حبل الله
اسم الله المصور وتساؤلات حول الفن والإبداع

اسم الله المصور وتساؤلات حول الفن والإبداع

السؤال:

ما معنى اسم الله (المصور)؟ وهل يحق لنا ممارسة الفنون النافعة، وتصميم الألعاب وألعاب الفيديو، وكتابة القصص والروايات، ورسم المانجا، وإنتاج الرسوم المتحركة (الأنيميشن)؟

سبب سؤالي هو أنني شخصية بصرية بامتياز؛ أستوعب العالم من حولنا عبر رؤية الأشكال ومظاهر الناس والرسوم، كما أن ذاكرتي وتعلمي يعتمدان على البصر أكثر من السمع، ومنذ صغري وأنا فنانة أبتكر وأحب التجربة، وكانت لدي طموحات وأفكار كثيرة، لكنني أخاف من الوقوع في الذنب، رغم حاجتي إلى دخل مادي إضافي.

عندما ابتعدتُ عن الفن تعبتُ كثيراً، وأصبحتُ بلا هدف ولا شيء مفيد أبدع فيه، رغم أن الأفكار والقصص والتعابير تتوارد على ذهني باستمرار مع كل موجة إلهام دون أن أنفذها، أرى الناس تعمل وأتمنى رسم لوحة، لكنني أتحسر وأتعب بسبب الخوف والكلام المنتشر حول تحريم الفنون.

يقول الله تعالى في القرآن الكريم: (إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذباباً) والمقصود هنا الأصنام والأوثان التي كانت تُعبد. أما اليوم، فالإنسان اخترع الطائرات التي تشبه الطيور، والتكنولوجيا تطورت، فهل يجب أن أكون طبيباً أو مهندساً أو مخترعاً حتى يكون لي دور؟ وهل الفن محتكر فقط لغير المسلمين بينما نحن نبتعد عنه رغم وجود الكاميرات، الذكاء الاصطناعي، تقنيات الـ 3D، والأنمي؟

العالم اليوم في سباق مع الجودة، فالصور والكاميرات والذكاء الاصطناعي أصبحت جزءاً أساسياً في العروض التقديمية، المعاملات الحكومية، ومناهج الأطفال. بل إن الفن موجود منذ القديم في النقوش والكهوف، ولولاه لما عرفنا أشكال الحيوانات المنقرضة، أو أزياء الحضارات السابقة، أو فنون الحروب في العصور الوسطى (وبالطبع لا أقصد الفنون التي تتضمن طقوساً تعبدية أو محرمات شرعية).

فما هو المطلوب من المسلم في ظل كل هذا؟ وكيف نحدد الضوابط الشرعية الصحيحة للفن النافع؟

الجواب:

نرحب بالسائلة الكريمة ونطمئنها؛ فإن ما تشعرين به ويضيق به صدركِ ما هو إلا وساوس نابعة من ظنون ما أنزل الله بها من سلطان، واعلمي أن كل ما يراودكِ من حيرة وشكوك تجدين الجواب الشافي عنه في كتاب الله الذي قال تعالى فيه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: 57].

دلالة اسم الله “المصور” وحقيقة الصنع البشري

يتجلى اسم الله جل وعلا “المصور” في القرآن الكريم مقترناً بأفعال الخلق والتدبير المطلق الذي لا يشاركه فيه أحد: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى…﴾ [الحشر: 24] وتصويره سبحانه وتشكيله للمخلوقات هو إيجادٌ قائمٌ على القدرة الإلهية وإيداع الروح والحياة من العدم، كما قال سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: 6].

أما ما يصنعه الإنسان ويُشكّله من صور وفنون، فقد أشار القرآن الكريم إلى إمكانية إطلاق وصف “الخلق” عليه بمعناه اللغوي والمجازي الذي يعني التشكيل والتقدير، وذلك في قوله تعالى: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: 14]؛ فاستعمال صيغة الجمع “الخالقين” يُظهر أن هناك من يُقدّر ويصنع ويُشَكِّل، لكن الله سبحانه هو “أحسنهم” وأصلهم؛ لأن خلق الإنسان وابتكاره ليس إيجاداً من العدم، ولا يُقارن إطلاقاً بخلق الخالق الأعظم.

