السؤال:
أتقدم باستفسار جوهري حول المستند الشرعي والمنطقي لمسألة ‘تنصيف دية المرأة’ مقارنة بالرجل، انطلاقاً من رفض مبدئي لاعتبار القيمة التعويضية للمرأة أقل شأناً من الرجل، وهو ما يُعد في نظر الكثيرين افتقاراً لمعايير الإنصاف الإنساني والعقلي.
وفي هذا السياق، أستند إلى ما طرحته الدكتورة سهيلة زين العابدين حماد، التي فندت هذا الحكم بناءً على التساؤل عن سبب إهمال عموم قوله تعالى: {وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً}، حيث أن كلمة (مؤمناً) نكرة في سياق الشرط فهي تفيد العموم، مما يقتضي شمول الحكم للذكر والأنثى على حد سواء دون تفرقة، فبأي مسوّغ يتم العدول عن هذا النص القرآني الظاهر؟
أشارت الدكتورة إلى خلل منهجي في الاستدلال بجملة ‘دية المرأة على النصف من دية الرجل’، موضحةً أنها زيادة أدرجها البيهقي وليست من أصل حديث عمرو بن حزم الطويل، وهو ما أكده الحافظ ابن حجر العسقلاني. فكيف يُبنى حكم شرعي يمس الأنفس على زيادة مدرجة، ويُترك النص الصحيح الثابت: ‘وفي النفس المؤمنة مئة من الإبل’
فأرجو أن توضحوا الحكم الصحيح في هذه المسألة، وهل كلام الدكتورة صحيح ؟ ولماذا يقوم العلماء بهذه الأمور وهذا الظلم والافتراء على الله وإخراج أحكام لا أساس لها من الصحة؟ وهل حقا دية المرأة على النصف؟ وإن كان ذلك صحيحًا، فأين النص الصريح الصحيح الذي يثبت هذا الحكم دون لبس أو اجتهاد؟
الجواب:
إن القول بأن دية المرأة على النصف من دية الرجل هو ظلم بيِّن وتعدِ على كتاب الله تعالى لفظًا ومضمونًا، وكلام الدكتورة سهيلة حماد في هذه المسألة صحيح؛ فالنص القرآني يقول: ﴿وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ﴾ [النساء: 92] فكلمة (مؤمنًا) تفيد العموم، أي أن الدية المسلَّمة هي حق لكل “مؤمن” سواء كان ذكراً أو أنثى، والعدول عن هذا العموم القرآني وتخصيصه بالنصف للمرأة بلا نص قرآني صريح يُعد افتراءً على مراد الله تعالى وتغييراً لأحكامه.
والدليل على ذلك من الآية نفسها قبل الاستدلال من سياقات أخرى ما يلي:
- فلو زعم الزاعمون أن كلمة (مؤمناً) هنا تفيد الذكورة حصراً، فبأي حق سقطت دية المرأة من صريح الكتاب؟ هل سقطت سهواً؟ معاذ الله ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾
- ولو ادّعوا أن (مؤمناً) تعني الرجل؛ فقد لزمهم القول بأن صدر الآية: ﴿وَمَا كَان لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾ [النساء: 92] كذلك يختص بالرجال أيضاً، مما يعني بالضرورة أن قتل المرأة للمرأة ليس بداخل في حكم الخطأ، وهذا باطل ومحال!
- بل الأدهى من ذلك، أنه لو قصدت الآية دية الرجل خاصة، لكان على من قتل المرأة أن يحرر “نصف رقبة” كما سيدفع نصف دية، ولزمه أن يصوم “شهرًا” فقط ككفارة بدلا من شهرين، فهل يقبل عقل أو دين تجزئة الكفارات والعبادات بناءً على جنس المقتول؟!
- وكذلك يلزمهم سحب هذا التخصيص الجائر على كل آية ورد فيها لفظ “مؤمن”، كقوله جل وعلا: ﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَٰئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَىٰ﴾ [طه: 75] وقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَّا يَسْتَوُونَ﴾ [السجدة: 18] وقوله سبحانه: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا﴾ [نوح: 28] فهل الدرجات العلى والمغفرة ونفي الفسق والدعاء بالمغفرة كذلك يختص بالرجل المؤمن دون المرأة المؤمنة؟!
إن التنصيف ما هو إلا افتراء وتحريف في فهم النصوص أو تأثر بالأعراف الجاهلية، ولا يوجد في كتاب الله تعالى آية واحدة تُنقص من قدر دم المرأة أو تشرع تنصيف ديتها، بل جاءت الآيات بألفاظ لا تحتمل التأويل لتؤكد التساوي المطلق في (الخلق، والحرمة، والقصاص، والجزاء، والتعويض) كما يلي:
الأدلة القرآنية الأخرى على وحدة النفس وتساوي الدية
وعلى الرغم من أن البينة تطلب ممن افترى / ادعى، ولكن القول بأن دية المرأة نصف دية الرجل يواجه خطاً منيعاً من النصوص القرآنية القطعية التي أسست لمبدأ “وحدة النفس” و”وحدة الحرمة”، وإليكِ التفصيل:
- آية وحدة الخلق (النفس الواحدة)
- يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [النساء: 1] تقرر الآية أن المصدر الوجودي للرجل والمرأة واحد؛ وبما أن الماهية واحدة، فإن القيمة الإنسانية المترتبة عليها واحدة، والتفريق في الدية يعني بالضرورة القول بأن المرأة “نصف نفس”، وهو تكذيب لصريح هذه الآية التي جعلت النفس واحدة غير مجزأة.
