السؤال:
أنا مؤلفة و رسامة أعمل على صناعة المانهوا (الويبتون) وروايات الويب، لكنني وصديقاتي الرسامات و المؤلفات نسعى لنشر القيم الحميدة_ الحمد لله_ من قصصنا الخيالية. وسؤالي حول شخصية قمت بكتابتها سابقاً قبل أن أقرأ في حكم الأسرى في الإسلام، و الحمد لله أسعى لتوضيح ما تعلمته ضمن سياق القصة والأحداث وتوضيح الجانب الإنساني الراقي في معاملة الأسرى نساء و رجالا وتوضيح أنهم من أفراد الأسرة و ليسوا للاستغلال بشتى أنواعه.
سؤالي الأول: إذا كان الشخصية أمير يمكنه الزواج بامرأة حرة لكن مملكته وقعت في حرب مع مملكة (كافرة) لا عهد لها، فقامت بأسر المدنيين و بيعهم في سوق نخاسة، لكنه لاحقاً قام بافتداء الأسرى من مملكته عن طريق شرائهم و تحريرهم ثم تزوج من إحداهن لأنه كان يعرفها حق المعرفة (فقد كانت من العائلة المالكة لكن تم أسرها ثم قام بشرائها وحررها.) هل هذا الوضع صحيح؟ أم أنني خالفت شيئاً ما دون قصد؟.
السؤال الثاني: إذا كان الأسير شابا حرره الملك، ثم قام الأسير الذي تحرر بالعمل حتى علا شأنه و كسب ثروة… فهل يمكنه الزواج بامرأة حرة؟ و في حالة أنه لم يستطع فقام الملك بتحرير جارية وساعدهما على الزواج… فهل هذا الوضع صحيح أيضاً؟
آسفة على الإطالة لكنني أردت أن أتأكد من عدم نشر السلوكيات الخاطئة بين الشباب و الأجيال الحديثة، بل أريد نشر الوعي الصحيح عن ديننا بطريقة غير مباشرة و بسيطة و شكراً مقدماً.
الجواب:
يظهر من السؤال حرص واضح على تقديم صورة منضبطة وعادلة، وهذا بحد ذاته مهم جدًا عند كتابة أعمال تؤثر في الناس. سنجيب عل السؤال بشكل فقهي مبسّط:
أولًا: مسألة الأمير والمرأة الأسيرة
الصورة التي ذكرتِها في أصلها ليست مخالفة إذا روعيت ضوابط مهمة، ومن ذلك:
إذا قام الأمير بشراء الأسيرة بقصد تحريرها ثم أعتقها فعلًا، فهي بعد العتق تصبح امرأة حرة تمامًا، لها كامل الأهلية.
بعد ذلك يجوز له الزواج منها بعقد زواج شرعي جديد وبموافقتها، ولا إشكال في ذلك. بل هذا الفعل (العتق ثم الزواج) له أصل معروف في الفقه، ويُعد من صور الإحسان.
وهذا الأصل دل عليه قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ، فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ، وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ ﴾ [النساء: 25]
وقوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ، إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ، وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور: 32] .
وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج من صفية بنت حيي رضي الله بعد أن أعتقها وجعل عتقها صداقها، وهو أصل صريح في جواز العتق ثم الزواج، بل في استحباب الإحسان إلى الأسير ورفع منزلته. وقد تقرر كذلك أن عتق الرقاب من القربات العظيمة كما في قوله تعالى:
﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ. وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ. فَكُّ رَقَبَةٍ ﴾ [البلد: 11-13]
وأما ما ذكر من حسن معاملة الأسرى[1] فإن الشريعة قد قررت ذلك بنصوص ظاهرة من الكتاب كقوله تعالى:
﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا ﴾ [الإنسان: 8]
فجعل الأسير محل إحسان وإطعام. وقوله تعالى:
﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ﴾ [محمد: 4]
وهو يدل على مشروعية إطلاق الأسرى أو فدائهم ومنع الاستغلال والعدوان عليهم.