فالخالق والمبدع الحقيقي على الحقيقة هو الله جل جلاله الذي أوجد الكون على غير مثال سابق، كما قال سبحانه: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة: 117] أما الإنسان – حتى وإن وُصف بالخلق أو الابتكار – فإنه في جوهر عمله مقلِّدٌ ومحاكٍ ومستفيدٌ من الأصول والمظاهر والجمال الذي أودعه البديع في هذا الكون؛ فالفنان والمصمم لا يخلُق روحاً ولا يُنشئ مادة، بل يُعيد تركيب ما خلقه الخالق وعلّمه إياه من أشكال وألوان وأفكار.

التنوع في طرق التعلم وأهمية إعمال الموهبة البصرية

إن الله سبحانه وتعالى خلق البشر على أحوال متعددة وطبائع شتى، وجعل وسائل درايتهم وفهمهم للحياة متنوعة بتنوع أدوات الإدراك التي أودعها فيهم من السمع والبصر والتعقل.

والطبيعة من حولنا هي أكبر دليل وأوضح شاهد على هذا التعلم؛ فقد ملأ الله هذا الكون بآيات المشاهدة والتدبر، ودعا الإنسان إلى استخدام بصره في تأمل الطبيعة ومظاهرها المتنوعة ليتعلم ويدرك عظمته وصنعه، فقد أمر بالنظر إلى جمال السماء وزينتها فقال: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾ [ق: 6]، كما دعا إلى التأمل البصري في إخراج النبات وإيناعه فقال: ﴿انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ﴾ [الأنعام: 99]، ووجه الأبصار إلى تنوع ألوان الثمار وتضاريس الجبال فقال: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ ماءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ﴾ [فاطر: 27]، وأمر برؤية الطيور وسكناتها في الفضاء فقال: ﴿أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النحل: 79].

كما أن القصص هو أحد أهم أساليب التعلم والتربية والاستدلال في القرآن الكريم، حيث يعتمد على نقل الصور والمشاهد الذهنية لتأملها والاعتبار بها، كما قال تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ﴾ [يوسف: 3].

فقد جعل الله سبحانه وتعالى اختلاف هذه المواهب ووسائل الإدراك آية من آياته الباهرة، كما قال جل وعلا: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ﴾ [الروم: 22]؛ فاختلاف الألسنة والألوان هنا لا يقتصر فقط على ظواهر اللغات وألوان البشرة، بل يمتد ليشمل اختلاف المواهب، وتنوع طرائق التعبير، وتباين وسائل الإدراك بين البشر، ليكون هذا التنوع رافداً لعمق المعرفة الإنسانية وتكامل الحياة وإعمارها.

وبناءً على ذلك، فإن استخدامكِ للصور والرسوم كوسيلة لتوصيل الفكرة أو التعبير أو كسب العيش الحلال، هو أمر متطابق مع الفطرة؛ لأن الله سبحانه وتعالى لم يخلق الموهبة في الإنسان عبثاً أو سدى، والقول بتحريم هذه المواهب والقدرات البصرية هو نوع من نسب العبث إلى خلقه جل وعلا، وقد نزه الله نفسه عن ذلك فقال سبحانه: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: 115].

حقيقة المثل القرآني في “خلق الذباب” وضعف الوسائط

إن التدبر في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ [الحج: 73]، يكشف عن معنى إنساني وفكري واسع يتجاوز مجرد الحديث عن الحجارة والأصنام الصامتة في الماضي، فالآية تتحدث عن كل ما يُتخذ من دون الله ويُعظم أو يُلجأ إليه؛ سواء كان حجراً، أو صاحب سلطة، أو طاغية، أو دجالاً، أو سادناً لمنظومة باطلة.

وضرب المثل هنا بالذباب ليس مجرد تعجيز للأصنام الحسية – إذ من البديهي أنها لا تخلق – وإنما هو ميزان إلهي يُظهر الشلل المطلق والضعف البشري الشامل لمن نلتجئ إليهم أو نخشاهم من دون الله تعالى؛ فالآية لا تقف عند عجز هذه الوسائط عن خلق أضعف المخلوقات وأحقرها في نظر البشر وهو الذباب، بل تتعدى ذلك إلى بيان العجز التام عن مواجهة أفعاله البسيطة؛ فإذا سلب هذا الذباب شيئاً خفيفاً – كأن يلوث طعاماً أو يمتص قطرة – فإن الإنسان بكل إمكانياته، ومن يعتز بهم من أرباب السلطة والقوة، يعجزون عن استرجاع ذلك الشيء وإعادته إلى أصله وصحته.

