حبل الله
تفسير الآيات 60-66 من سورة البقرة

تفسير الآيات 60-66 من سورة البقرة

﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [البقرة: 60] 

يتواصل في هذه الآية تعداد النعم التي أنعم الله بها على بني إسرائيل، بعد أن ذكّرهم بإنجائهم من فرعون، ثم بما أنزله عليهم من المنّ والسلوى. وفي هذا السياق يذكّرهم الله بنعمة أخرى تتصل بأصل الحياة وحاجات الإنسان الضرورية، وهي نعمة الماء.

فقد استسقى موسى لقومه، أي طلب من الله أن يسقيهم حين احتاجوا إلى الماء، فأوحى الله إليه: ﴿اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ﴾، فضربه بعصاه، ﴿فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾، فخرج الماء من الحجر في اثنتي عشرة عينًا، بعدد أسباط بني إسرائيل. وبذلك تهيأ لكل جماعةٍ من جماعاتهم موردٌ معلوم للماء، كما قال تعالى: ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ﴾؛ فلم يكن حصولهم على الماء أمرًا مضطربًا أو مجهولًا، بل جعل الله لكل جماعةٍ منهم مشربًا تعرفه وتنتفع به.

ويأتي هذا التفصيل في الآية ليبرز مقدار ما شملتهم به عناية الله؛ فقد أمدّهم بالطعام حين احتاجوا إليه، وسقاهم الماء حين عطشوا، وهيأ لهم موارد الشرب على نحو يرفع عنهم التنازع والاضطراب. وقد ورد هذا المعنى أيضًا في قوله تعالى: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ﴾ [الأعراف: 160].

ثم جاء الأمر الإلهي: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ﴾؛ فهذه النعم ليست من صنعهم ولا مما استحقوه بذواتهم، وإنما هي رزق من الله ساقه إليهم ويسّره لهم. وفي التعبير بـ ﴿رِزْقِ اللَّهِ﴾ تذكير لهم بمصدر النعمة حتى لا تتحول النعمة إلى غفلة عن المنعم، بل تكون سببًا للشكر والالتزام بما أمر الله به.

ولهذا لم يقتصر الأمر على الأكل والشرب، بل أعقبه مباشرةً النهي: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾. فانتفاع الإنسان بما رزقه الله لا يعني أن يطلق يده في الأرض إفسادًا، وإنما يقتضي أن يحافظ على ما أُوتي، وألا يجعل النعمة وسيلة للظلم أو الاعتداء أو الإفساد. وهكذا تنتقل الآية من ذكر النعمة إلى بيان مسؤولية الإنسان تجاهها؛ فالطعام والماء رزق، والرزق يقتضي الشكر، والشكر لا ينفصل عن الاستقامة وعدم الإفساد في الأرض.

وبذلك تأتي هذه الآية امتدادًا طبيعيًا لما سبقها من تذكير بني إسرائيل بنعم الله عليهم، ولكنها تحمل في الوقت نفسه تذكيرًا ضمنيًا بأن كثرة النعم لا تكفي وحدها لإصلاح الإنسان؛ إذ العبرة بما يصدر عنه تجاه تلك النعم من شكر وطاعة وعدم إفساد.

﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَىٰ لَنْ نَصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَاحِدٍ، فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا، قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَىٰ بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ، اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ، وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ، ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ، ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ [البقرة: 61]

بعد أن ذكّرهم الله في الآيات السابقة بما أنعم به عليهم من النجاة والطعام والماء، يعرض هنا موقفًا آخر من مواقفهم، إذ قالوا لموسى: ﴿لَنْ نَصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَاحِدٍ﴾، وطلبوا منه أن يدعو الله أن يخرج لهم مما تنبت الأرض من البقل والقثاء والفوم والعدس والبصل.

وليس في الآية ما يدل على أن هذه الأطعمة مذمومة في ذاتها، وإنما جاء الإنكار على الاستبدال: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَىٰ بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾. فالمنّ والسلوى كانا رزقًا ميسّرًا لهم في حالهم التي كانوا عليها، بينما كانت الأصناف التي طلبوها مما يحتاج إلى أسباب الزراعة والاستقرار. ولذلك أتبع موسى كلامه بقوله: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ﴾، أي إن ما طلبتموه موجود في البلاد التي تتوافر فيها أسباب الحصول عليه.

