حبل الله
كيف يتصدق الذي لا مال معه؟

كيف يتصدق الذي لا مال معه؟

السؤال:

السلام عليكم أحبتي في الله عندي سؤال، أريد أن أتصدق على الفقراء والمساكين ولكني ربة منزل وليس لدي مال خاص بي كي أُخرج منه، فهل من طريقة للصدقات وأنا لا أملك المال؟

الجواب:

وعليكم سلام الله ورحمته وبركاته، وندعو الله تعالى أن يبارك على السائلة الكريمة وأن يحبها كما أحبتنا فيه وأن يجعلنا جميعًا ممن “يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ”

نعم تستطيع السائلة التصدق ولو كانت ربة بيت وليس لها دخل خاص بها، وذلك بإخراج جزء يسير من نفقتها الخاصة التي تحصل عليها من زوجها أو أبيها إن كانت غير متزوجة، فتنفق منه قدر استطاعتها مصداقًا لقوله تعالى:

﴿لِيُنْفِقْ ذُو ‌سَعَةٍ ‌مِنْ ‌سَعَتِهِ، وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ، لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا، سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ [الطلاق: 7] 

وقد ذُكرت اﻵية في سياق النفقة على المطلقة، لكن معناها عام في الإنفاق من كثير الرزق وقليله.

فليس شرطًا أن يكون المؤمن غنيًا أو تاجرًا أو موظفًا حتى ينفق، وفي الإنفاق نوع من اﻹيثار على النفس، كما أن فيه تعليما للأوﻻد على اﻹنفاق والعطاء للفقراء والمساكين من مصروفهم القليل الذي يحصلون عليه من أبيهم راغبين به وجه الله تعالى الذي سوف يجزيهم على هذا القليل مصداقًا لقوله:

﴿وَلَا يُنْفِقُونَ ‌نَفَقَةً ‌صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [التوبة: 121] 

كما أن اﻹنفاق ﻻ يقتصر على المال وحده، فقال تعالى في ذكر أولى صفات المتقين بأنهم:

﴿‌الَّذِينَ ‌يُؤْمِنُونَ ‌بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: 3] 

والرزق ليس في المال وحده، وإنما في الصحة والعلم والوقت وكل نعمة أنعم الله تعالى بها على عباده، فيستطيع الفقير الصحيح أن يعين الضعيف ذا الحاجة المريض أو العاجز، ويستطيع المتعلم أن يُعلم غيره القراءة والكتابة أو حتى تدبر آية من كتاب الله تعالى، ومن لديه وقت فراغ أن يوجهه لفعل خير أو قضاء مصلحة لجار أو جمعية خيرية أو تنظيف مؤسسة عامة كالمسجد، أو زيارة دار لأيتام أو مسنِّين وإدخال السرور عليهم ولو بلسمة حانية أو كلمة طيبة، وتستطيع ربة المنزل أن تصنع بعض اﻷطعمة والوجبات القليلة حسب استطاعتها أو التصدق ببعض الملابس أو اﻷدوات والمفروشات المنزلية أو الهدايا الزائدة عن الحاجة… إلخ

فالنفقة تشمل كافة أفعال الخير بدليل قوله تعالى  في الرد على السائلين ﴿‌يَسْأَلُونَكَ ‌مَاذَا ‌يُنْفِقُونَ﴾؟  فجاء الجواب: ﴿قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾  ثم أعقبه بقوله: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 215]  ليبيَّن لنا سبحانه وتعالى أن النفقة ﻻ تقف عند المال فقط، وإنما تشمل كل فعل للخير مصداقًا لقوله في ختام اﻵية وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ”

هذه هي الزكاة بمفهومها الواسع الذي دلت عليه الآيات البينات في وصف الراسخين في العلم: ﴿وَالْمُؤْتُونَ ‌الزَّكَاةَ﴾ [النساء: 162]  ووصف المؤمنين: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ ‌لِلزَّكَاةِ ‌فَاعِلُونَ﴾ [المؤمنون: 4]  ليبيّن لنا أن الزكاة ليست فقط زكاة المال وإنما شاملة لكل أفعال الخير.

وللإنفاق المقبول عند الله تعالى شرطان أساسيان، وهما:

أن يكون خالصًا لوجه الله تعالى مصداقًا لقوله:

﴿وَمَا ‌تُنْفِقُوا ‌مِنْ ‌خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا ‌تُنْفِقُوا ‌مِنْ ‌خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: 272] 

وأن تكون اﻷشياء المُتصدق بها من طيبات الرزق فلا يُعطي الفقير طعاما تالفا وﻻ لباسا مهترئا امتثالًا ﻷمره تعالى:

﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [البقرة: 267] 

فإن أراد المؤمن أن ينال البر فلينفق مما يُحب كما علمنا ربنا سبحانه وتعالى:

﴿لَنْ تَنَالُوا ‌الْبِرَّ ‌حَتَّى ‌تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران: 92] 

و كأن هذه الصدقات سيأخذها الله جل جلاله بنفسه، وهذا ما دل عليه التعبير القرآني البديع:

﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا ‌أَنَّ ‌اللَّهَ ‌هُوَ ‌يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة: 104] 

وذلك لما للصدقات من أثر عظيم على نفس المؤمن وعلى المجتمع بأسره.

الباحثة: شيماء أبو زيد

تعليق واحد

تصنيفات

Your Header Sidebar area is currently empty. Hurry up and add some widgets.