الأحاديث التي وردت في بيع المواد الستة

الأحاديث التي ورد في بيع المواد الستة

المواد الستة؛ هي الذهب والفضة والقمح والشعير والملح والتمر. وهي المواد التي يكثر فيها التداين. وقد وضع النبي صلى الله عليه وسلم قواعد في بيع تلك المواد. وأوضح أن مخالفة تلك القواعد يعتبر معاملة ربوية. وقد نظر الفقهاء إلى تلك الأحاديث في إطار البيع والشراء، وأدخل الربا تحت موضوع البيع والشراء. فبذلك قد أصبحوا كالذي قال “إنما البيع مثل الربا”[1] والسبب في ذلك هو عدم جعل القرآن الكريم محورا في دراسة الموضوع. لذا أخذوا بعض الأحاديث وتركوا البعض الآخر، وسدوا الفراغ الذي نتج عن ذلك بآرائهم المخترعة، فنشأ الخلط في تعريف الربا فتسلسلت الأخطاء تلو الأخطاء حتى أصبح شيئا مبهما عند كثير من الناس.

1.    مبادلة المواد الستة بجنسها

عن عبادة بن الصامت قال: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْهَى عَنْ بَيْعِ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ بِالْفِضَّةِ وَالْبُرِّ بِالْبُرِّ وَالشَّعِيرِ بِالشَّعِيرِ وَالتَّمْرِ بِالتَّمْرِ وَالْمِلْحِ بِالْمِلْحِ إِلَّا سَوَاءً بِسَوَاءٍ.[2]

وعن نافع عن أبي سعيد الخدري: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ وَلَا تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ وَلَا تَبِيعُوا الْوَرِقَ بِالْوَرِقِ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ وَلَا تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ وَلَا تَبِيعُوا مِنْهَا غَائِبًا بِنَاجِزٍ.[3]

عن أبي سعيد الخدري: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ وَلَا الْوَرِقَ بِالْوَرِقِ إِلَّا وَزْنًا بِوَزْنٍ مِثْلًا بِمِثْلٍ سَوَاءً بِسَوَاءٍ.[4]

عن عبادة بن الصامت قال: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ تِبْرُهَا وَعَيْنُهَا وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ تِبْرُهَا وَعَيْنُهَا وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ مُدْيٌ بِمُدْيٍ وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ مُدْيٌ بِمُدْيٍ وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ مُدْيٌ بِمُدْيٍ وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ مُدْيٌ بِمُدْيٍ فَمَنْ زَادَ أَوْ ازْدَادَ فَقَدْ أَرْبَى وَلَا بَأْسَ بِبَيْعِ الذَّهَبِ بِالْفِضَّةِ وَالْفِضَّةُ أَكْثَرُهُمَا يَدًا بِيَدٍ وَأَمَّا نَسِيئَةً فَلَا وَلَا بَأْسَ بِبَيْعِ الْبُرِّ بِالشَّعِيرِ وَالشَّعِيرُ أَكْثَرُهُمَا يَدًا بِيَدٍ وَأَمَّا نَسِيئَةً فَلَا.[5]

عن مسلم بن يسار وعبد اللَّه بن عتيك قالا: جَمَعَ الْمَنْزِلُ بَيْنَ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ وَمُعَاوِيَةَ حَدَّثَهُمْ عُبَادَةُ قَالَ هَانَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ بِالْوَرِقِ وَالْبُرِّ بِالْبُرِّ وَالشَّعِيرِ بِالشَّعِيرِ وَالتَّمْرِ بِالتَّمْرِ قَالَ أَحَدُهُمَا وَالْمِلْحِ بِالْمِلْحِ وَلَمْ يَقُلْهُ الْآخَرُ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ يَدًا بِيَدٍ وَأَمَرَنَا أَنْ نَبِيعَ الذَّهَبَ بِالْوَرِقِ وَالْوَرِقَ بِالذَّهَبِ وَالْبُرَّ بِالشَّعِيرِ وَالشَّعِيرَ بِالْبُرِّ يَدًا بِيَدٍ كَيْفَ شِئْنَا قَالَ أَحَدُهُمَا فَمَنْ زَادَ أَوْ ازْدَادَ فَقَدْ أَرْبَى.[6]