وعلى هذا يمكن فهم وصف المطلوب بأنه ﴿أَدْنَىٰ﴾ في سياق أوسع من مجرد المفاضلة بين أصناف الطعام؛ فقد كان بنو إسرائيل في مرحلة انتقال، وقد أُعطوا في الصحراء ما يكفيهم من الرزق، وكان المطلوب منهم مواصلة الطريق. أما ما طلبوه فيرتبط بحياة تقوم على الزراعة والاستقرار، وهذا يعني أنهم اختاروا طريقا غير الذي طلب منهم أن يسلكوه. فقد اختار الله لهم طريق العزة والكرامة بينما اختاروا حياة الدعة والتشبث بالحياة التي ألفوها تحت حكم فرعون.

وهنا ينتقل السياق من هذا الموقف إلى نتيجة أوسع تتصل بتاريخهم، فيقول تعالى: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾، وهذه نتيجة حتمية لرفض مواصلة الطريق الذي أمروا أن يسيروا فيه،  ثم يبيّن سبب ذلك بقوله: ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾، ثم يجمع هذه الأفعال في أصلها بقوله: ﴿ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾.

وهكذا لا تجعل الآية طلبهم الطعام سببًا منفردًا لكل ما ذُكر من الذلة والمسكنة والغضب، وإنما تضع هذا الموقف ضمن سياق تاريخي أوسع من مخالفة أمر الله والاعتداء على حدوده. فالآية تبدأ بطلبٍ دنيوي، ثم تكشف من خلال خاتمتها عن نمط من السلوك كان أعمق من ذلك الطلب وأبعد أثرًا.

أما قتل الأنبياء الوارد في الآية ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ فيعني في هذا السياق القضاء على مكانتهم النبوية والرسالية معًا. وقد وردت كلمة «قتل» في الآيات المتعلقة بالأنبياء، ومن دلالات جذرها اللغوي: الإذلال والانتقاص من المكانة، كما يذكر الراغب الأصفهاني في مفردات ألفاظ القرآن. وعلى هذا، لا يلزم أن يكون استعمال لفظ القتل في كل موضع مقصورًا على إزهاق الروح، بل قد يتضمن الاعتداء على مكانة الشخص وإسقاط اعتباره.

واليهود يقولون إنهم قتلوا عيسى عليه السلام، كما أن النظام العقدي المسيحي التقليدي يقوم، في جانب من روايته، على القول بأن عيسى عليه السلام صُلب ودُفن، ثم خرج من قبره بعد ثلاثة أيام وظهر لتلاميذه في الجليل، كما ترد الرواية في إنجيل متّى (28:16-20). غير أن القرآن ينفي قتل عيسى عليه السلام وصلبه، فيقول تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [النساء 157]، ثم يؤكد: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء 158].

والإنجيل هو الكتاب الذي أنزله الله تعالى على عيسى عليه السلام، كما قال سبحانه: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ﴾ [المائدة 5:46]. ولذلك، فإن الروايات المتعلقة بما جرى بعد وفاته لا يمكن أن تُنسب إلى الإنجيل الذي أنزله الله عليه. وقد أُدرجت كذلك في بعض الأناجيل روايات تفيد أن يحيى عليه السلام قُتل، كما في متّى (14:3-12) ومرقس (6:17-29). غير أن القرآن لا يتحدث عن يحيى وعيسى عليهما السلام بوصفهما مقتولين، وإنما يذكر وفاتهما الطبيعية، ويقرر أن السلام والأمان كانا محيطين بهما في يوم وفاتهما، وهذا الوصف ينفي ادعاء تعرضهم للقتل والصلب؛ قال تعالى في شأن يحيى: ﴿وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ [مريم 19:15]، وقال في شأن عيسى عليه السلام: ﴿وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ [مريم 19:33].

ولم تتوقف محاولات النيل من الأنبياء عند الاعتداء على أجسادهم أو مكانتهم، بل استمرت، كما كانت في السابق، محاولات إسقاط شخصية من يدعون الناس إلى الصدق والاستقامة على نهج الأنبياء، والتقليل من شأنهم والطعن في مكانتهم. وقد أشار القرآن إلى هذا النوع من الاعتداء في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران 3:21].

