.

فلا يمثل الإفك مجرد كذبة عابرة، بل هو منظومة اجتماعية آثمة تقوم على اختلاق البهتان وتلفيق التهم بحق المؤمنين والمؤمنات. فمن الناحية التحليلية، الإفك لا ينطلق عادةً من فرد واحد، بل يتبناه عصبة أو مجموعة يجمعها غرض مشترك يتحول فيها التركيز من الجريمة إلى الضحية.

فأراد الله تعالى أن يرسخ اليقين بأن الطهر وحسن الظن هو الأصل خاصة عندما يتعلق برمي: ﴿الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾، فليس من قبيل المصادفة أن تبدأ الآية بوصف المحصنات أنهن (غافلات)؛ وذلك لإرساء رواسي البراءة والطهر حتى يثبت العكس بالدليل والبرهان؛ كي لا تميد بنا عقولنا وأنفسنا بأن نجعل غفلة بعض المؤمنات في سلوكهن أو تبرجهن أو إبداء زينتهن سببًا أو عذرًا لأحد في رميهن بالإثم والبهتان، وخاصة في مجتمعات تعيش جاهلية الحكم وذكوريته.

وبإسقاط هذا المنهج على واقعنا المعاصر، سنجده متمثلاً بوضوح في قضايا التحرش والاعتداء؛ حيث لا يكتفي الجاني بفعله، بل يشكل مع بيئته الداعمة منظومة إفك متكاملة، تبدأ من الجاني (المتحرش / المعتدي) الذي يختلق الأكاذيب ليبرر جرمه، وتتكامل في المجتمع الساكت أو المؤيد الذي يمارس الإفك عبر لوم الضحية ورميها بتهم التبرج أو الانحلال لرفع الملامة عن الجاني. هذا التحالف المغرض هو “الإفك” بعينه، لأنه يهدف لتزييف الحقائق وقلب موازين العدالة.

فعندما تقع حادثة اعتداء أو تحرش، نلاحظ أن العُصبة (سواء أكانت من جمهور منصات التواصل أو المجتمع المحيط) تبادر فوراً بتوجيه أصابع الاتهام للفتاة: بالتساؤل عن ملابسها، وخروجها، أو سلوكها؛ في محاولة بائسة لشرعنة الجريمة ببهتانٍ عظيم. فهذا السلوك يهدف إلى تعهيد الجريمة للضحية وتبرئة الجاني.

فجاء المنهج القرآني ليظل صرخة في وجه كل عصبة تترك بينات الله لتتبع أهواء المرجفين، مؤكداً أن حماية عرض المؤمنة هي أصلٌ لا يتبدل، وأن لوم الضحية هو الوجه العصري لإفك الجاهلية الذي جاء الإسلام ليقتلعه، وأن أي مجتمع ينساق وراء الدعاية الجماعية لتشويه سمعة المؤمنين والمؤمنات هو مجتمع يمارس إفكاً منظماً، مُحوّلاً الضحية إلى متهم في مشهد يقلب موازين العدالة الإنسانية.

وختاماً:

إنَّ مسميات العائلة والرباط المقدس في بيت النبوة وبيوت المؤمنين لم تكن يوماً “كذبة” بل هي الحقيقة الأسمى التي حاولت الروايات تشويهها – كما تراءى للسائلة الكريمة تحت وطأة الصدمة من كذبة تلك المرويات التي حاولت جاهدة أن تضع نقول البشر فوق “الوحي” وأن تصور لنا نبياً يخالف جوهر ما جاء به.

لقد آن الأوان أن ننفض عن سيرة المصطفى غبار الروايات التي تسيء إليه، لنبصر القدوة في أبهى صورها: نبيّاً ينتصر للحق، يحمي العرض، ويُحكّم آيات الله في أهله، ليبقى بيت النبوة كما أراد الله له: طاهراً، مطهراً، وعصياً على كل آفاكٍ أثيم.

​فإنَّ الدفاع عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها هو في حقيقته دفاعٌ عن “العدالة واليقظة النبوية” وهو القدوة الذي لا يغيب عن عين نبي مثله “هدهد”، فكيف تغيب عنه “أم المؤمنين”؟ فالعين التي تلاحظ غياب طائر في أقصى الجيش، هي ذاتها العين النبوية التي لا يمكن أن تغفل عن ركيزة بيتها.