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يوصى بالأسرى خيرًا، فكان الصحابة رضي الله عنهم يحسنون إليهم التزاما بوصية الله ورسوله.
أما الذي ينبغي إبرازه في القصة:
أن الزواج لا يكون وهي مملوكة، بل بعد تحريرها، وأن رضاها واختيارها معتبران، وأن التحرير لم يكن وسيلة للاستغلال، بل إحسانًا حقيقيًا.
بهذا تكونين قد قدّمتِ صورة راقية ومتوافقة مع روح الشريعة.
ثانيًا: الأسير الذي تحرر ثم يريد الزواج
إذا تم تحرير الأسير، فهو يصبح حرًا كامل الحقوق، ولا فرق بينه وبين غيره، ويجوز له الزواج من امرأة حرة بلا إشكال إذا توفرت شروط الزواج المعتادة، من الولي والرضا والمهر والشاهدين، ولا يوجد في الشرع ما يمنع ذلك، بل الأصل الإباحة، وقد قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾ [النحل: 72] .
فإن عجز عن مؤونة النكاح جاز لغيره أن يعينه على ذلك أو أن ييسر له الزواج، ومن ذلك أن يعتق جارية ثم يزوجه منها بعد رضاها بعقد النكاح الصحيح، وهذا داخل في عموم الترغيب في العتق والإعفاف وقد قال تعالى: ﴿وَأَنكِحُوا الْأَيَامَىٰ مِنكُمْ﴾ وهو أمر بتيسير الزواج لغير المتزوجين، كما أن إعانة المحتاج على النكاح من وجوه البر.
وبالجملة فإن هذه الصور إذا ضبطت بالعتق الحقيقي وانتفاء الإكراه ووجود الرضا وعقد النكاح الصحيح فهي موافقة لأصول الشريعة ومقاصدها في حفظ الكرامة الإنسانية وإشاعة العدل والإحسان.
أما الصورة الثانية:
أن يقوم الملك بتحرير جارية ثم يزوجها له، فهذا أيضًا جائز وصحيح، بل فيه تشجيع على العفة وتيسير الزواج، وهو أمر محمود شرعًا.
تنبيه مهم جدًا لعملك الأدبي:
حتى تكون رسالتك نزيهة وموافقة لروح الإسلام: لا تُصوَّر مسألة الرق كأمر مرغوب فيه أو طبيعي، بل كنظام تاريخي ضُيّق فيه الإسلام وفتح أبواب إنهائه (كالعتق والكفارات).
ركّزي على كرامة الإنسان وحسن معاملة الأسرى والسعي للتحرير . وابتعدي عن أي إيحاء بالاستغلال أو الإكراه، لأن هذا يخالف المقصد الشرعي.
الخلاصة
النصان المقترحان (السيناريوان) اللذان ذكرتِهما صحيحان في الجملة من الناحية الفقهية، بشرط التأكيد على: التحرير الحقيقي والرضا وعقد الزواج الصحيح.
*وللمزيد حول الموضوع ننصح بالاطلاع على المقالات والفتاوى التالية:
معالجة قصص الويب والمانهوا وإعادة نشرها
العمل في مجال الإنتاج الفني كالسينما والمسرح والإعلانات
هل النقد الفني أو الأدبي يعتبر من الغيبة أو السخرية المحرمة؟
استرقاق أسرى الحرب واتخاذ الجواري
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] انظر موقع حبل الله، مقالة: معاملة الأسير في الإسلام


شكرًا جزيلا و جزاكم الله كل خير
السلام عليكم
لقد أرسلت لكم سؤالاً منذ فترة ولم يصلني رد حتى الآن، وأنا الآن في انتظار إجابتكم. أرجو منكم التكرم بإخباري ما إذا كنتم ستجيبون على سؤالي أم لا، وإذا لم يكن بالإمكان الرد، فأرجو أن تخبروني بذلك بصراحة، حتى لا أبقى على أمل الانتظار دون جدوى.
وشكرا وجزاكم الله كل خير على ما تقدمونه للأمة.
وعليكم السلام ورحمة الله
سيتم الرد قريبا إن شاء الله تعالى