ثم وعد الله بنصر رسله وحمايتهم، فقال تعالى: ﴿ إِنَّا ‌لَنَنْصُرُ ‌رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ ﴾ [غافر: 51]  ﴿‌ثُمَّ ‌صَدَقْنَاهُمُ ‌الْوَعْدَ فَأَنْجَيْنَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ ﴾ [الأنبياء: 9]  وقال لموسى وهارون: ﴿قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا ‌أَسْمَعُ ‌وَأَرَى ﴾ [طه: 46]  وقال لنبينا الخاتم: ﴿ وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ ‌فَإِنَّكَ ‌بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور: 48]

كما بيّن مآل من يقومون مقامهم في الدعوة إلى الحق والاستقامة، فوعد بنصرة المستضعفين وإنقاذهم من الظلم، كما يظهر في قصة أصحاب السبت [الأعراف 163-166]، وفي قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ﴾ [هود 116]. وبذلك يستمر مبدأ نصرة الحق وحماية أهله، وإن اختلفت صور الاعتداء من زمن إلى آخر[1].

وبهذا تختم الآية هذا المقطع ببيان السبب الجامع لما أصابهم: ﴿بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾؛ فبعد عرض النعمة ثم موقفهم منها، يكشف السياق عن أصل السلوك الذي أدى إلى تلك العواقب، لينتقل بعد ذلك إلى أمثلة أخرى من مواقفهم تجاه أمر الله وآياته.

﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ [البقرة: 62] 

بعد أن عرضت الآيات السابقة جانبًا من تاريخ بني إسرائيل، وذكّرتهم بما أُوتوا من النعم والآيات، ثم بيّنت ما ترتب على الكفر والعصيان والاعتداء، ينتقل السياق إلى بيان قاعدة أوسع لا تتعلق ببني إسرائيل وحدهم، وإنما تشمل أصحاب الانتسابات الدينية المختلفة. فالعبرة عند الله ليست بمجرد الاسم أو الانتساب إلى جماعة، وإنما بالإيمان بالله واليوم الآخر والعمل الصالح.

ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ﴾، ثم أتبع هذه الأسماء جميعًا بالشرط الجامع: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾. فذكر أن الانتماء إلى جماعة دينية لا يغني عن حقيقة الإيمان والعمل الصالح، كما أن ما سبق من الحديث عن بني إسرائيل يوضح أن الانتساب إلى أمةٍ اصطفاها الله أو إلى أهل كتاب لا يمنح صاحبه حصانة من المسؤولية.

ووعد الله من تحقق فيه هذا الشرط بقوله: ﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾، ثم وصف أمنهم يوم القيامة بقوله: ﴿وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾. فالآية تنقل مركز الاهتمام من الأسماء والهويات إلى علاقة الإنسان بربه وما يترتب عليها من إيمان وعمل.

ويظهر في ذلك اتصال وثيق بما سبق؛ فبعد أن ذكرت الآيات مظاهر الانحراف عن العهد، وبيّنت أن مخالفة أمر الله لا يزيلها الانتساب إلى بني إسرائيل، تقرر هنا أن الحكم الإلهي لا يقوم على الأسماء وحدها. ولذلك جاء الشرط بصيغة عامة: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾.

والذين هادوا هم الذين عُرفوا بهذا الاسم في القرآن، وقد ارتبط لفظ اليهود تاريخيًا باسم يهوذا وبمملكة يهوذا، ثم اتسع استعماله مع مرور الزمن ليشير إلى جماعة دينية وقومية أوسع. وفي عصر نزول القرآن كان لفظ اليهودية يُطلق على منظومة دينية ذات تراث متشعب، ارتبط بالكتاب والتقاليد والشروح التي تطورت في تاريخ بني إسرائيل. والقرآن حين يستخدم لفظ ﴿الَّذِينَ هَادُوا﴾ لا يجعل مجرد هذا الانتساب سببًا للنجاة، بل يردّ الحكم إلى الإيمان والعمل كما يتضح من تتمة الآية.

