السؤال:
قرأت سابقًا هنا في موضوع الغيب، والمستقبل، وهو يعلمه الله سبحانه وتعالى فقط دونًا عن الخلق، وقرأت أيضاً أن الله يختبرنا في هذه الحياة الدنيا؛ لكنه لا يعلم إذا كان مآلنا هو الجنة أم النار لأن هذا سوف يتضح يوم القيامة إن شاء الله، وهذا يختلف عن القضاء، والقدر الذي هو خارج إرادة الإنسان، وسؤالي كان حول الآيات المتعلقة بقصة العبد الصالح عليه السلام، وسيدنا موسى عليه السلام في سورة الكهف.
هل العلم الذي علمه ربه إياه كان شيئاً من الغيب يتعلق بحقيقة الملك الذي يأخذ كل سفينة غصباً، والكنز الذي كان مخفيًا أسفل الجدار كإرث الولدين اللذين كان أبوهما صالحاً، والأهم الطفل الذي قُتل، وكان أبواه مؤمنين فخشي أن يرهقهما طغيانًا وكفرًا، فأراد أن يبدلهما ربهما خيراً منه زكاة و أقرب رُحمًا.
هل كان هذا بسبب طغيان الصبي وإرهاقه لوالديه فقط؟ هذا ليس بسبب أن الله يعلم أن مكانه في النار، وإنما كان هذا تخفيفًا على والديه من عظم الابتلاء فيه لأنه كان من الممكن أن يهتدي إذا عاش حياةً طويلة، وربما لا؛ لكن الغرض من قتله كان تخفيفاً عن الوالدين والابن الذي سوف يطغى، أليس كذلك؟ أم أنني لم أفهم الحكمة بشكلٍ جيد؟
و أيضاً أعتذر عن سؤالي التالي؛ ولكن إنها مجرد فرضية.. ماذا لو أعفى الله سبحانه وتعالى جميع الطغاة بهذه الطريقة فماتوا جميعاً قبل ارتكاب الذنوب مثل فرعون، وغيره الكثير (هل هذا لا يصح لأن الإنسان مخير، وما حدث في سورة الكهف كان استثناء ما أراد رب العباد إيصال حكمة ما منه؟) شكراً مقدماً
الجواب:
نحيي السائلة الكريمة على هذا التدبر العميق والوعي اليقظ، ولا داعي للاعتذار أبداً؛ فالسؤال هو مفتاح الفهم وبوابة التدبر. وقبل أن نجيب عن تفاصيل أسئلتكِ، نود أن نلفت النظر إلى أن القول بأن الله تعالى لا يعلم مصير العباد قد فُهم بشكل مغلوط وسبب إشكالات عند الكثيرين، ولذلك فنحن بصدد إفراد مبحث متكامل ومستقل يعيد تدبر مسألة العلم الإلهي الشامل بلغة واضحة لا تحتمل اللبس، وسننشره قريباً إن شاء الله تعالى.
أما بالنسبة لما ورد في سورة الكهف، ولنبدأ من حيث انتهيتِ:
أولاً: فرضية إماتة الطغاة صغاراً وعلاقتها بالجبر والابتلاء
إن سؤالكِ الافتراضي: “ماذا لو أمات الله الطغاة صغاراً لإنقاذهم من الذنوب مثل فرعون؟” يعيدنا دون أن نشعر إلى حيز الفكر الجبري.
فلو صح أن الله تعالى ينهي حياة من سيكفرون وهم صغار لحمايتهم من النار، لكان في ذلك إقرارٌ بأنه سبحانه قد حتم عليهم دخول النار أزلياً وقهرهم عليها ثم بتر حياتهم قسراً، وهذا يتناقض تماماً مع عدل الله المطلق ومع حرية الإنسان في الاختيار، وموت هؤلاء قبل طغيانهم لا يمكن الجزم بأنه سيحميهم؛ ذلك لأن مآلهم لم يكن حتمياً بالأساس، بل كانوا قادرين على الهداية لو عاشوا.
وتتأكد هذه الحقيقة بوضوح في سُنّة الله القائمة على الإنذار والتبشير؛ فالإنسان يُمنح المساحة الحرة الكاملة والفرصة تلو الفرصة في حاضره ليختار مساره بنفسه، حتى عُتاة الطغاة كفرعون لم يحسم الله تعالى مصيرهم مسبقاً بقهر، بل أبقاهم وأرسل إليهم الأنبياء لفتح باب الهداية، مصداقاً لقوله تعالى في أمره لموسى وهارون عليهما السلام: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ﴾ [طه: 44].