عن أبي هريرة قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ التَّمْرُ بِالتَّمْرِ وَالْحِنْطَةُ بِالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ مِثْلًا بِمِثْلٍ يَدًا بِيَدٍ فَمَنْ زَادَ أَوْ اسْتَزَادَ فَقَدْ أَرْبَى إِلَّا مَا اخْتَلَفَتْ أَلْوَانُهُ.[7]

عن أبي هريرة قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ وَزْنًا بِوَزْنٍ مِثْلًا بِمِثْلٍ وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ وَزْنًا بِوَزْنٍ مِثْلًا بِمِثْلٍ فَمَنْ زَادَ أَوْ اسْتَزَادَ فَهُوَ رِبًا.[8]

عن أبي هريرة: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ الدِّينَارُ بِالدِّينَارِ لَا فَضْلَ بَيْنَهُمَا وَالدِّرْهَمُ بِالدِّرْهَمِ لَا فَضْلَ بَيْنَهُمَا.[9]

قال مالك بن أوس رضي الله عنه: أنه التمس صرفا بمائة دينار فدعاني طلحة بن عبيد الله فتراوضنا[10] حتى اصطرف مني فأخذ الذهب يقلبها في يده ثم قال حتى يأتي خازني من الغابة وعمر يسمع ذلك فقال والله لا تفارقه حتى تأخذ منه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ.[11]

قال فضالة بن عبيد الأنصاري: أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بخيبر بقلادة فيها خرز وذهب وهي من المغانم تباع فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالذهب الذي في القلادة فنزع وحده ثم قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ وَزْنًا بِوَزْنٍ.[12]

وعن فضالة بن عبيد قال: اشتريت يوم خيبر قلادة باثني عشر دينارا فيها ذهب وخرز ففصلتها فوجدت فيها أكثر من اثني عشر دينارا فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال لَا تُبَاعُ حَتَّى تُفَصَّلَ.[13] كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر نبايع اليهود الوقية الذهب بالدينارين والثلاثة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ إِلَّا وَزْنًا بِوَزْنٍ.[14]

عن فضالة بن عبيد قال: أصبت يوم خيبر قلادة فيها ذهب وخرز فأردت أن أبيعها فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: افْصِلْ بَعْضَهَا مِنْ بَعْضٍ ثُمَّ بِعْهَا.[15]

عن حنش أنه قال كنا مع فضالة بن عبيد في غزوة فطارت لي ولأصحابي قلادة فيها ذهب وورق وجوهر فأردت أن أشتريها فسألت فضالة بن عبيد فقال انزع ذهبها فاجعله في كفة واجعل ذهبك في كفة ثم لا تأخذن إلا مثلا بمثل فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يَأْخُذَنَّ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ.[16]

عن أبي المنهال قال: باع شريك لي ورقا بنسيئة إلى الموسم أو إلى الحج فجاء إلي فأخبرني فقلت هذا أمر لا يصلح قال قد بعته في السوق فلم ينكر ذلك علي أحد فأتيت البراء بن عازب فسألته فقال قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة ونحن نبيع هذا البيع فقال: مَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ فَلَا بَأْسَ بِهِ وَمَا كَانَ نَسِيئَةً فَهُوَ رِبًا. وائت زيد بن أرقم فإنه أعظم تجارة مني فأتيته فسألته فقال مثل ذلك.[17]