أما النصارى، فقد ورد في القرآن لفظ ﴿نَصْرَانِيًّا﴾ مرة، وورد جمعه ﴿نَصَارَىٰ﴾ في مواضع متعددة. وقد اختلف في أصل التسمية؛ فقيل إنها متصلة بالنصرة، استنادًا إلى قول الحواريين لعيسى عليه السلام: ﴿نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾ [آل عمران: 52]، وقوله تعالى: ﴿كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ﴾ [الصف: 14]، وقيل إنها منسوبة إلى الناصرة، البلدة التي نشأ فيها عيسى عليه السلام. ولا يتوقف فهم الآية على ترجيح أحد هذين الاشتقاقين، إذ المقصود بيان الفئة التي عُرفت بهذا الاسم في زمن نزول القرآن.

وأما الصابئون، فقد ورد ذكرهم في القرآن هنا وفي مواضع أخرى، دون أن يقدم القرآن تعريفًا تاريخيًا تفصيليًا لهذه الجماعة. ولذلك يمكن ربطهم بما عُرف تاريخيًا عن الصابئة، مع بقاء بعض تفاصيل هويتهم ومعتقداتهم موضع بحث بين المؤرخين وأهل الأديان. وقد ذهب بعض الباحثين إلى صلتهم بأتباع يحيى عليه السلام، مستندين إلى ما ورد عن يحيى من إيتائه الكتاب والحكمة، كما قال تعالى: ﴿يَا يَحْيَىٰ خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ [مريم: 12]. إلا أن تعيين الصابئة المذكورين في القرآن بأنهم أمة يحيى تحديدًا يحتاج إلى قرينة أقوى من مجرد التشابه بين بعض المعتقدات أو الكتب، ولذلك يحسن عرضه بوصفه قولًا أو احتمالًا لا حقيقة قطعية.

والأصل الذي يجمع هذه الفئات في الآية هو أن الله لا يحاسب الإنسان على الاسم الذي وُلد عليه أو الانتساب الذي يحمله فحسب، وإنما على موقفه من الحق الذي بلغه وعلى ما عمل به. ولهذا قال تعالى: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾.

ويتصل هذا كذلك بمبدأ اختلاف الشرائع وتتابع الرسالات؛ فقد أخذ الله ميثاق النبيين أن يصدّق بعضهم بعضًا، كما قال: ﴿لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾ [آل عمران: 81]. فلكل أمة في زمانها رسول وكتاب وهداية، ثم إذا بلغها رسول لاحق مصدق لما سبق، أصبح موقفها منه جزءًا من اختبار الإيمان.

وعلى هذا يمكن فهم حال من لم تبلغه رسالة النبي اللاحق؛ إذ يكون حسابه متعلقًا بما بلغه من الحق وما قامت عليه الحجة في زمانه، لا بمجرد انتسابه إلى جماعة معينة. أما إذا بلغته الرسالة الجديدة وقامت عليه الحجة، فلا يبقى الانتساب إلى الكتاب السابق وحده كافيًا، بل يدخل في مقتضى الإيمان تصديق ما جاء به الرسول المصدق لما سبقه. ولهذا قال تعالى في شأن أهل الكتاب: ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ [القصص: 52]، وقال: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: 85].

أما من لم تبلغه دعوة رسول، فلا يصح أن يُساوى بمن قامت عليه الحجة ثم أعرض عنها؛ إذ إن القرآن يقرر مبدأ قيام الحجة والإنذار، قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: 15]. ومن ثم فإن عدل الله يقتضي أن يُنظر إلى ما بلغه الإنسان من الحق، وإلى قدرته على معرفته، وإلى موقفه منه، لا إلى مجرد الاسم الذي حمله.

وهكذا تأتي الآية بعد الحديث الطويل عن بني إسرائيل لتضع معيارًا يتجاوز الانتماءات التاريخية والدينية وهو: الإيمان بالله واليوم الآخر والعمل الصالح. وبذلك يمهّد السياق للآيات التالية التي ستواصل عرض مواقف بني إسرائيل من العهد والكتاب، لتبيّن أن قيمة الإنسان عند الله لا تُحفظ بمجرد الانتساب، وإنما بما يترتب على الإيمان من التزام واستقامة.

﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 63] 

وبعد أن بيّن السياق أن النجاة لا تكون بالانتساب إلى اسم أو جماعة، وإنما بالإيمان بالله واليوم الآخر والعمل الصالح، يعود إلى بني إسرائيل ليذكّرهم بميثاقهم مع الله، وبالمسؤولية التي ترتبت عليهم تجاه الكتاب الذي آتاهم. فقد أخذ الله ميثاقهم، ورفع فوقهم الطور، وأمرهم أن يأخذوا ما آتاهم بقوة، وأن يذكُروا ما فيه؛ أي أن يتعاملوا مع الكتاب بجدٍّ والتزام، وأن يحفظوا ما جاء فيه من العلم والتوجيه، ويجعلوه حاضرًا في حياتهم، حتى يكون ذلك سببًا في تقواهم.

والمراد بما أُوتوه هنا الكتاب الذي أُنزل على موسى عليه السلام، وهو جزء مما عُرف بعد ذلك بالتوراة؛ إذ إن التوراة، في هذا الاصطلاح، تشمل مجموع ما أُوتي أنبياء بني إسرائيل من كتب ووحي من عهد موسى إلى عيسى عليهم السلام[2].

أما قوله تعالى: ﴿بِقُوَّةٍ﴾ فلا يقتصر على مجرد حمل الكتاب أو حفظ ألفاظه، وإنما يدل في سياق الآية على الأخذ الجادّ بما فيه، والتمسك بأحكامه وتوجيهاته وعدم التعامل معه تعاملاً شكليًا. ولهذا جاء الأمر بعده: ﴿وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ﴾؛ فالمقصود أن يبقى ما في الكتاب حاضرًا في وعيهم وسلوكهم، ليؤدي بهم إلى التقوى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. وتفيد هذه المواضع مجتمعة (البقرة 63، 93؛ النساء 154؛ الأعراف 171) أن أخذ الكتاب بقوة مرتبط بالالتزام بما فيه، وأن تذكّر ما فيه ليس مجرد استحضار ذهني، بل وسيلة لتحقيق التقوى.

وقد ورد ذكر رفع الطور فوقهم في مواضع أخرى من القرآن، منها قوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ﴾ [النساء: 154]، وقوله: ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: 171]. ومن ثمّ يظهر أن رفع الطور جاء في سياق توكيد الميثاق وتعظيم المسؤولية المترتبة على قبول الكتاب[3].

وهكذا يتصل قوله تعالى هنا بما سبقه اتصالًا واضحًا: فبعد أن عرض السياق مواقف بني إسرائيل من نعم الله وما ترتب على مخالفتهم، يذكّرهم الآن بالأساس الذي كان ينبغي أن يضبط موقفهم كله، وهو الميثاق والالتزام بما أُوتوا من الكتاب. ثم يمضي السياق في الآيات التالية إلى بيان موقفهم من هذا الميثاق، وكيف تعاملوا معه.

﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾ [البقرة: 64]

ثم، بعد أن أُخذ ميثاقكم وأُمِرتم أن تأخذوا ما آتاكم الله بقوة وأن تذكُروا ما فيه، تولّيتم عن ذلك، فلم تلتزموا بما يقتضيه الميثاق كما ينبغي، وانصرفتم عن مقتضى الكتاب الذي أُعطيتموه. فالتعبير بـ ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾ يربط مباشرة بين الميثاق المذكور في الآية السابقة وبين موقفهم منه، ويبيّن أن العبرة ليست بمجرد قبول الكتاب، وإنما بالوفاء بما أُخذ عليهم من عهد.

ومع ذلك، لم يكن هذا التولّي سببًا في استئصالهم أو هلاكهم مباشرة؛ بل تداركهم الله بفضله ورحمته، وأمهلهم وأتاح لهم فرص الرجوع والإصلاح. ولذلك قال تعالى: ﴿فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾. فالآية تجمع بين بيان تقصيرهم وبين بيان رحمة الله بهم، فلا تجعل ذكر المخالفة منفصلًا عن باب التوبة والإمهال والإنذار.