وتظل محاولات الوعظ والإصلاح مع العصاة ممتدة في واقعهم لإقامة الحجة أو فتح طاقة للعودة والتغيير، تماماً كما عبّر الصالحون في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا، قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: 164] حيث تبيّن الآية الكريمة أن الوعظ والمحاولة مع هؤلاء الطغاة أو العصاة تظل قائمة كمعذرة إلى الله تعالى ولعلهم يرجعون ويتغيرون.
ولو كان من سُنّة الله أن يُميت من علم طغيانهم صغاراً لحمايتهم، لكان من باب أولى وأحق أن يفعل ذلك مع الصالحين، فيميتهم صغاراً لحمايتهم من مجاهدة البلاء، والاضطهاد، وصعاب الدنيا، ويدخلهم الجنة بلا عناء! وحينها يسقط قانون الابتلاء العام، ولا يبقى أي مجال للاختبار الحقيقي لأي إنسان.
وهذا يبرهن على أن مصير الإنسان يُبنى بكسبه واختياره الفعلي، وليس بمسار جبري مُسبق مَكتوب عليه لا يملك تغييره.
ثانياً: الحكمة من أحداث قصة العبد الصالح
من هنا ندرك أن الأحداث الثلاثة مع موسى والعبد الصالح عليهما السلام كانت بالفعل لحكمة بالغة، ولكنها لم تكن استثناءً خارقاً؛ لأن ما حدث فيها لم يكن كشفاً لحجب الغيب المستقبلية المتعلقة بمآلات الجنة أو النار، بل كانت قراءة واعية في واقع حيٍّ أراد الله سبحانه أن يعلمنا من خلاله ألا نحكم على الأمور بموجب الظاهر الفوري دون الدراية بأبعادها وعواقبها.
والدليل من السياق نفسه أن العبد الصالح قال لموسى عليه السلام:
﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَىٰ مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾ [الكهف: 68]، ولم يقل له: (وكيف تصبر على علم الغيب) فالأمر كله يتعلق بـ “الخبرة والإحاطة الواعية بالواقع القائم” وليس بامتلاك مفاتيح الغيب المستقبلية، فكل ما حدث كان واقعاً يغفل عنه موسى عليه السلام تم كشف ملابساته، مع التأكيد التام على أن فعل العبد الصالح لم يكن بصفته الشخصية، بل كان تنفيذاً لتدبير إلهي مباشر، وهو ما وثّقه بقوله: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ [الكهف: 82].
- قصة الغلام (ظهور بوادر الكفر وتخفيف الابتلاء):
إن فهمكِ للحكمة في موت الغلام صحيح ودقيق جداً؛ فقتله لم يكن عقاباً له على ذنب مستقبلي، وإنما بسبب ظهور بوادر الكفر والطغيان عليه في حاضره وعقله، وقتله فيه تخفيف على الأبوين الصالحين من عظم هذا الابتلاء المستمر؛ فمصير الغلام لم يتحدد كأهل نار في اللحظة التي قُتل فيها، وإنما لأن هذه البوادر الحاضرة كانت ستستغرق وقتاً طويلاً يرهق الأبوين بطغيان وكفر مشهود.
يقول تعالى على لسان العبد الصالح: ﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ [الكهف: 80].
تأملي أنه لم يقل “أنه سيموت كافرً أو أنه من أهل النار”، بل عبّر بـ ﴿فَخَشِينَا﴾ المستندة إلى رصد تلك البوادر الحاضرة، فالغلام لم يُقتل عقاباً بل حمايةً للأبوين وتخفيفاً عنهما، وفي الوقت نفسه رحمة بالغلام من شقائه المعجل، وفي هذا تعليم للمؤمنين بعدم الجزع أو القنوط من قضاء الله في موت أحد الأبناء، فما يبدو مصيبة قد يحمل في باطنه الرحمة واللطف الإلهي، كما حدث مع أبوي الغلام: ﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾ [الكهف: 81] ومصداقاً لقوله تعالى: ﴿وَعَسَىٰ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: 216].
- قصة السفينة (العوارض المعطلة حماية من سوء ينتظر):
والأمر نفسه ينطبق على حادثة السفينة؛ فهناك ملكٌ يأخذ السفن غصباً، فلن يأتي هذا الملك من الفضاء أو ينزل من السماء، بل هو واقع سياسي واقتصادي قائم على الأرض يمارس جوره في تلك اللحظة كان يجهله موسى عليه السلام وليس غيباً مستقبلياً منعدماً، فكان خرق السفينة حمايةً لرزق هؤلاء المساكين: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِيةٍ غَصْبًا﴾ [الكهف: 79].
