حبل الله
تفسير الآيات 67-74 من سورة البقرة

تفسير الآيات 67-74 من سورة البقرة

﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [البقرة: 67] 

بعد أن ذكَّرت الآيات السابقة بني إسرائيل بما وقع منهم من نقض العهود، وتكذيب الأنبياء، ومخالفة ما أُمروا به، تنتقل الآيات إلى واقعة أخرى تكشف جانبًا من موقفهم من أمر الله، وما كان في نفوسهم من آثار المعتقدات والعادات التي حملوها معهم من مصر. وفي هذا السياق يقول تعالى:  ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾، أي اذكر حين قال موسى لقومه إن الله يأمركم بذبح بقرة.

فالأمر في ذاته واضح ومباشر: ذبح بقرة. وكان مقتضى الامتثال أن ينفذوا ما أُمروا به دون تعقيد أو اعتراض، غير أنهم قابلوا هذا الأمر بالاستنكار، فقالوا: ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا﴾، أي أتسخر منا وتأمرنا بما لا معنى له على سبيل العبث والاستهزاء؟ ولم يكن هذا الاعتراض مجرد طلب للاستفهام عن حقيقة الأمر، بل يكشف عن استعدادهم لاستبعاد أن يكون هذا هو أمر الله، وعن صعوبة تقبّلهم لما يخالف ما ألفوه وما استقر في نفوسهم.

فأجابهم موسى عليه السلام بقوله: ﴿أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾، أي ألتجئ إلى الله وأعتصم به من أن أكون ممن يتصرفون بغير ما يليق، فيجعلون أمر الله موضع سخرية أو عبث. فهو ينفي عن نفسه أن يصدر عنه مثل هذا التصرف، لأن السخرية بأمر الله أو إيهام الناس بأن تكليفًا إلهيًا إنما هو موضع هزل تصرف لا يصدر عمن عرف مقام الله والتزم بأمره.

ويبدو أن هذا الأمر كان شديد الوقع عليهم بسبب ما بقي في نفوسهم من آثار البيئة المصرية التي عاشوا فيها زمنًا طويلًا. فقد عُرف في مصر القديمة تعظيم حيوانات مرتبطة بالعبادة، ومن أشهرها الثور أبيس (Apis)، كما عُرفت عبادة حتحور (Hathor) التي ارتبطت صورتها بالبقرة. وكان للثور أبيس مكانة بارزة في المعتقد المصري القديم.

ومن ثم يمكن فهم سبب استثقالهم للأمر في ضوء ما كان قد ترسخ في نفوسهم من تعظيم البقر وما يتصل به من معتقدات، ولا سيما أنهم عاشوا في مصر واختلطوا بمجتمعها زمناً طويلاً. فالمشكلة لم تكن في مجرد ذبح حيوان، وإنما في أن الأمر الإلهي اصطدم بموروث اعتقادي ونفسي لم يكن من السهل عليهم التخلص من آثاره.

ويؤيد هذا المعنى ما سيأتي في سياق القصة؛ إذ لم يبادروا إلى الامتثال، وإنما أخذوا يكثرون من الأسئلة عن البقرة: ما هي؟ وما لونها؟ وما صفاتها؟ حتى ضيّقوا على أنفسهم ما كان واسعًا في أصل الأمر. ثم انتهى بهم الأمر إلى تنفيذ ما أُمروا به، واختيار بقرة تحمل الصفات التي حددوها بأنفسهم. وفي سياق آخر من السورة يظهر مدى رسوخ هذا الأثر في نفوسهم، كما في قوله تعالى: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾ [البقرة: 93]، مما يكشف عن عمق التعلق بما سبق أن اتخذوه من مظاهر العبادة الباطلة.