عن أبي المنهال قال: باع شريك لي ورقا بنسيئة فجاءني فأخبرني فقلت هذا لا يصلح فقال قد والله بعته في السوق وما عابه علي أحد فأتيت البراء بن عازب فسألته فقال قدم علينا النبي صلى الله عليه وسلم المدينة ونحن نبيع هذا البيع فقال: مَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ فَلَا بَأْسَ وَمَا كَانَ نَسِيئَةً فَهُوَ رِبًا. ثم قال لي ائت زيد بن أرقم فأتيته فسألته فقال مثل ذلك.[18]

عن عثمان بن عفان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لَا تَبِيعُوا الدِّينَارَ بِالدِّينَارَيْنِ وَلَا الدِّرْهَمَ بِالدِّرْهَمَيْنِ.[19]

قال أبو بكرة رضي الله عنه؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ إِلَّا سَوَاءً بِسَوَاءٍ وَالْفِضَّةَ بِالْفِضَّةِ إِلَّا سَوَاءً بِسَوَاءٍ وَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالْفِضَّةِ وَالْفِضَّةَ بِالذَّهَبِ كَيْفَ شِئْتُمْ.[20]

2.    مبادلة المواد الستة بما ليس من جنسها

يعتبر الذهب والفضة جنسا واحدا من المواد الستة السابقة وكذلك البر والشعير جنس واحد. أما الملح والتمر ليسا من جنس واحد، بل من جنسين مختلفين. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ مِثْلًا بِمِثْلٍ سَوَاءً بِسَوَاءٍ يَدًا بِيَدٍ فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ.[21] وَلَا بَأْسَ بِبَيْعِ الذَّهَبِ بِالْفِضَّةِ وَالْفِضَّةُ أَكْثَرُهُمَا يَدًا بِيَدٍ وَأَمَّا نَسِيئَةً فَلَا وَلَا بَأْسَ بِبَيْعِ الْبُرِّ بِالشَّعِيرِ وَالشَّعِيرُ أَكْثَرُهُمَا يَدًا بِيَدٍ وَأَمَّا نَسِيئَةً فَلَا.[22]

قال أبو المنهال: سألت البراء بن عازب وزيد بن أرقم رضي الله عنهم عن الصرف فكل واحد منهما يقول هذا خير مني فكلاهما يقول: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ الذَّهَبِ بِالْوَرِقِ دَيْنًا.[23]

عن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الدِّينَارُ بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَمُ بِالدِّرْهَمِ لَا فَضْلَ بَيْنَهُمَا فَمَنْ كَانَتْ لَهُ حَاجَةٌ بِوَرِقٍ فَلْيَصْطَرِفْهَا بِذَهَبٍ وَمَنْ كَانَتْ لَهُ حَاجَةٌ بِذَهَبٍ فَلْيَصْطَرِفْهَا بِالْوَرِقِ وَالصَّرْفُ هَاءَ وَهَاءَ.[24]

وعن عبادة بن صامت رضي الله عنه قال: وَأَمَرَنَا أَنْ نَبِيعَ الذَّهَبَ بِالْفِضَّةِ وَالْفِضَّةَ بِالذَّهَبِ وَالْبُرَّ بِالشَّعِيرِ وَالشَّعِيرَ بِالْبُرِّ يَدًا بِيَدٍ كَيْفَ شِئْنَا.[25]

عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه رضي الله عنه قال: نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْفِضَّةِ بِالْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ بِالذَّهَبِ إِلَّا سَوَاءً بِسَوَاءٍ وَأَمَرَنَا أَنْ نَبْتَاعَ الذَّهَبَ بِالْفِضَّةِ كَيْفَ شِئْنَا وَالْفِضَّةَ بِالذَّهَبِ كَيْفَ شِئْنَا.[26] فسأله رجل فقال: يدا بيد؟ فقال: هكذا سمعت.[27]

عن ابن عمر قال: كنت أبيع الذهب بالفضة أو الفضة بالذهب فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته بذلك فقال: إِذَا بَايَعْتَ صَاحِبَكَ فَلَا تُفَارِقْهُ وَبَيْنَكَ وَبَيْنَهُ لَبْسٌ.[28]

وقد تبين مما سبق أنه لا يعد جنسا واحدا إلا الذهب والفضة والبر والشعير وكل واحدة منها تقوم مقام الأخرى. وسنقف عليها بالتفصل إن شاء الله.