هذا الموقف يقدم طمأنينة كبرى للإنسان؛ فإذا حدث عارض للمؤمن يعطله عما كان ينوي فعله، فلا يجزع، فلربما نجاه هذا العارض الذي يراه سيئاً من سوء أكبر كان ينتظره في طريقه، تماماً كأصحاب السفينة الذين رأوا في الخرق ضرراً ظاهراً، بينما كان هو السبب الوحيد لنجاة مصدر رزقهم من المصادرة، والأمثلة الواقعية حولنا كثيرة كتعطل سيارة أو مرض عابر ينجي صاحبه من حادث مروع.
- قصة الجدار والكنز (أثر العمل الصالح ورعاية الحي القيوم):
أما بالنسبة للكنز الذي كان تحت الجدار لليتيمين اللذين كان أبوهما صالحاً، فهذا من تدبير الرحيم بعباده؛ فالجدار والكنز والوالد الصالح كلها معطيات واقعية مادية كانت موجودة بالفعل في الحاضر والماضي: ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا، فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ [الكهف: 82].
وفي هذا الموقف طمأنينة بالغة تفيد بأن العمل الصالح يمتد أثره ليتعدى الفرد إلى ذريته بعد وفاته، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خلفهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ [النساء: 9] فلا يقلقنّ أحدٌ على أبنائه مادام الله الحي القيوم: ﴿هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ سبحانه هو الذي يدبر أمورهم ويرعاهم.
كما أن فيه حكمة تربوية تظهر سُنّة حفظ الله للحقوق؛ فأهل القرية أساءوا وأبوا أن يضيفوهما، ومع ذلك أقام العبد الصالح الجدار دون مقابل؛ ليعلمنا أن رعاية الله لأبناء الصالحين لا تتأثر بتقصير البيئة المحيطة أو خذلانها، فالأقدار تسوق المنفعة لتصل الحقوق إلى أصحابها.
كما يحمل الموقف درساً سلوكياً عظيماً؛ فالمؤمن لا ينبغي له أن يحبس فضل ربه أو يحجب نفسه عن صناعة المعروف ويقطع الإحسان عمن أساء إليه، بل يترفع بأخلاقه باذلاً للخير ولا يقابل الإساءة بمثلها وإنما بالإحسان مصداقاً لقوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا، أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ، وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: 22] ليتضح الهدف الأسمى من صنائع المعروف، وهو أن العباد لو ضيعوا الجميل أو قصروا في أداء الحقوق، فإن الله سبحانه حفيظٌ لا يضيع عنده مثقال ذرة، وكما حُفظ كنز اليتيمين بصلاح أبيهما، يُحفظ معروف المحسن بصلاحه وإخلاصه مصداقاً لقوله تعالى في السورة نفسها: ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ [الكهف: 30].
الخلاصة: إن الغاية العظمى من هذه الرحلة كانت تعليم موسى عليه السلام – والأمة من بعده – أمورًا عظيمة يكشفها التدبر، ومنها عدم التسرع في الحكم على الأمور من منظور الظاهر الفوري؛ فموسى عليه السلام كان يحكم بموجب الشفقة والظاهر المباشر للأحداث، ولذلك تسرع في الإنكار والاعتراض ثلاث مرات متتالية كما وثق القرآن الكريم:
- في السفينة: ﴿قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾ [الكهف: 71].
- في الغلام: ﴿قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا﴾ [الكهف: 74].
- في الجدار: ﴿قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ [الكهف: 77].
وكان العبد الصالح يذكره في كل مرة بأمر الله تعالى له أن يتريث ولا يتسرع بالحكم بالظاهر: ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ [الكهف: 75] وفي هذا تعليم للأمة كلها ألّا تقنط ولا تعترض على عوارض الأقدار التي تبدو في ظاهرها شراً، فالقصص بمجملها لم تكن كشفاً غيبياً للمستقبل، بل كانت تطبيقاً عملياً لتدبير الله الحكيم الذي يدير الواقع بعلم وإدراك واسع للعواقب والأبعاد فهو جل وعلا: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: 103] مما يوجب على المؤمن الرضا والتسليم الواعي لتدبير القيوم اللطيف الخبير في كل تفاصيل الحياة.
وهكذا يعلم المؤمن الصبر الجميل؛ لأن ما يبدو في نظر البشر عارضاً معطلاً أو ابتلاء مؤلماً، هو في حقيقته تدبير رحيم يحميه القيوم به من سوء أكبر لا يراه لتتجلى عظمة الرضا بقضائه سبحانه وتعالى في ختام الرحلة حين ينكشف ستار الحكمة ويظهر اللطف الإلهي جليّاً كما جاء على لسان العبد الصالح: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي، ذَٰلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف: 82]
فاللهم صبرًا على ما لم نحط به خبرًا.


أضف تعليقا