- آية الكلية الإنسانية (قتل الناس جميعاً)
- فقال تعالى: ﴿مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: 32]
- لو كان التنصيف صحيحاً، للزم أن نقول: “من قتل امرأة فكأنما قتل نصف الناس” ولكن التعبير بـــ (نفس) يعلن أن الاعتداء على أي نفس بشرية هو اعتداء على الإنسانية جمعاء؛ فكيف تستوي المرأة مع الرجل في “عظم الجريمة” وتُنقص عنه في جبر الضرر (الدية) عند الخطأ؟
فلم تخبرنا الآية الكريمة عــ (من قتل نصف نفس)! أم أن المرأة خرجت من وصف النفس كما أُخرجت من وصف الإيمان؟
- آية المماثلة الكاملة (النفس بالنفس)
- يقول تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنفَ بِالْأَنفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: 45] . هذه الآية تقضي بالمساواة التامة في القصاص؛ وبما أن الرجل يُقتل بالمرأة (لأنهما نفسان متكافئتان)، فإن هذا يثبت “وحدة القيمة”.
- ولو كانت دية المرأة نصف دية الرجل لما جاز شرعاً قتل “نفس كاملة” (الرجل) بها، إذ لا يُقتل كاملٌ بناقص في منطق العدل.
كما أنه لو كانت نصف نفس، لما جاز الاكتفاء بقتلها هي إذا قتلت رجلاً، بل لوجب قتل امرأة أخرى معها لتكتمل الكفة المقابلة للرجل!
- وكذلك نتساءل: هل يقتص للمرأة بنصف عين، ونصف أذن، ونصف سن إذا اعتُدي عليها من رجل؟!
إن تجزئة الأحكام بناءً على النوع هو إهدار لمبدأ المماثلة الذي نصت عليه الآية بصراحة لا تقبل التأويل.
- آية وحدة الجزاء الأخروي في القتل
- يقول تعالى: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 93]
فالآية تدل على تلازم الجزاءين، فقد رتب الله تعالى أغلظ العقوبات الأخروية (الخلود في النار، الغضب، اللعنة) على القتل العمد لأي مؤمن أياً كان جنسه؛ فإذا كانت القيمة الإيمانية واحدة في العقاب الأخروي، فمن التناقض أن تختلف قيمة التعويض المادي (الدية) في الدنيا.
- أم أنه من (قتل امراة متعمدًا) فجزاؤه نصف جهنم ونصف غضب ونصف لعنة؟!
﴿نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾؟!
- آية “المعرة” الواحدة في القتل الخطأ
- في قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُم مِّنْهُم مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الفتح: 25]
- وحدت الآية بين الرجال والنساء في المعرة الناتجة عن قتلهم خطأً؛ و(المعرة) كما فسرها المفسرون القائلون بنصف الدية بأنها المسبة والإثم أو الدية والكفارة، ولم يقل الله تعالى “تصبكم من الرجال معرة كاملة ومن النساء نصف معرة”، بل جعل الأثر المترتب على قتل أي منهما واحداً، مما يؤكد تساويهما في ميزان التعويض المادي.
أم أنه سيكون هناك نصف مسبة وإثم كما أن هناك نصف دية؟!
- تفنيد شبهة الاستدلال بآية القصاص (الأنثى بالأنثى):
قد يختلط على البعض فهم قوله تعالى: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنثَىٰ بِالْأُنثَىٰ﴾ [البقرة: 178] فيُظن أن إفراد “الأنثى” بالذِّكر يعني تمايزاً في القيمة، والحقيقة أن ذكرها استقلالاً – رغم دخولها لغوياً في “الحر” أو “العبد”- جاء لتعظيم شأنها ورفع المظلمة عنها، فجاء النص ليحصر القصاص في الجاني نفسه (قائدًا أو تابعًا، ذكرًا أم أنثى) ويمنع التجاوز.
ويؤيد هذا المعنى قوله تعالى: ﴿وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنصُورًا﴾ [الإسراء: 33]
فالإسراف في القتل الذي نهت عنه الآية هو ذاته ما كانت تفعله الجاهلية وحتى وقتنا هذا، من قتل “نفس بغير نفس” (كرجل بامرأة أو جماعة بواحد) ادعاءً لعدم التكافؤ؛ فإفراد القرآن للأنثى بالذكر كان إعلاناً لأصالتها الجنائية واستقلاليتها، وأنها نفسٌ مكافئة تماماً للرجل؛ فإذا تساويا في “القصاص” وهو العقوبة الأغلظ، وجب بالضرورة تساويهما في “الدية” وهي جبر الضرر.