وعليه، فإن افتتاح القصة بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ﴾ يحمل دلالة مهمة؛ فالمطلوب منهم أن يقدّموا أمر الله على ما استقر في نفوسهم من أعراف ومعتقدات، وأن يتخلصوا من بقايا الموروث الذي يحول بينهم وبين الامتثال. غير أن ترددهم وكثرة اعتراضاتهم ستكشف في الآيات التالية أن المشكلة لم تكن في غموض الأمر، وإنما في طريقة تعاملهم معه.

وقول موسى عليه السلام: ﴿أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ لا يعني بالضرورة أن الجاهل هو من يفتقر إلى المعرفة فحسب؛ فالجهل في الاستعمال القرآني والعربي أوسع من مجرد عدم العلم، وقد يطلق على التصرف الذي يخالف مقتضى الحكمة والصواب، وعلى الانقياد للهوى والانفعال بما لا ينبغي.

ومن ذلك قوله تعالى على لسان يوسف عليه السلام: ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [يوسف: 33]، فليس المقصود أنه سيكون فاقدًا للعلم، وإنما أن يستجيب لما لا ينبغي الاستجابة له، فيتصرف تصرفًا مخالفًا لما يقتضيه الحق والصواب.

وبناءً على ذلك، فإن استعاذة موسى عليه السلام من أن يكون من الجاهلين تتضمن نفيًا واضحًا لأن يكون أمره لهم بذبح البقرة صادرًا عن سخرية أو عبث أو استخفاف بهم. فموسى إنما ينقل إليهم أمر الله، ومن غير اللائق بمن اصطفاه الله برسالته أن يجعل أمرًا إلهيًا وسيلة للهزل أو الاستهزاء. ولذلك ردَّ اتهامهم له مباشرةً، وردّ الأمر إلى أصله: أمر الله الذي يجب أن يُتلقى بالجد والامتثال، لا بالسخرية والعبث.

وتكشف هذه الإجابة في الوقت نفسه عن فارق مهم بين موقف موسى وموقف قومه: فموسى ينطلق من التسليم لأمر الله، بينما ينظر قومه إلى الأمر من خلال ما اعتادوه وما استقر في نفوسهم، وهكذا تتدرج القصة في بيان أن كثرة الاعتراض والسؤال، حين لا تكون لحاجة حقيقية إلى الفهم، قد تحول الأمر البسيط إلى تكليف أشق على صاحبه.

﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ﴾ [البقرة: 68] 

لما أخبرهم موسى عليه السلام بأن الأمر من الله هو أن يذبحوا بقرة، ولم يقنعهم ذلك، انتقلوا إلى سؤال آخر يزيد الأمر تحديدًا، فقالوا:  ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ﴾، أي سل ربك أن يوضح لنا أيَّ بقرة يقصد، وما الصفات التي ينبغي أن تكون عليها. وكان مقتضى الأمر الأول أن يذبحوا بقرة دون حاجة إلى هذا الاستقصاء، لكنهم لم يبادروا إلى التنفيذ، بل جعلوا السؤال يتسع بعد أن كان التكليف في أصله واضحًا.

فأجابهم موسى بما أخبره الله به: ﴿إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾، أي إنها ليست بقرة هرمة قد تقدمت في السن، وليست صغيرة حديثة السن، وإنما هي عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ، أي متوسطة العمر بين الحالين. وهكذا جاءهم البيان بقدر ما سألوا، فحددت لهم السن المطلوبة تحديدًا يرفع الإشكال.

غير أن موسى عليه السلام لم يكتفِ ببيان الصفة، بل أعاد توجيههم إلى أصل القضية بقوله: ﴿فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ﴾؛ أي لا تجعلوا كثرة السؤال سببًا لمزيد من التأخير، بل بادروا إلى تنفيذ أمر الله الذي بُلِّغتموه. فالغاية ليست الوصول إلى أدق التفاصيل الممكنة، وإنما الامتثال لما أمر الله به.