وإذا كانت هذه الحادثة قد سُميت تاريخياً بـ “حادثة الإفك”، فإنَّ الإفك الحقيقي اليوم هو الإصرار على تعليق هذه الرواية المتهافتة على جدار القرآن الكريم وتصديقها رغم تناقضها مع صريح آياته وكريم أخلاق نبيه.

​إنَّ من يقدِّمُ روايةً موروثة – تحمل في طياتها الغفلة والشك والخذلان لبيت النبوة – على مُحكمات القرآن التي قضت بالطهر واليقظة والسكينة، إنما يضع نفسه في موضع خطير؛ إذ كيف يصدقُ العقلُ أنَّ نبيّاً ينسى أهله، أو يشكُّ في طهر بيته، والقرآن يتلى في بيته آناء الليل وأطراف النهار؟

​لذا، فإنَّ الختام لا يكون إلا بالتحذير من سلوك مَن يرى الحقَّ جليًا في آيات الله، ثم يختارُ الروايةَ ظهيراً فقد حَكم على نفسه بـ “الإفك” واستحق وعيد ربه الوارد بقوله تعالى:

﴿وَيْلٌ ‌لِكُلِّ ‌أَفَّاكٍ ‌أَثِيمٍ. يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ. وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئًا اتَّخَذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ. مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ وَلَا يُغْنِي عَنْهُمْ مَا كَسَبُوا شَيْئًا وَلَا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ [الجاثية: 7-10]

الباحثة: شيماء أبو زيد

التعليقات

  • شكرا للسائلة الكريمة.. وقد قمنا بإضافة فقرة تبين المقصود بالإفك تحت عنوان:
    وإن قيل فمن المقصود بحادثة الإفك؟ ومن الذي تولى كبره؟

    • جميل جدا ولكن ما هو الدليل من القرآن ان آيات الافك نزلت في السيده عائشة فهناك روايات اخرى تقول انها نزلت في السيده ماريا القبطيه!! سواء عائشه او ماريا رضي الله عنهما فنحن أخذنا المعلومه من المرويات وليس من القرآن فربنا كانت الحادثه هذه كانت في اي واحده أخرى من أمهات المؤمنين صح ؟!

  • المشكلة هي أن الآية تقول: إن الذين جاؤوا بالإفك عصبة منكم. فما هي العصبة؟ ومن الذي تولى كبره؟ لمن قال قال الله: لولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم؟ فالآية تبدو تقرير واقعة وبيان أحكام فيما لو تقع مثل هذه الوقائع

  • إلافك هو أشد الكذب و البهتان المبين و الافتراء و الله عز و جل ظهر طهرها و براءتها من فوق السبع سموات و نزل ليهم اسمهم حديث الإفك نزل فيها الايه الكريمه انها أطهر من ماء زمزم و انقي من حمام الحرم بارك الله فيك وجزاك كل خير و ربنا يثبتك و ينور بصيرتك

  • المقصود به قول الكذب والبهتان في حق المؤمنين والمؤمنات.. والذي غالبا لا يطلقه شخص واحد وإنما في الغالب ما يتنباه عدة أشخاص يربطهم غرض واحد غايته تشويه سمعة المؤمنين والمؤمنات
    ولو أخذنا عليه مثالا من الواقع الذي نعيشه فسوف نجد الإفك متمثلا في المتحرش ومن يعينه عليه بالسكوت عنه أو بتأييده أو الدفاع عنه برمي المجني عليها بتهم الانحلال والتبرج… وما إلى ذلك البتهان.

    • المقصود به قول الكذب والبهتان في حق المؤمنين والمؤمنات.. والذي غالبا لا يطلقه شخص واحد وإنما في الغالب ما يتنباه عدة أشخاص يربطهم غرض واحد غايته تشويه سمعة المؤمنين والمؤمنات
      ولو أخذنا عليه مثالا من الواقع الذي نعيشه فسوف نجد الإفك متمثلا في المتحرش ومن يعينه عليه بالسكوت عنه أو بتأييده أو الدفاع عنه برمي المجني عليها بتهم الانحلال والتبرج.

    • شكرا للسائلة الكريمة.. وقد قمنا بإضافة فقرة تبين المقصود بالإفك تحت عنوان:
      وإن قيل فمن المقصود بحادثة الإفك؟ ومن الذي تولى كبره؟

تصنيفات

Your Header Sidebar area is currently empty. Hurry up and add some widgets.