السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته:
ابني مبتعث من الدولة لدراسة الدكتوراه كونه الخريج الأول من عام 2011 في سوريا. وعند اندلاع الثورة بقي في بريطانيا لعدة أسباب منها، خدمة الجيش وغيرها واستقر هناك وحصل على الدكتوراه والحمد لله ويعمل. وبعد التخرج أصبح بإمكانه زيارة سوريا لكنه يحتاج دفع ما دفعته الدولة له.
سؤالي: هو يجمع من عمله أموالًا ليدفع المبلغ الذي عليه، فهل على هذه الأموال زكاة مع أنها كلها مستغرقة في دينه للحكومة.
وهل على من يجمع المال لشراء منزل زكاة أموال؟
وجزاكم الله عنا كل خيرًا
الجواب:
وعليكم سلام الله ورحمته وبركاته، نسأل الله تعالى أن يوفق ولدك لسداد دينه ويوسع له في رزقه.
أولاً: حكم الزكاة على من يجمع المال لسداد دينه
الأصل أن الشخص الذي يجمع مالاً بنية قضاء دينٍ مستحق عليه لا تجب عليه الزكاة في هذا المال حتى يقضي دينه؛ وذلك للأسباب التالية:
1_ ملكية المال: المال الذي بيده في حقيقته هو حق للدائن، والمدين بمثابة المؤدي لهذا الحق، لقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: 103] والمدين لا يُعد صاحب المال.
2_ أولوية الدّين: كما جاء في قوله تعالى في آيات الميراث: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: 11] فإن كان سداد الدين مقدم على تقسيم التركة في المال الذي يرثه الشخص وهو حق له، فكذلك يكون السداد مقدم على الزكاة.
3_ استحقاق الغارمين: إن المدين (الغارم) هو أحد الأصناف الثمانية المستحقة للزكاة في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ… وَالْغَارِمِينَ﴾ [التوبة: 60] فإن كان الغارم يعجز عن سداد دينه فهو مستحق للصدقات، أما إن كان يستطيع سداد ديونه بنفسه من كسبه وعمله ولو على أقساط فلا يُعد مستحقًا للصدقة، لكنه في الوقت نفسه لا يطالب بإخراج الزكاة حتى يسدد ما عليه أولًا، وخاصة أن السائلة الكريمة أشارت إلى أن ما يكسبه ابنها من أموال مستغرقة كلها في الدين.
أما إن فاض المال عن حاجته بأن كان يسدد دينه على أقساط ويتبقى من راتبه ما يكفيه أو يزيد قليلًا عن حاجته فمن البر والإيثار أن يتصدق منه ولو بالقليل، فلربما هذا القليل الذي يخرجه يكون سببًا في فتح قريب وسعة للرزق من حيث لا يحتسب، وقد مدح الله تعالى أهل المدينة الذين كانوا: ﴿يُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ، وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: 9]
ثانياً: حكم الزكاة على من يدخر لشراء بيت.
أما من يجمع المال لشراء احتياجات مستقبلية (مثل بيت، سيارة، أو أرض)، فتجب عليه الزكاة وذلك للأسباب التالية:
1_ لتحقق الملكية: فالمدخر للشراء يملك مالاً زائداً عن حاجته الضرورية الحالية: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ [البقرة 219]
والزكاة حق للفقير لا ينبغي التهاون فيها في كثير المال وقليله، حيث قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ. لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [المعارج: 24-25]
ولو أُعفي كل من يدخر لغرض مستقبلي من الزكاة، لتعطلت فريضة الزكاة عند أغلب الناس، فمعظم الادخار يكون لهدف كشراء بيت أو أرض أو ذهب.
2_ البركة والنماء: الصدقة لا تُنقص المال بل تزيده وتبارك فيه، كما قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ [البقرة: 245].
خلاصة القول:
المال المحبوس لسداد دين عاجل لا زكاة فيه، أما المال المدخر لشراء ممتلكات فتجب فيه الزكاة امتثالًا لأمره تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة 43]
ولا ينبغي أن يخشى المؤمن أن تنقص الصدقاتُ من ماله، أو أنها ستعطله عن قضاء حاجاته، بل على العكس تمامًا فإن الصدقات تزيد المال وتضاعفه مصداقًا لقوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً، وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة 245]


جزاكم الله عناكل خير