السؤال:
يقول الله تعالى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران: 67]، أشعر من الآية الكريمة أن لفظ اليهودية والنصرانية هو غير مستحب، فهل البشر هم الذين أطلقوا اسم اليهودية والنصرانية على هاتين الديانتين من حيث أن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: 19] ؟ وهل أصبح اسم الديانتين هكذا بعد تحريفهما . وما المقصود من الآية؟.
وجزاكم الله عنا كل خير
الجواب:
إن المتدبر لقول الله تعالى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَٰكِن كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران: 67]، قد يتساءل عن حقيقة هاتين التسميتين: (اليهودية والنصرانية)، وهل هما الاسمان اللذان ارتضاهما الله لدينه، أم أنهما تسميتان عرفهما الناس بعد ذلك؟
والذي يدل عليه القرآن الكريم أن الله سبحانه لم يجعل اسم الدين الذي ارتضاه لعباده “اليهودية” ولا “النصرانية”، وإنما سمّى الدين الحق الإسلام، فقال عز وجل: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: 19]. كما وصف جميع أنبيائه وأتباعهم بالإسلام، فقال عن إبراهيم عليه السلام: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: 131]، وقال عن يعقوب وهو يوصي بنيه: ﴿فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [البقرة: 132]، وقال عن الحواريين أصحاب عيسى عليه السلام: ﴿فَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 52]. فدل ذلك على أن الإسلام هو الاسم الجامع للدين الذي بعث الله به جميع رسله، وإن اختلفت بعض تفاصيل أحكامهم.
وأما لفظا اليهود والنصارى فقد استعملهما القرآن باعتبارهما اسمين لطائفتين معروفتين، فقال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَىٰ عَلَىٰ شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَىٰ لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَىٰ شَيْءٍ﴾ [البقرة: 113]، وقال سبحانه: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى، تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ، قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: 111] . وليس في استعمال القرآن لهذين الاسمين ما يدل على مدحهما أو ذمهما من حيث اللفظ، وإنما هما تسميتان وصفيتان لجماعات معينة، بينما الاسم الذي اختاره الله تعالى لعباده المؤمنين هو الإسلام، كما قال تعالى: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَٰذَا﴾ [الحج: 78].
ومن هنا يظهر سر نفي الله تعالى عن إبراهيم عليه السلام أن يكون يهوديًا أو نصرانيًا، فإن هذا النفي يجمع بين الدليل التاريخي والدليل العقدي. أما من جهة التاريخ، فإن إبراهيم عليه السلام سبق نزول التوراة والإنجيل بقرون طويلة، ولذلك قال سبحانه مخاطبًا أهل الكتاب: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنجِيلُ إِلَّا مِن بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [آل عمران: 65]. فكيف يوصف إبراهيم بأنه يهودي أو نصراني، مع أن هاتين التسميتين لم تكونا قد عرفتا في زمانه؟
وأما من جهة العقيدة، فإن إبراهيم عليه السلام لم يكن منتميًا إلى طائفة مخصوصة، وإنما كان على أصل الدين الذي ارتضاه الله لجميع رسله، ولذلك قال تعالى: ﴿وَلَٰكِن كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾. فالحنيف هو المائل عن الشرك إلى الإيمان الخالص، والمسلم هو المستسلم لله وحده بالطاعة والانقياد. فاجتمع له كمال الإيمان ظاهرًا وباطنًا.
ولا يلزم من كون القرآن سمّى أتباع موسى يهودًا وأتباع عيسى نصارى أن تكون هذه الأسماء قد نشأت بعد وقوع التحريف، بل الظاهر أن هذه التسميات كانت معروفة قبل اكتمال التحريف، ثم بقيت بعده، بينما وقع التغيير في كثير من العقائد والأحكام التي انتسب إليها بعض أتباع هذين النبيين. ولهذا يذكر القرآن اليهود والنصارى، ثم يبين ما وقع عند بعضهم من تحريف وكتمان واختلاف، كما قال تعالى: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ﴾ [النساء: 46]، وقال سبحانه: ﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَٰذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 79].
وبذلك يتبين أن القرآن لا يقرر تعدد الأديان الإلهية بمعنى اختلاف أصولها، وإنما يقرر وحدة الدين الإلهي في أصله، وهو الإسلام بمعنى الاستسلام لله وحده، مع اختلاف الأحكام التي جاءت بها الرسل بحسب الأزمنة والأقوام. فالدين واحد، وهو الإسلام لله.
وعليه، فإن قوله سبحانه: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا﴾ ليس مجرد نفي لانتماء تاريخي، بل هو تقرير لقاعدة قرآنية عظيمة، وهي أن الانتماء الحق ليس إلى الأسماء الطائفية التي ظهرت بين الناس، وإنما إلى الدين الذي سماه الله الإسلام، القائم على توحيده والاستسلام له واتباع رسله، ولذلك ختم الله الآية بقوله: ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾، تأكيدًا على أن حقيقة الإسلام هي البراءة من الشرك بكل صوره، وأن هذا هو دين إبراهيم وجميع الأنبياء عليهم السلام.
الخلاصة
- دين جميع الأنبياء عند الله هو الإسلام بمعنى الاستسلام لله وحده.
- “اليهود” و”النصارى” اسمان استعملهما القرآن للدلالة على جماعتين معروفتين، وليس لأنهما الاسمان اللذان اختارهما الله للدين الحق.
- لم يكن إبراهيم يهوديًا ولا نصرانيًا؛ لأن هاتين التسميتين لم تكونا موجودتين في زمانه أصلًا، ولأن دينه كان الإسلام.
- التحريف لم يُنشئ الاسمين بالضرورة، لكنه غيّر كثيرًا من العقائد التي أصبحت تُنسب إلى هاتين الطائفتين.
- قول الله تعالى: ﴿ولكن كان حنيفًا مسلمًا﴾ يقرر أن الانتماء الحقيقي ليس إلى الأسماء الطائفية، وإنما إلى الاستسلام لله وحده، وهو الإسلام الذي دعا إليه جميع الرسل.


أضف تعليقا