إن المفهوم الجوهري في قوله تعالى: ﴿ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾، يضع الجميع في كفة العجز والاحتياج إلى الله وحده، ويُشبه هذا المعنى ما ضربه سبحانه وتعالى مثلاً لكل من يتخذ من دون الله أولياء وحماة وركائز يُعول عليها، حيث يصف تهافت هذه الملاذات ووهنها بقوله سبحانه: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: 41] وبذلك تتضح الغاية القرآنية؛ وهي تحرير العقل من الخوف والتعظيم لغير الله تعالى، وإدراك أن كل مخلوق – مهما كبُر شأنه – فهو ضعيف لا يملك لنفسه ولا لغيره نفعاً ولا ضراً.

التمييز القرآني بين دلالة الشرك وجماليات الخلق

إن القول بتحريم الفنون والمجسمات مطلقاً بناءً على بعض الاجتهادات الفقهية القديمة التي بُنيت على باب “سد الذرائع” لحماية التوحيد في صدر الإسلام، لا يجوز أن يُقدَّم أو يُجعل حجةً فوق النص القرآني الصريح؛ فالقرآن الكريم فرّق تفريقاً حاسماً بين ما يُصنع للعبادة والتعظيم والشرك، وبين ما يُصنع للجمال والإتقان والاستخدام النافع.

فقد أنكر الله سبحانه اتخاذ التماثيل والصور إذا اقترنت بظاهرة الاعتكاف والعبادة، كما في حكاية قول إبراهيم عليه السلام لقومه: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ [الأنبياء: 52]؛ فالموجب للإنكار هنا هو “الاعتكاف” والعبادة.

وفي المقابل، أقر القرآن الكريم صناعة التماثيل والصروح العظيمة لجماليتها واستخدامها المعماري النافع، وعدّها من النعم الإلهية والفضل على نبي الله سليمان عليه السلام، فقال سبحانه: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: 13] بل إن القرآن أثبت استخدام الفن المعماري والجمالي البصري في القصر الشامخ لسليمان عليه السلام حين دخلت عليه ملكة سبأ، فقال تعالى: ﴿قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ﴾ [النمل: 44] وهذا دليل صريح على أن الفنون والإبداع البصري المعماري ليست محرمة بذاتها.

وهل المسلم مستثنى من الإبداع المعاصر؟

وليس هذا الإبداع البشري، والسباق التقني مع أدوات العصر الحديثة – كالذكاء الاصطناعي، والكاميرات، والرسوم المتحركة، واستخدام الصور في المناهج التعليمية والعروض النافعة – حكراً على غير المسلمين، ولا المسلم بمستثنىً منها؛ بل إن الفنون والحضارات والعلوم المتنوعة كان أصل منشئها وريادتها لدى علماء المسلمين القدامى الذين فهموا مقاصد الدين الحنيف، وسخروا الإبداع لإعمار الكون.

فالجمال والفن المتقن أداةٌ راقية للهداية والتعرف على الحق؛ كما حدث مع ملكة سبأ التي أسلمت حين رأت ذلك الصرح الجمالي البصري المبهر والمصنوع من قوارير، ورغم أنها ملكة ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ إلا أنها أدركت أن هذا الإتقان البديع الذي يعجز عنه أرباب السلطة والبشر لا يكون إلا ممن يرعاه ويؤيده إلهٌ حق، فقالت: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [النمل: 44].

وإن المسلم اليوم أولى وأقدر على توظيف هذه الأدوات في خدمة الحق، ورؤية هذا التطور والابتكار البشري إنما هي بابٌ لتعظيم الخالق الأعظم، فإذا كان المخلوق الضعيف قد وصل إلى هذا القدر من الإبداع والذكاء، فكيف بعظمة من خلقه وعلمه؟! وهنا يتجلى المفهوم الواسع للعلماء في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: 28]؛ فكل من علم ودَرَسَ وأدرك أسرار الكون وصنعة الله فيه، ازدادت خشية قلبه وعظُم تقديره لبديع السماوات والأرض.

