السؤال:
آسفةٌ على طرحِ أسئلةٍ بخصوص القراءات، ولكني مهتمةٌ بها منذ سنوات؛ لوجود شكٍ في أنها حرّفت المعاني الجوهرية، ولكني بفضل الله حتى يومنا هذا لم أجد إلا اختلافاتٍ في تفاصيلَ بسيطةٍ لا تؤثر على المعنى الجوهري ولا العام، ولا الأحكام، ولا الحلال والحرام. وكيف لها أن تفعل ذلك وهناك سياق الآية نفسها؟ والكلمة مثبتة في المصحف المكتوب دون تشكيلٍ وتنقيطٍ، وأيضًا سياق الآيات ما قبلها وما بعدها، كل ذلك يقوي عدم التحريف لأن السياق سيد المعنى.
ولكن هناك قراءة قد أكون محتارةً فيها بدون قصد، أو هي أسهل مما أتخيل، في قوله تعالى: ﴿ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَىٰ وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ [غافر: 26] بعض الأمصار كانوا يقرؤونها: ﴿يُبَدِّلَ دِينَكُمْ وَأَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾.
هل هذا يؤدي إلى تغيير المعنى العام الجوهري في أن فرعون يخاف من موسى أن يبدل دين الناس، وبالتالي هذا فساد في الأرض بالنسبة له؟ أم المراد واحد؟
هل يتغير المعنى الجوهري بين (أو) و(الواو) في الآية؟
الجواب:
لا يوجد أي تغيير في المعنى الجوهري العام، بل إن القراءتين تصبان في نفس النتيجة دون أي تضارب وتكشفان عن نفس العقلية الطاغوتية لفرعون.
- قراءة (أَوْ): تفيد “التنويع والتقسيم” في المخاوف، فرعون هنا يمارس سياسة التخويف ويقول لقومه: إن موسى يمثل خطرين: إما خطر عقائدي ﴿أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ﴾ أو خطر أمني مجتمعي ﴿أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ بالثورة والخروج عن النظام فينشر الفساد والاضطراب في البلاد.
- قراءة (وَ): تفيد “مطلق الجمع” فرعون هنا يجمع الخطرين معًا في جملة واحدة، فهو يخاف من الأمرين معًا: تبديل الدين و إحداث الفساد في الأرض.
أين وجه الاتحاد في المعنى الجوهري؟
في كلتا القراءتين، المقصود واحد لا يتجزأ: فرعون يرى دعوة موسى عليه السلام تهديدًا لملكه واستقرار مجتمعه، ويحاول إقناع قومه بأن موسى مخرب ومفسد (سواء جمع بين الأمرين بالواو، أو نوّع بينهما بأو).
لذلك، صدق حدسكِ تمامًا؛ السياق المحكم للآية يمنع أي تحريف أو خروج عن المعنى العام، واختلاف القراءات هنا مبنية على التنوّع والتكامل لا على التضاد والتناقض؛ فالقراءات لا تكذب بعضها بعضاً، بل يشد بعضها بعضاً لتكشف عن جوانب متعددة للمعنى البلاغي أو الإعجازي أو التشريعي في نفس الآية.
*وللمزيد من التفصيل في هذا الموضوع يرجى الاطلاع على المواضيع التالية:


أضف تعليقا