وتكشف الآية بذلك عن خلل في طريقة تعاملهم مع التكليف؛ فبدل أن يتلقوا الأمر بالقبول والتنفيذ، أخذوا يبحثون عن تفاصيل لم تكن مطلوبة منهم ابتداءً. وكلما سألوا عن صفة جاءهم الجواب بصفة إضافية، حتى صار مجال الاختيار أضيق مما كان عليه في البداية. ومن هنا يأتي تأكيد موسى: ﴿فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ﴾، ليعيدهم من دائرة الاستفهام المتكرر إلى دائرة العمل والامتثال.

والآية تربي المكلف على أن الأصل في أوامر الله هو الامتثال، وأن طلب البيان إنما يكون بقدر الحاجة إلى فهم التكليف والعمل به، أما تحويل الواضح إلى سلسلة متتابعة من الأسئلة التي تؤدي إلى زيادة القيود، فإنه قد يبعد الإنسان عن المقصود الأصلي من الأمر. ولهذا جاء ختام الآية حاسمًا: ﴿فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ﴾؛ أي اتركوا التردد والجدال، وانتقلوا إلى العمل.

﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا، قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾ [البقرة: 69] 

ومع أن موسى عليه السلام كان قد بيّن لهم في الآية السابقة أن البقرة المطلوبة ليست مسنّة ولا صغيرة، وإنما متوسطة بين ذلك، وأمرهم بعد ذلك صراحةً أن يفعلوا ما أُمروا به، فإنهم لم يبادروا إلى التنفيذ، بل واصلوا السؤال عن صفات البقرة، فقالوا: ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا﴾، أي سل ربك أن يوضح لنا لونها أيضًا. وهكذا انتقلوا من السؤال عن سنّها إلى السؤال عن لونها، فكلما حصلوا على بيان لصفة، طلبوا بيان صفة أخرى.

فأجابهم موسى عليه السلام بما أوحاه الله إليه: ﴿إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾، أي إنها بقرة صفراء شديدة الصفرة، واضح لونها زاهٍ مشرق، لا يشوبه ما يلتبس به وصفها. ثم قال: ﴿تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾، أي إن شدة صفرة لونها ونضارته تجعل منظرها باعثًا على السرور والإعجاب لمن ينظر إليها.

وهكذا أضيفت إلى البقرة صفة جديدة لم تكن مطلوبة منهم في بداية التكليف. فالأمر الأول كان بذبح بقرة، ثم لما سألوا عن سنّها حُددت بأنها متوسطة العمر، ولما سألوا عن لونها حُدد بأنها صفراء شديدة الصفرة. وتتابع الأسئلة بهذه الصورة يكشف أن تضييق مجال الاختيار لم يكن ناشئًا عن غموض في أصل التكليف، وإنما جاء نتيجة إصرارهم على طلب مزيد من التحديد.

ولذلك فإن قوله تعالى: ﴿تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾ لا يقتصر على بيان لون البقرة، بل يكمّل وصفها ويجعل صورتها أكثر تحديدًا وتمييزًا؛ فهي ليست صفراء فحسب، وإنما صفراء زاهية واضحة اللون، ذات منظر يلفت النظر ويبعث السرور. وبذلك أصبحت البقرة المطلوبة ذات صفات متعينة يصعب انطباقها على كل بقرة، بعد أن كان الأمر في بدايته أوسع وأيسر.

﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ ﴾ [البقرة: 70] 

ومع ذلك كله، لم ينتهِ ترددهم، فعادوا إلى موسى عليه السلام بسؤال جديد، فقالوا: ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ﴾. وقد سبق أن سألوا عن سنّها، ثم عن لونها، فجاءهم البيان في المرتين، ومع ذلك رأوا أن الصفات التي ذُكرت لهم لا تكفيهم للوصول إلى البقرة المقصودة، فقالوا: ﴿إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾، أي إن أمر البقر قد اختلط علينا ولم نعد نستطيع أن نميز البقرة التي تنطبق عليها هذه الصفات.