ويؤكد هذا المعنى قوله تعالى في موضع آخر، عند الحديث عن أخذ الميثاق من بني إسرائيل: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ…﴾ [النساء: 155]، حيث جاء نقض الميثاق في سياق تعداد مخالفاتهم. ومن ثمّ فإن قوله هنا ﴿تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَٰلِك﴾ يمثل مرحلة أخرى في السرد القرآني: ميثاقٌ أُخذ، وكتابٌ أُعطي، وأمرٌ بالالتزام به، ثم تولٍّ عنه؛ ومع ذلك بقي فضل الله ورحمته قائمين، وأُتيحت لهم إمكانية الرجوع.

وهكذا يواصل السياق بناء الصورة المتدرجة لموقف بني إسرائيل من الوحي: ميثاق، ثم تولٍّ، ثم فضل ورحمة، قبل أن ينتقل إلى موقف آخر من مواقفهم يكشف طبيعة استجابتهم لما أُمروا به.

﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة: 65] 

بعد أن بيّن الله أنهم تولّوا عن الميثاق الذي أُخذ عليهم، يذكّرهم بمثال آخر من أمثلة تجاوزهم لحدود ما أُمروا به، فيقول: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ﴾. فالسبت كان يومًا جُعل لهم فيه حكم خاص، وأُمروا بترك العمل فيه، فجاء الاعتداء حين تجاوز بعضهم الحد الذي أُمروا بالوقوف عنده. وقد أشار القرآن إلى هذه الحادثة أيضًا في قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ﴾ [الأعراف: 163]، مما يوضح أن القضية لم تكن مجرد مخالفة عابرة، بل اعتداءً على حكم معلوم لديهم.[4]

ثم قال تعالى: ﴿فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾. وهذه العبارة القرآنية تحمل جزاءً شديدًا على الاعتداء، وقد اختلف المفسرون في كيفية فهمها: فذهب فريق إلى أن الآية تتحدث عن مسخ حقيقي أصاب المعتدين، بينما فهمها آخرون على أنها تعبير عن الإذلال والإقصاء والتحويل عن المنزلة الإنسانية التي كانوا عليها.

أما وصفهم بـ ﴿خَاسِئِينَ﴾، فهو وصف يدل على الذل والإبعاد والطرد، وجاء بصيغة جمع المذكر السالم، وهو مما يتناسب مع كون الخطاب موجّهًا إلى أولئك المعتدين من البشر. وهو ما يرجح أن المسخ كان معنويا لا حقيقيا.

ويظهر اتصال هذه الآية بما قبلها بوضوح: فبعد ذكر الميثاق ثم التولّي عنه، يورد القرآن مثالًا عمليًا على الاعتداء على حدود الله، ليبيّن أن المشكلة لم تكن في غياب البيان، وإنما في تجاوز ما عُرف وأُمر به. ومن هنا يمضي السياق إلى بيان أثر هذه الحوادث والعبرة المستفادة منها في الآيات التالية.

﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ ﴾ [البقرة: 66] 

هذه الآية تكمل المشهد السابق مباشرة، وتُظهر أن المقصود من ذكر حادثة السبت ليس مجرد سرد العقوبة، بل بيان العبرة والردع الذي يتجاوز أصحاب الحادثة إلى من يأتي بعدهم.

فجعل الله هذه الحادثة نكالًا؛ أي عقوبةً زاجرةً وعبرةً رادعة[5]، لا تقتصر دلالتها على الذين وقعت عليهم، بل تتجاوزهم إلى من كان حاضرًا بينهم ومن جاء بعدهم، حتى يكون ما جرى لهم سببًا في الاتعاظ والابتعاد عن مثل ذلك الاعتداء على حدود الله. وبذلك لا يعود ذكر حادثة السبت مجرد استحضار لعقوبة ماضية، وإنما يتحول إلى عبرة ممتدة يتعلم منها الآخرون.

وقوله تعالى: ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾ يفيد أن أثر هذه الحادثة لم يكن محصورًا في زمن وقوعها؛ بل كانت عبرتها حاضرة لمن عاصرها، وباقية لمن جاء بعدها. ثم خصّ الله المتقين بالذكر فقال: ﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾، لأن الموعظة لا ينتفع بها على الوجه المقصود إلا من يحمل في نفسه استعدادًا للاتعاظ، فينظر في عواقب المخالفة ويتجنب الوقوع فيها.