فتخصيصها بالذكر هنا هو “تشريف” ونقل لها من مرتبة التبعية التي أرادتها الجاهلية إلى مرتبة الأنداد والأكفاء التي أرادها رب العالمين.
- آية الأمر بالعدل ومحاربة الجاهلية:
- يقول تعالى: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: 58]
إن لفظ ﴿النَّاسِ﴾ في الآية الكريمة لفظ عام يشمل الجميع دون تمييز، والعدل في اللغة والشرع هو “المساواة بين المتماثلين” وبما أن الرجل والمرأة متماثلان في الإنسانية، وفي أصل الخلقة (النفس الواحدة)، وفي الإيمان، وفي حرمة الدم؛ فإن التفريق بينهما في الدية هو خروج صريح عن حد العدل المأمور به إلى حد الجور المنهي عنه.
- والقول بتنصيف الدية ليس إلا امتداداً لثقافة الجاهلية التي كانت تنتقص من قدر المرأة وتعتبرها أقل شأناً، بينما جاء القرآن ليهدم هذه التفرقة من جذورها. وأي محاولة لإعادة هذا التنصيف تحت ستار “التبريرات الفقهية” هي في الحقيقة نكوص إلى أحكام الجاهلية التي حذر منها القرآن بقوله: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ، وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: 50]
- آيات الولاية المتبادلة في الإيمان
- يقول تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: 71]
إن هذه الولاية القرآنية تقتضي بالضرورة التكافؤ في الدم؛ فوليُّ المرأة هو الرجل ووليُّ الرجل هي المرأة، والولاية الحقيقية لا تكون إلا بين الأكفاء؛ لذا فإن التفرقة في الدية تخدش أصل هذه الولاية وتجعل أحد الطرفين أدنى من الآخر في ميزان الجبر والتعويض، وهو ما يتنافى مع كمال العدل الذي أسسه القرآن في علاقة المؤمنين بالمؤمنات.
- آية التكريم الإلهي العام
- يقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: 70]
إن التكريم الإلهي هنا شمل (بني آدم) كجنس بشري كامل، فلم يقل كرمنا الرجال دون النساء، والدية هي بمثابة عوض التكريم الدنيوي في حال الاعتداء؛ فإذا نُصفت دية المرأة، فقد نُصف تكريمها الإلهي، وهذا تصادم صريح مع النص الذي جعل التكريم وصفاً ثابتاً للإنسان لكونه بني آدم، لا لكونه ذكراً.
وختامًا: ميزان الوحي لا يعرف التنصيف
إن المتأمل في مجمل الآيات السابقة – من إقرار “النفس بالنفس”، ووحدة القصاص لنفس القاتل، وتلازم الجزاء الأخروي، والولاية الإيمانية المتبادلة – يدرك يقيناً أن القرآن الكريم قد حسم قضية “التكافؤ الإنساني” حَسماً لا يدع مجالاً للتجزئة أو التنصيف؛ فالمؤمن والمؤمنة في ميزان الوحي نفسٌ واحدة، ودمٌ واحد، وكرامةٌ مطلقة لا تقبل التجزئة.
والإصرار على تنصيف دية المرأة، استناداً إلى اجتهادات بشرية تأثرت بسياقات زمنية أو أعراف جاهلية أو روايات مفتراة على نبينا الكريم هو خروج صريح عن مقاصد الشريعة التي جاءت بالعدل المطلق، فالعدل هو المساواة بين المتماثلين، والجور هو التمييز بين الأكفاء.
فإذا نطق الوحي بالمساواة، وجب على أهل الأرض الانصياع لحكم السماء؛ إذ إن تعطيل مبدأ المساواة في الدية هو في حقيقته تعطيلٌ لآيات صريحة أقرت وحدة النفس البشرية، ويكفي في ذلك وعيداً وتذكيراً قوله تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: 44]
وأي حكم أنزله الله تعالى أحكم وأعدل من قوله: ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾؟ فإن الرجوع إلى محكم القرآن هو السبيل الوحيد لإحقاق الحق ورفع المظالم، وتطهير التشريع مما علق به من رواسب التمييز التي لا تليق بقدسية الذات الإلهية ولا بكرامة النفس الإنسانية.
الباحثة: شيماء أبو زيد


كنت واثقة أن إجابتكم ستكون كافية ووافية، وفعلاً كانت كذلك وأكثر، فجزاكم الله عنا كل خير، وبارك في علمكم وجهودكم، وجعل ما تقدمونه في ميزان حسناتكم، ونفع بكم كل من يقرأ ويستفيد. وشكرا لكم وجمعنا وإياكم على الخير دائمًا، ووفقكم لكل ما فيه رضاه