ولفظ ﴿الْبَقَرَ﴾ جاء معرفًا، وهو ما ينسجم مع كون البحث قد انصرف في هذه المرحلة إلى بقرة معينة ذات صفات محددة، لا إلى جنس البقر على وجه العموم. أما قوله تعالى: ﴿تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾ فيحمل معنى الالتباس الناشئ عن وجود شبه بين الأشياء، بحيث يستحضر أحدها الآخر في الذهن، فيصعب التمييز بينها أو تعيين المقصود منها.

ومن هذه الزاوية يمكن فهم ما أحدثته الصفات التي ذكرها موسى عليه السلام في أذهانهم؛ فكلما ازدادت صفات البقرة تحديدًا، أخذت تقرّب في أذهانهم صورةً يعرفونها من ماضيهم، ولا سيما ما كان مرتبطًا بالبيئة المصرية التي عاشوا فيها وما حملوه منها من آثار ومعتقدات. وقد تكون هذه الصفات قد استحضرت في نفوسهم صورة الثور أبيس الذي كان معروفًا عند المصريين ومحل تعظيم لديهم، فكأن أوصاف الحيوان الذي طُلب منهم ذبحه بدأت تستدعي إلى أذهانهم الحيوان الذي ارتبط في ماضيهم بالتقديس والتعظيم.

ولا يلزم من ذلك أن يكون المقصود بالآية أن البقرة المطلوبة كانت هي نفسها على صورة أبيس أو أنها كانت مطابقة له في كل صفاته؛ وإنما المقصود أن التشابه في الأوصاف أو الصورة الذهنية قد يكون هو الذي جعلهم يستحضرون ما ألفوه من قبل. وهذا ينسجم مع السياق العام للقصة، الذي يكشف أن التخلص من آثار المعتقدات القديمة لم يكن أمرًا يسيرًا، وأن ما ترسخ في النفوس قد يبقى حاضرًا حتى بعد الانتقال من بيئة إلى أخرى.

ثم ختموا كلامهم بقولهم: ﴿وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾، أي إننا، إن شاء الله، سنهتدي إلى البقرة المطلوبة ونصل إلى تعيينها على الوجه الصحيح. وفي هذا التعبير إقرار بأن الوصول إلى الصواب لا يكون إلا بمشيئة الله، وإن كان السياق يكشف في الوقت نفسه أنهم ما زالوا يؤخرون التنفيذ بطلب مزيد من البيان.

ومن ثم لا تنفصل هذه الآية عن مقصد القصة كله؛ فهي تبيّن أن الإشكال لم يكن في غموض الأمر الإلهي من بدايته، وإنما في موقفهم منه وطريقة تعاملهم معه، إذ ظلوا يطلبون مزيدًا من التحديد حتى صار ما كان أمرًا واسعًا في أول الأمر أمرًا محصورًا في بقرة ذات صفات دقيقة.

﴿قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا، قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ ﴾ [البقرة: 71] 

وبعد أن سألوا عن سن البقرة ولونها، ثم عادوا يطلبون مزيدًا من البيان بحجة أن البقر قد تشابه عليهم، جاءهم موسى عليه السلام بالصفة الأخيرة التي تحسم الأمر، فقال: ﴿إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ﴾، أي إنها بقرة لم تُذلَّل للعمل، فلم تُستخدم في إثارة الأرض بالحراثة، ولم تُستعمل في سقي الزرع[1]، فهي ليست من البقر الذي اعتاد الناس استخدامه في الأعمال الزراعية، وإنما بقيت غير مستعملة في ذلك.

ثم أضاف: ﴿مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا﴾، أي إنها سليمة من العيوب والآثار التي تميز لونها، وليس في لونها بقعة أو علامة تخالف سائر لونها. وبهذه الصفات اكتمل الوصف الذي كانوا يطلبونه، وأصبحت البقرة محددة بخصائص متتابعة: متوسطة السن، شديدة الصفرة، تسر الناظرين، غير مذللة للعمل، ولا تستعمل في حراثة الأرض أو سقي الزرع، وليس في لونها ما يخالفه.