3.    تبادل الأوراق النقدية بسعرها اليومي

عن ابن عمر قال: كنت أبيع الإبل بالبقيع فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير آخذ هذه من هذه وأعطي هذه من هذه فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في بيت حفصة فقلت يا رسول الله رويدك أسألك إني أبيع الإبل بالبقيع فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير آخذ هذه من هذه وأعطي هذه من هذه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لَا بَأْسَ أَنْ تَأْخُذَهَا بِسِعْرِ يَوْمِهَا مَا لَمْ تَفْتَرِقَا وَبَيْنَكُمَا شَيْءٌ».[29] لم يقبض.

4.    مبادلة الطعام بالطعام

عن معمر بن عبد الله أنه أرسل غلامه بصاع قمح فقال بعه ثم اشتر به شعيرا فذهب الغلام فأخذ صاعا وزيادة بعض صاع فلما جاء معمرا أخبره بذلك، فقال له معمر: لم فعلت ذلك؟! انطلق فرده ولا تأخذن إلا مثلا بمثل، فإني كنت أسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «الطَّعَامُ بِالطَّعَامِ مِثْلًا بِمِثْلٍ قَالَ وَكَانَ طَعَامُنَا يَوْمَئِذٍ الشَّعِيرَ قِيلَ لَهُ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِمِثْلِهِ قَالَ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُضَارِعَ».[30] أي إني  أخاف أن يكون في معنى المماثل ، فيكون له حكمه في تحريم الربا.

وفي تاج العروس؛ يطلق الطعام على الحنطة.[31] ويؤيد هذا الكلام ما روي عن عياض بن عبد الله بن سعد بن أبي سرح العامري أنه سمع أبا سعيد الخدري يقول: «كُنَّا نُخْرِجُ زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ وَذَلِكَ بِصَاعِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ».[32]

ب‌.  وهذه الأحاديث قد أغلقت أبوابا من أبواب الربا

ومن الضروروي أن ننظر إلى هذه الأحاديث في موضوع التداين؛ وليس في موضوع البيع والشراء؛ لأنها تتعلق بالربا. ولأن الله تعالى قد فرق بين البيع والربا؛ فقال: «الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ» (البقرة، 2/ 275).

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إِنَّمَا الرِّبَا فِى الدَّيْنِ ».[33]

ولا يحتاج الناس أن يبيعوا الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والملح بالملح والتمر بالتمر. ولكن يمكن الإرباء بها في شكل البيع والشراء، لكون الربا حراما. وقد نبه على ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: « لَا تَبِيعُوا الدِّينَارَ بِالدِّينَارَيْنِ وَلَا الدِّرْهَمَ بِالدِّرْهَمَيْنِ وَلَا الصَّاعَ بِالصَّاعَيْنِ فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ الرَّمَاءَ وَالرَّمَاءُ هُوَ الرِّبَا».[34]

وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم «فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ الرَّمَاءَ» يحمل في طياته أهمية كبرى. لأن تبادل الذهب بسوار من الذهب يعتبر في الحقيقة بيعا. وكذلك تبادل الحنطة بالدقيق لمن يحتاج، وتبادل الملح المعدني بالملح البحري عند الحاجة بيع حقيقي. ولكي لا يؤدي هذا التبادل إلى الربا؛ يشترط فيه التأجيل و اختلاف ثمن أحدهما عن الآخر. فقد منع رسول الله صلى الله عليه وسلم الطريقة المؤدية إلى الربا في تبادل تلك المواد الستة التي  يمكن التداين بها باشتراط كونها يدا بيد ومثلا بمثل. أي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أجاز تبادل تلك المواد الستة في حالة عدم احتمال الوقوع في الربا.  وعلى سبيل المثال أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم لصاحب العرية أن يبيعها بخرصها إذا مسته الحاجة، على الرغم من أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها.[35]

وكلمة مثل، تفيد التساوي والتماثل بين الشيئين. مثلا بمثل؛ يعني الأداء بدون زيادة ولا نقصان.

