السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أود أن أعرف حُكم قراءة الكتب الإلكترونية غير الورقية وتحميلها من مواقع أو قنوات التلجرام، وقراءة القصص اليابانية والكورية المصورة إذا كانت مقرصنة فهل آثم على قراءتها؟
وهناك مواقع شهيرة للكتب، يُكتب عند تحميل الكتاب أنه تم جلبه على أنه برخصة من المؤلف/دار النشر فهل أعتمد على قولهم وأقوم بتحميل الكتاب وقراءته؟
وما حكم مشاهدة الأنمي والأفلام والمسلسلات (إن خلت من المحاذير الشرعية) إن كانت مقرصنة؟ مع العلم أني فقط سأشاهدها ولن أربح من خلالها أي شكل.
وما الحكم إن قمت بتحميل مواد علمية (كتب الآيلتس مثلاً) بدون إذن أصحابها نظراً لارتفاع سعرها؟
شكراً مقدمًا على الإجابة وأعتذر عن كثرة الأسئلة.
الجواب:
وعليكم سلام الله ورحمته وبركاته، ولا داعي للاعتذار فنحن نسعد بطرح التساؤلات بهدف بيان الحق فيها، كما أنها تفتح مجالات الفكر والتدبر. جعلنا الله وإياكم من:
﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ، أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ، وَأُولَٰئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ الزمر (18).
وقد أجبنا من قبل على بعض نقاط السؤال في الفتوى التالية: حق التأليف والحقوق المعنوية، فيرجى الاطلاع عليها.
وذكرنا أنه لا حرج على الباحث والقارئ في تحميل الكتب أو الأبحاث والاطلاع عليها دون أن ينسبها لنفسه بسرقة مجهودات غيره، لقوله تعالى:
﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا…﴾ آل عمران (188).
ومسألة قرصنة بعض المواقع فقد كادت ألا يكون لها وجود في ظل التطور التقني والتكنولوجي الذي اخترق أغلب المجالات حتى الشخصية حيث باتت معلومة للمنصات الإلكترونية فأصبحت شتى المعارف والعلوم في متناول الجميع، فمثلا: الذكاء الاصطناعي الآن يقوم بتحميل وتقديم كافة المعلومات من عدة مواقع دون أدنى جهد من الباحث.
ونستطيع أن نفرق بين الاطلاع على الأبحاث والكتب التي تم قرصنتها وأصحبت بالفعل متاحة على شبكة الإنترنت بقراءتها والاستفادة منها دون أن ننسبها إلى أنفسنا، وبين أن نقوم نحن بالقرصنة لاختراق الحياة الشخصية أو التعدي على حقوق الآخرين بدءًا من التصنت وانتهاك الحرية الشخصية لنهيه تعالى: ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾ الحجرات (12) أو قرصنة البيانات التي تؤدي إلى العديد من المشكلات سواء على الصعيد الشخصي باختراق للصور وتسريب البيانات أو كلمات المرور السرية للمعاملات المالية الناتج عنها عمليات السرقة للأموال، أو سرقة الشبكات للاستفادة منها بغير وجه حق.
ومن هنا فإنه مادامت الكتب أو الأبحاث متوفرة بالفعل على الإنترنت فلا حرج في الاستفادة منها، إذ أن وجوده في حد ذاته قد جعله متاحًا للجميع سواء أكان برضى صاحبه أو برخصة من دار النشر أم أنه قد تم قرصنته دون إذن، ولا فائدة من قولنا بحرمة الاطلاع عليه؛ إذ أنه لم يعد في مكان مؤصد ولا ضرر بكثرة المطلعين عليه بعد نشره للمرة الأولى، كما أنه لا سبيل للتقُّين من إذا كانت مرخصة بالفعل أم تمت سرقتها، والإثم هنا يقع على المقرصن والسارق الذي اخترقه دون إذن صاحبه وليس على المطلعين عليه بعد نشره.
والأمر نفسه ينطبق على الأنمي والأفلام والمسلسلات التي تخلو من المحاذير الشرعية، فإن كانت معروضة على منصات التواصل فسواء أكانت مقرصنة أم مرخصة فقد عُرضت بالفعل ولا سبيل إلى عودة الحقوق فيها لأصحابها إن كانت مقرصنة، لأن مجرد نشرها جعلها متداولة بالفعل، وكذلك ينطبق على المواد العلمية وكتب (الايلتس) المتوفرة على المواقع المجانية التي لا تحتاج إلى الحصول على إذن لتحمليها.
مع ملاحظة هامة، أننا نتحدث هنا عن الكتب والروايات أو الأبحاث والفيديوهات أو المعلومات العامة ولا نتحدث عن معلومات شخصية أو فيديوهات مسربة لحياة الناس التي تنتهك حرماتهم وتشهر بهم، فهي محرم الاطلاع عليها حتى لو نشرها أصحابها بقناعتهم الشخصية؛ إذ أن الإثم فيها لا يقف عند قرصنتها فحسب وإنما لإشاعتها الفاحشة وانتهاك الحرمات، لذا يستوي فيها السارق – المقرصن – والمشاهد على حد سواء مصداقًا لقوله تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِۚ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ النّور (19).
وبالتالي فلا يحل للمؤمن أن يعمل أو يشترك في اختراق المواقع المشفرة التي تحتاج للدخول إليها دفع الاشتراك، وذلك عن طريق التحاليل والخداع لفك شفراته، إذ أنه يقع تحت عدم التراضي الذي حذرنا منه سبحانه وتعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ، وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ، إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ النساء (29)
خاصة أنه كما يوجد مواقع مشفرة ومدفوعة لا تتيح الكتب والدروس باهظة الثمن، فإن هناك _في المقابل_ من توفره مجانًا أو بمقابل زهيد وهو ثمن الاشتراك في باقة الانترنت، وحتى لو لم تكن متوفرة فلا ينبغي للمؤمن أن يحصل عليها بدون وجه حق ولينتظر حتى يغنيه الله تعالى من فضله امتثالًا لأمره تعالى:
﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ، وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ التغابن (16)
الباحثة: شيماء أبو زيد


أضف تعليقا