وهكذا يختتم السياق قصة الاعتداء في السبت ببيان الغاية من عرضها: العقوبة ردعٌ، والحادثة عبرة، والموعظة وسيلة للوقاية. وهذا ينسجم مع السياق السابق كله؛ فبعد ذكر الميثاق، ثم التولّي عنه، ثم الاعتداء على حدود الله، يلفت القرآن النظر إلى أن المقصود من استحضار هذه الوقائع هو الاتعاظ والالتزام، لا مجرد معرفة ما وقع للأمم السابقة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]  كلُّ نبيٍّ رسول، ولكن ليس كلُّ رسول نبيًّا، كما يظهر من الآيات الواردة في سياق الحديث عن الرسل، ومنها [الشعراء 106، 123، 141، 176]. وسواء أكان الرسول نبيًّا أم لم يكن، فإن الله تعالى ينصر رسله جميعًا، ويحميهم من أعدائهم، كما تدل على ذلك آيات منها [المائدة 67، يونس 102-103، الأنبياء 7-9، الصافات 171-173].

ويجمع القرآن بين وصف بعض المصطفين من عباد الله بالنبوة والرسالة، كما قال عن إسماعيل عليه السلام: ﴿وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾ [مريم: 54]. والنبي هو الذي اصطفاه الله وأوحى إليه، وقد قرن القرآن النبوة بالكتاب والحكم في مواضع متعددة، أما الرسول فهو المبعوث المكلّف بتبليغ ما أرسله الله به.

وفي قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: 160] جاء لفظ المرسلين بصيغة الجمع، مع أن المذكور في القصة هو لوط عليه السلام. ويمكن حمل ذلك على أن تكذيب رسول واحد هو تكذيب لما جاءت به الرسل جميعًا من أصل التوحيد والهداية، فلا يلزم من صيغة الجمع أن يكون هناك رسل آخرون أُرسلوا إلى قوم لوط.

[2]  المقصود بالكتاب هنا ما آتاه الله تعالى لموسى عليه السلام، وقد يَرِد لفظ التوراة في القرآن للدلالة على الكتاب الذي كان عند بني إسرائيل. أما القول بأن التوراة بمعناها الاصطلاحي تشمل مجموع الكتب التي أُعطيت لأنبياء بني إسرائيل من موسى إلى عيسى عليهم السلام، فهو اصطلاح يحتاج إلى التفريق بين الكتاب المنزل على موسى وبين مجموع الأسفار والكتب المنسوبة إلى أنبياء بني إسرائيل في مراحل لاحقة.

[3]  تذكر بعض المصادر اليهودية القديمة، ومنها التلمود في موضع Shabbat 88a، رواية قريبة في أصل الصورة من رفع جبل سيناء فوق بني إسرائيل عند أخذ العهد، مع اختلاف الرواية والتفسير؛ ولذلك يمكن الإشارة إليها بوصفها شاهدًا على وجود هذا التصور في التراث اليهودي، لا بوصفها مصدرًا لإثبات معنى الآية القرآنية.

[4]  جاء في سفر التثنية ضمن الأحكام المتعلقة بالسبت أن يُحفظ اليوم السابع ويُقدَّس، وألا يُمارس فيه العمل، بما يشمل أفراد الأسرة والخدم والدواب والغريب المقيم بينهم (التثنية 5: 12-14). ويستأنس بذكر هذا النص في بيان أصل الحكم الذي كان معروفًا في شريعتهم، مع بقاء القرآن هو المرجع في بيان الحادثة ودلالتها.

[5]  كلمة «نكالًا» تدل على العقوبة التي يكون فيها زجرٌ وردعٌ لغير صاحبها، وعلى العبرة التي تمنع من تكرار الفعل. وقد استُعملت الكلمة بهذا المعنى في قوله تعالى: ﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى﴾ [النازعات: 25]، في سياق الحديث عن فرعون؛ فالعقوبة التي نالهَا لم تكن جزاءً عليه وحده، بل كانت أيضًا عبرةً رادعة لمن يعتبر بها. فـ «نكالًا» و«موعظة» تعبيران متكاملان: الأول يبرز أثر العقوبة في الردع، والثاني يبرز أثر الحادثة في إصلاح سلوك من يتعظ بها.

أضف تعليقا

تصنيفات

Your Header Sidebar area is currently empty. Hurry up and add some widgets.