وعند هذه النقطة قالوا: ﴿الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾، أي الآن اتضح لنا المقصود واتصف البيان بصفات تمكننا من تعيين الحيوان المطلوب. ويكشف هذا القول عن أنهم لم يكونوا يتعاملون مع الأمر منذ بدايته على أنه تكليف واضح ينبغي تنفيذه، بل ظلوا يطلبون مزيدًا من التحديد حتى لم يبق مجال كبير للاشتباه. فكأنهم لم يطمئنوا إلى الأمر إلا بعد أن أصبح الوصف شديد الدقة.

ثم قال تعالى: ﴿فَذَبَحُوهَا﴾، أي إنهم امتثلوا في النهاية للأمر وذبحوا البقرة التي انطبقت عليها الصفات المذكورة، ﴿وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾، أي أنهم كانوا قريبين من ألا ينفذوا الأمر أصلًا، لشدة ما أبدوه من تردد ومماطلة وكثرة سؤال. ومع ذلك انتهت القصة إلى التنفيذ، فظهر أن المشكلة لم تكن في استحالة الامتثال، وإنما في موقفهم من الأمر وطريقة تعاملهم معه. وبذلك تنتهي مرحلة السؤال والاعتراض إلى مرحلة الفعل، لكن ختام الآية يبقي أثر التردد حاضرًا حتى اللحظة الأخيرة، ليؤكد أن كثرة الأسئلة لم تكن طريقًا إلى سرعة الامتثال، بل كشفت مقدار ما كان في نفوسهم من التردد تجاه الأمر.

﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ ﴾ [البقرة: 72] 

وبعد أن عرضت الآيات السابقة تفاصيل الأمر بذبح البقرة، وما صاحب ذلك من كثرة السؤال والتردد، تكشف هذه الآية عن وجه آخر لتهربهم من المسؤولية، فتقول: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾، أي اذكروا حين قتلتم نفسًا، ثم اختلفتم في شأنها، وأخذ كل فريق منكم يدفع التهمة عن نفسه ويحاول إلقاءها على غيره، فتدافعتم وتخاصمتم بشأن معرفة القاتل وحقيقة ما وقع.

فالآية لا تكتفي بذكر وقوع القتل، وإنما تلفت النظر أيضًا إلى ما أعقبه من محاولة إخفاء الحقيقة والتخلص من المسؤولية؛ إذ إن قوله تعالى ﴿فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾ يدل على التدافع والاختصام، بحيث يدفع بعضكم عن نفسه ما نُسب إليه وينسب الأمر إلى غيره. وهكذا لم يكن الخلل في وقوع الجريمة وحده، بل امتد إلى الموقف الذي أعقبها، حين أصبح كشف الحقيقة محل نزاع ومحاولة للتستر.

ثم يأتي قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ ليقرر أن إخفاء الحقيقة لا يحول دون ظهورها؛ فما يكتمه الإنسان يمكن أن يبقى خافيًا عن الناس مدة، لكنه لا يخفى على الله، الذي يُظهر ما أُخفي ويكشف ما ستُر عن أعين الناس. وفي هذا السياق يظهر أن ما حاولوا كتمانه بشأن حادثة القتل لن يبقى مستورًا، وأن الله سيُظهر الحقيقة بالطريقة التي يبينها السياق في الآية التالية.

وبذلك يتبين أن ختام الآية بقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ ليس مجرد تهديد بكشف ما أخفوه، بل هو تمهيد لما سيأتي من إظهار الحقيقة بالفعل؛ فبعد أن عجزوا عن الوصول إلى القاتل واختلفوا في شأنه، جاء أمر الله ليكشف ما حاولوا ستره، ويجعل هذه الحادثة درسًا لهم في أن الحقيقة لا تضيع بكتمانها، وأن ما يخفى على الناس لا يخفى على الله.

﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: 73] 

وبعد أن أخبر الله تعالى عن حادثة القتل وما أعقبها من تدافع بينهم ومحاولة كتمان الحقيقة، وبيّن أن ما أخفوه سيظهر، يأتي البيان الإلهي الذي يكشف كيفية إظهار تلك الحقيقة، فيقول: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا﴾.  يعود الضمير في ﴿بِبَعْضِهَا﴾ إلى بدن القتيل، فيكون المعنى: خذوا الجزء الذي انفصل عن جسد القتيل، فأعيدوه إلى موضعه وألحقوه ببدنه، ليظهر بذلك ما أراد الله إظهاره من حقيقة الأمر.

وعلى هذا، لا تكون الآية بصدد الأمر بضرب الميت بجزء من البقرة، كما ذهب إليه كثير من كتب التفسير ، وإنما يكون الحديث متصلًا بحادثة القتل نفسها التي عرضتها الآية السابقة. فبعد قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾ يأتي الأمر هنا في سياق معالجة أمر القتيل وإظهار ما خفي من حقيقة الحادثة.

ويؤيد هذا الفهم، أن القرآن حين يتحدث عن البعث وإحياء الموتى في المواضع الأخرى لا يجعل ضرب الميت بجزء من حيوان قاعدة عامة لإعادة الحياة، وإنما يبين قدرة الله على إعادة خلق الإنسان وتركيب أجزائه. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا﴾ [البقرة: 259]، ثم قوله: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ [المؤمنون: 14]، وقوله بعد ذلك: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَٰلِكَ لَمَيِّتُونَ . ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: 15–16].

أما قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى﴾، فهو يربط هذه الواقعة بالمبدأ الأكبر الذي أراد الله أن يلفت أنظارهم إليه، وهو أن الموت ليس نهاية قدرة الله على الإنسان؛ فالذي يقدر على إعادة ما تفرّق من أجزاء الجسد وإظهار الحقيقة من خلال ذلك، قادر على إعادة خلق الموتى وبعثهم. فالواقعة المشهودة تصبح آية محسوسة تقرّب إلى عقولهم إمكان البعث الذي قد يستبعده من لا يتدبر قدرة الله.

ومن المهم هنا أن لفظ ﴿اضْرِبُوا﴾ لا يلزم أن يحمل في كل موضع معنى الإيذاء أو الضرب بمعناه المتبادر في الاستعمال المعاصر؛ فأصل مادة ض ر ب يدل على إيقاع شيء على شيء أو إحداث صلة بينهما، وتتحدد دلالته الدقيقة بحسب السياق وما يتعلّق به الفعل. ومن ثم فإن فهم اللفظ هنا ينبغي أن يراعي السياق الكامل للآية، لا أن يُحمَل مباشرة على معنى الضرب المادي العنيف.

وهكذا يكون المشهد متصلًا بما سبقه اتصالًا وثيقًا: قتلٌ وقع، ثم تدافعٌ في المسؤولية، ثم كتمانٌ للحقيقة، ثم تدخّلٌ إلهي لإظهار ما أخفوه. وبذلك لا تنتهي القصة بمجرد الكشف عن القاتل أو إظهار حقيقة الحادثة، وإنما تتحول الواقعة نفسها إلى آية من آيات الله؛ ولذلك قال تعالى: ﴿وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾.

فالغاية ليست مجرد وقوع أمر خارق أمام أعينهم، وإنما أن يستعملوا عقولهم فيما رأوه، وأن يدركوا ما وراء الآية من الدلالة. ولهذا ختم الله الآية بقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾، أي لكي تتدبروا هذه الآيات وتصلوا من المشاهدة إلى الحقيقة التي تدل عليها. فالآية المحسوسة ليست غاية في ذاتها، وإنما هي وسيلة إلى إعمال العقل وفهم سنن الله وقدرته.

