السؤال:
عندي سؤال بخصوص الوضوء:
يأمرنا الله تعالى بغسل الوجه، واليدين إلى المرافق، ثم المسح على الرأس، وغسل الأرجل إلى الكعبين. ولكن ما نفعله عمليًا هو المسح على القدمين فقط.
والرِّجل في اللغة تشمل ما القدم حتى مفصل الحوض؛ فهي تتكون من الفخذ، ثم الساق، ثم القدم، وهذه الأجزاء الثلاثة يطلق عليها اسم “الرِّجل”. فعندما أمرنا الله تعالى بغسل الأيدي إلى المرافق، فإننا نغسل اليدين والذراعين حتى نصل إلى المرفق.
فإذا كان الأمر في قوله تعالى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ متعلقًا بالرجل، فلماذا نقتصر في التطبيق على مسح القدمين فقط؟ فالقدم جزء من الرجل وليست هي الرجل كلها.
أرجو التوضيح: هل المسح الذي أمر الله به في الآية هو ما نفعله من مسح القدمين، أم أن المقصود بالمسح معنى آخر؟ وهل يمكن أن يكون للمسح دلالة رمزية أو روحية، كما هو الحال في مسح الرأس؟ فنحن لا نمسح الرأس كاملًا، بل نمسح جزءًا منه بيد مبللة بقليل من الماء، وهذا لا يؤدي وظيفة التنظيف الكامل للشعر أو الرأس، مما قد يشير إلى أن المقصود ليس مجرد التنظيف الحسي، بل معنى آخر.
كما أن الله تعالى لم يذكر في آية الوضوء عدد مرات الغسل، ومع ذلك اشتهر بين الناس غسل الوجه واليدين ثلاث مرات، بينما يكتفي بعضهم بغسلة واحدة؛ لأن الآية لم تحدد عددًا معينًا.
أرجو التوضيح، وجزاكم الله خيرًا مقدمًا.
الجواب:
هذا سؤال يحتوي على عدة نقاط تتعلق بدلالة الألفاظ القرآنية، وطريقة فهم الأوامر المتعلقة بالوضوء. وسنعرض لك أولًا الجواب وفق فهمنا للآيات.
قال الله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: 6].
أولًا: دلالة لفظ “الأرجل” في الآية والمطلوب فيها
الرِّجل في العربية تطلق على الطرف كله من الإنسان، وليس القدم فقط. فالقدم جزء من الرجل، كما أن اليد تشمل الكف والذراع إلى مفصل الكتف في الاستعمال العربي.
وفي قوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ قد حددت الآية غسل اليدين إلى المرفقين، أما في قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ حددت مسح الرجلين إلى الكعبين (العظمتين الناتئتين عند مفصل القدم).
ووجوب غسل العضو يوجب تمرير الماء عليه كله، بخلاف المسح حيث يتحقق الأمر بالمسح على ظاهر القدم حتى الكعبين، ولا يلزم من الأمر تجاوز الكعبين، كما لا يُفهم منه وجوب مسح باطن القدم، لأن الأمر يتحقق بأقل ما يدل عليه النص. فلو قلت لشخص امسح قدمك ومسح ظاهره فإنه يكون أتى بما طلبته منه. أما الغسل فيختلف، فلو قلت اغسل قدمك وغسل ظاهره دون باطنه لا يكون قد أتى بالأمر كاملا.
وقد جاءت الأرجل (إلى الكعبين) معطوفة على الرؤوس في قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾، والعامل فيهما هو فعل وامسحوا ، فيكون الحكم هو المسح، وقد جانب الصواب من زعم أن أرجلكم معطوفة على وأيديكم، لأنه لا يصح الفصل بين المعمول وعامله بجملة خبرية منشئة حكما جديدا.
فالمطلوب هو مسح القدمين، لكن هذا لا يمنع أن يكون الغسل خيارا ثانيا لا سيما عند وجود العرق أو الكدر عليهما، لأن الغسل أشمل من المسح فيقوم مقامه.
رابعًا: عدد مرات الغسل في الوضوء
ملاحظتك حول العدد صحيحة من ناحية أن القرآن لم يذكر ثلاث مرات، فالآية تقول: ﴿فَاغْسِلُوا﴾ ولم تحدد عددًا. ولهذا فإن الأمر يتحقق بغسلة واحدة، أما تكرار الغسل ثلاثًا فهو من باب التأكيد على تنفيذ الأمر، وهو ما روي في الأحاديث من صفة وضوء النبي ﷺ، وليس من نص الآية نفسها.
خامسًا: هل الوضوء مجرد رمز روحي؟
الوضوء في القرآن يجمع بين أمرين: المعنى الحسي: الطهارة والنظافة والاستعداد للصلاة. والمعنى المعنوي: التهيؤ للوقوف بين يدي الله تعالى. ولهذا قال الله تعالى بعد آية الوضوء:
﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: 6].
فالتطهير هنا يشمل طهارة البدن وطهارة النفس.
الخلاصة:
- الآية ذكرت المسح للرأس والأرجل ، فالمطلوب مسح القدمين وليس غسلهما.
- القرآن لم يذكر عدد الغسلات، فالمرة الواحدة تكفي أما الثلاثة فللتأكيد على تحقيق الأمر والاقتداء بفعل النبي الكريم.
- تفاصيل الوضوء العملية جاءت فيها اجتهادات فقهية مبنية على فهم الآية والأحاديث.
- لا يصح الجزم بأن الوضوء مجرد رمز روحي فقط؛ لأن الطهارة في الإسلام تجمع بين الظاهر والباطن.
*وللمزيد حول الموضوع ننصح بالاطلاع على مقالة: المسح على القدمين في الوضوء


أضف تعليقا