ولهذا، لا ينبغي لأحد أن يجترئ على كتاب الله بالتحريم والتحليل دون سند قرآني قطعي، فالقرآن يستنكر إغلاق أبواب الجمال والتزين، والتحريم بلا دليل، كما قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: 32]، وحذر تحذيراً شديداً من إشاعة التحريم بالقول المجرد فقال سبحانه: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾ [النحل: 116].

كيف نحدد الضوابط الشرعية الصحيحة للفن النافع؟

أما عن معيار المبدعين وصناع الفنون على تنوع أدواتهم (سواء بالرسم، أو ألعاب الفيديو، أو الأنيميشن، أو الروايات)، فإن القرآن لم يحظر الوسيلة بذاتها، وإنما جعل الميزان الصارم والوحيد هو: طبيعة المحتوى وأثره؛ أهو طيب أم خبيث؟

مصداقاً لقوله جل وعلا: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾ [إبراهيم: 24]، وقوله في مقابل ذلك: ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ﴾ [إبراهيم: 26]؛ فالمراد بـ الكلمة” هنا ليس اللفظ المجرد أو الأحرف الملفوظة فحسب، بل هو كل تعبير وإبداع يترك أثراً وانطباعاً في الوجدان والعقل؛ فيشمل الرواية، واللوحة البصرية، والرسالة الفنية، والعمل التعبيري بكل أشكاله.

وقد طبّق القرآن هذا الميزان بوضوح على وسائل التعبير البشري كالقصص والشعر؛ فالقصص أداة قرآنية لبناء العقل والتدبر، ولذلك أمر الله نبيه والواعظين باستخدامها للارتقاء بالفكر فقال تعالى: ﴿فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: 176] كما أن المبدعين والشعراء والقصاصين قسمهم القرآن – في سورة سُميت باسمهم – بحسب مضمون أعمالهم وغاياتها، لا لمجرد كونهم يمارسون هذا الفن، فقال سبحانه: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ . أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ . وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ . إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الشعراء: 224-227].

فكل إبداع وفن وقصة تُثمر طيباً، وتدعو إلى الخير والصلاح، وتخدم عقلاً ونفعاً، فهي داخلة في عموم الطيبات المباحة.

الدعوة لإظهار النعمة والتمسك بالفطرة والإبداع الطيب

إن الموهبة والقدرة على التعبير البصري والفنون النافعة هي نعمة وفضل إلهي أودعه الله فيكِ، والله سبحانه يحث عباده على إظهار نعمه واستثمارها في الواقع الحياتي النافع، لا دفنها أو تعطيلها، كما قال جل وعلا: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: 11]؛ وكل نعمة وملكَةٍ وفضلٍ يمنّ الله به على عبده (سواء كانت علماً، أو رزقاً، أو موهبةً، أو حسّاً فنياً بصرياً) يُشرع التحديث به وإظهاره واستعماله فيما ينفع الناس، وربطه بالواقع الحياتي والجمالي للإنسان، وليس بإخفائه أو دفنه خوفاً وتردداً.

فلا تسمعي لمن يُضيّقون ما وسعه الله تعالى بغير علم، ولا تتخلي عن هذه النعمة البصرية والفنية التي أودعها الله فيكِ، بل تمسكي بها وأبدعي فيما وهبكِ إياه سبحانه وتعالى، واعملي بها لتأكلي منها رزقاً حلالاً طيباً مباركاً كما أحل الله لعباده حين قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ [البقرة: 168].

وإن كل ما كان طيباً نافعاً، يُسهم في خدمة البشرية، ويثري العقل، وينمي الحس الجمالي والإبداعي لدى الناس، فهو فطري ورباني في أصله ومنشئه، ولا بد من الحفاظ عليه وتنميته، وحذارِ من الاستماع إلى الآراء الشائعة التي تتبع الهوى والظن دون حجة قطعية من كتاب الله تعالى، فقد حذرنا سبحانه من اتباع الظن بقوله: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ [الأنعام: 116].

فانطلقي على بركة الله، واجعلي من فنكِ وإبداعكِ رسالة طيبة ورزقاً حلالاً؛ ونسأل الله العلي القدير أن يربط على قلبكِ، وأن يثبتكِ بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، كما قال جل وعلا عقب ضرب المثل بالطيب والخبيث: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: 27].

أضف تعليقا

تصنيفات

Your Header Sidebar area is currently empty. Hurry up and add some widgets.