ومن هنا تتجاوز دلالة القصة حادثة القتل الخاصة إلى قضية أوسع: إمكان إحياء الموتى وإعادة الخلق. فالقرآن لا يدعو الإنسان إلى قبول الآيات بمعزل عن التفكير، بل يلفت نظره إليها ثم يدعوه إلى التعقل والتدبر. ولذلك جاء التعبير: ﴿وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾، لتبقى العبرة مرتبطة بإعمال العقل في دلالة ما يراه الإنسان، لا بمجرد مشاهدة الحدث.

﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: 74] 

بعد أن عرضت الآيات السابقة ما رأوه من آيات الله، وما شاهدوه من إظهار الحقيقة بعد أن حاولوا كتمانها، كان المتوقع أن تؤدي هذه المشاهد إلى إيقاظ قلوبهم وردّهم إلى الحق. لكن النتيجة جاءت على خلاف ذلك، فقال تعالى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾، أي إن قلوبهم لم تلبث أن عادت إلى القسوة بعد تلك الآيات، فلم تنفعهم المشاهدة، ولم تحملهم البراهين على الاستجابة.

ثم يبين الله شدة هذه القسوة بقوله: ﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾. وليس المقصود مجرد تشبيه القلب في صلابته المادية بالحجر، وإنما بيان أنه بلغ من الجمود والإعراض مبلغًا جعل الحجر نفسه يبدو، في بعض أحواله، ألين استجابةً وأظهر تأثرًا من هذه القلوب. ولذلك لم يكتفِ الآية بوصف ﴿كَالْحِجَارَةِ﴾، بل قال: ﴿أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾.

ثم تأتي المقارنة القرآنية اللافتة: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ﴾، أي إن من الحجارة ما تنفلق منه منابع الماء الغزير وتتدفق منه الأنهار، ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ﴾، ومنها ما يتشقق فتخرج منه المياه، ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾، أي إن منها ما يهبط من موضعه خضوعًا وخشيةً لله.

وهنا تظهر دقة المقارنة: فالحجارة، مع ما يبدو في ظاهرها من الجمود والصلابة، ليست على حال واحدة، بل منها ما يكون مصدرًا للماء، ومنها ما ينفتح عن الماء، ومنها ما يهبط من خشية الله؛ أما هؤلاء فقد شاهدوا الآيات، وقامت أمامهم البراهين، ثم بقيت قلوبهم قاسية لا تستجيب. ولذلك جاء التشبيه ليكشف أن القسوة الحقيقية ليست في صلابة المادة، وإنما في إغلاق القلب عن الحق بعد قيام الدليل.

وتفتح هذه الآية كذلك بابًا واسعًا للتأمل في علاقة الموجودات بأمر الله؛ فالقرآن لا يعرض العالم المادي على أنه عالم خالٍ من كل إدراك أو استجابة، وإنما يبين أن للمخلوقات أحوالًا من التسبيح والخضوع والاستجابة يعلم الله حقيقتها، وإن كانت كيفية ذلك مما لا يحيط به الإنسان علمًا. فالله تعالى يقول: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: 44]، ويقول: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾ [النور: 41].

ولهذا لا يصح حصر الإدراك والتسبيح في الصورة التي يعرفها الإنسان من الكلام والوعي البشري؛ فالقرآن يقرر أن للمخلوقات طرائق من المعرفة والتسبيح والاستجابة لا يحيط الإنسان بكيفيتها. وقد ضرب القرآن لذلك أمثلة متعددة؛ فالسماوات والأرض استجابتَا لأمر الله حين قال لهما: ﴿ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾، فقالتا: ﴿أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: 11]، والأرض والسماء استجابتا لأمر الله في قصة الطوفان: ﴿يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي﴾ [هود: 44]، والنار استجابت لأمره حين قال لها: ﴿يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء: 69].

كما يبين القرآن أن الموجودات تتأثر بما يجري في هذا العالم على نحو لا يلزم أن يكون مماثلًا لشعور الإنسان وإدراكه؛ قال تعالى في وصف أثر قولهم في شأن اتخاذ الرحمن ولدًا: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا﴾ [مريم: 90]. وقال عن الجبل: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَٰذَا الْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [الحشر: 21]. وهذه الآيات لا تجعلنا قادرين على تحديد الكيفية التي تدرك بها هذه المخلوقات أو تستجيب، لكنها تمنع اختزالها في مجرد الجمود الذي يتصوره الإنسان عن المادة.

ومن هذا المنظور يمكن فهم قوله تعالى في هذه الآية: ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ على أنه جزء من البيان القرآني لحال المخلوقات أمام ربها؛ فالله وحده يعلم حقيقة هذه الخشية وكيفيتها، لكن القرآن يخبرنا عنها ويجعلها حجة على الإنسان. فإذا كانت بعض الحجارة تهبط من خشية الله، فإن قسوة قلب الإنسان بعد قيام الآيات عليه تكون أشد استحقاقًا للعتاب؛ لأنه أوتي عقلًا وقدرةً على الفهم والتدبر، ثم أعرض عن مقتضى ما رأى.

ولذلك ختم الله الآية بقوله: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾، وهي خاتمة تحمل تهديدًا واضحًا بالتبعة والمسؤولية؛ فهذه القلوب وإن أغلقت نفسها عن الحق، فإن أعمال أصحابها ليست مجهولة ولا مهملة عند الله. وقد شاهدوا الآيات، وبلغتهم البينات، ثم استمروا في سلوكهم، والله محيط بما يعملون وسيحاسبهم عليه.

وهكذا تأتي هذه الآية خاتمةً قوية لمقطع قصة البقرة: أمرٌ إلهي، ثم اعتراض وأسئلة متتابعة، ثم ظهور الحقيقة، ثم آية يشاهدونها، ومع ذلك تقسو القلوب. فالمشكلة لم تعد نقصًا في الأدلة، وإنما أصبحت في موقف الإنسان من الدليل؛ إذ يمكن للآية أن تُرى، وللبرهان أن يقوم، ومع ذلك لا ينتفع به القلب إذا أغلق نفسه عن الحق.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]  قوله تعالى: ﴿بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ﴾ يتضمن وصفًا دقيقًا لحال هذا الحيوان؛ فهي ليست بقرة قد اعتادت العمل حتى أصبحت مذللة له، بل حيوان صالح بطبيعته لهذا النوع من الاستخدام، لكنه لم يُستعمل فيه. ومن الناحية اللغوية، فإن لفظ ﴿بَقَرَة﴾ اسم مفرد يدل على واحد من جنس البقر، وهو من الجذر ب ق ر. أما استعمال الأفعال بصيغة التأنيث، كما في ﴿تُثِيرُ﴾ و﴿تَسْقِي﴾، فمرده إلى مراعاة التأنيث اللفظي في كلمة ﴿بَقَرَة﴾، إذ إن الاسم مؤنث في اللفظ، ولا يلزم من ذلك وحده أن يكون الحيوان أنثى من الناحية البيولوجية. ولذلك ينبغي ألا يُبنى على صيغة الفعل وحدها تحديد جنس الحيوان المقصود. وهذا التفصيل اللغوي مهم في فهم السياق؛ لأن المقصود الأساسي في الآية ليس بيان جنس الحيوان، وإنما بيان صفاته التي جعلت تعيينه ممكنًا، ولا سيما أنه لم يكن مذللًا للعمل، ولم يكن قد استُخدم في حراثة الأرض أو سقي الزرع، وكان لونه خالصًا لا شية فيه.

أضف تعليقا

تصنيفات

Your Header Sidebar area is currently empty. Hurry up and add some widgets.