جاء في لسان العرب عن كلمة “مثل”:  قال ابن بري الفرق بين المُماثَلة والمُساواة أَن المُساواة تكون بين المختلِفين في الجِنْس والمتَّفقين لأَن التَّساوِي هو التكافُؤُ في المِقْدار لا يزيد ولا ينقُص وأَما المُماثَلة فلا تكون إِلا في المتفقين فإِذا قيل هو مِثْلة على الإِطلاق فمعناه أَنه يسدُّ مسدَّه وإِذا قيل هو مِثْلُه في كذا فهو مُساوٍ له في جهةٍ دون جهةٍ.[36]

والكلمات التي تفيد النقطة المشتركة بين الشيئين في اللغة العربية كثيرة.

قال الراغب الأصفهاني: الند يقال فيما يشارك في الجوهر فقط، والشبه يقال فيما يشارك في الكيفية فقط، والمساوي يقال فيما يشارك في الكمية فقط، والشكل يقال فيما يشاركه في القدر والمساحة فقط، والمثل عام في جميع ذلك، ولهذا لما أراد الله تعالى نفي التشبيه من كل وجه خصه بالذكر فقال: «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ» (الشورى، 42/ 11).

وقد اشترطت الأحاديث السابقة في بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح أن يكون مثلا بمثل سواء بسواء يدا بيد. لأن الناس يحتاجون عادة شراء السوار الذهبي بالنقود الذهبية والفضة بالنقود الفضية والقمح للمكاروني بالقمح للخبز.. وهلم جرا.

ومعنى الأحاديث: إنه لا يجوز بيع هذا القمح بهذا القمح إلا أن يكون مثلا بمثل ويدا بيد. ولا عبرة للجودة فيهما. إلا أن يكون البيع بما يختلف مثل النقود فيكون سعر ما هو أجود أغلى مما هو رديء. وفي هذه الحالة أي حين يختلف هذا وذاك في الجودة يباع الأجود بـ ليرة واحدة، ويشترى الرديئ بـ 90 قرشا.

عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل رجلا على خيبر فجاء بتمر جنيب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أكل تمر خيبر هكذا؟ قال: لا والله يا رسول الله إنا لنأخذ الصاع من هذا بصاعين والصاعين بالثلاث فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تفعل بع الجمع بالدراهم ثم ابتع بالدراهم جنيبا.[37]

1.   إستبدال المواد الست بجنسها معجلا

اشتراط كون البيع يدا بيد ومثلا بمثل في المواد التي يمكن الإقتراض بها قد أغلق بابا من  أبواب الربا. وإلا فإن إقراض 10 ليرات بـ 11 ليرة يعتبر ربا، أما بيع 10 ليرات بـ 11 ليرة إلى أجل فجائز؛ وحينئذ لم يبق معنى لحرمة الربا.

2.    إستبدال المواد الست بجنسها

وقصد المُرابي في الأصل هو الحصول على 11 ليرة مقابل 10 ليرات. وهو يجري هذه المعاملة بطريقة مشروعة ليسهل تحويلها إلى الدين. يقرض مثلا 11 ليرة بعد الحصول على الضمانات اللازمة؛ ثم يبتاع 11 ليرة التي في يد المدين بـ 10 ليرات.  وبهذا قد أصبح الشخص مدينا بـ 11 مع أنه أخذ 10 ليرات. وقد توجد مؤسسات تقرض على هذا الشكل. تُستقرض من شباك (أ) 11 ليرة لمدة سنة، وتباع في شباك (ب) بـ 10 ليرات نقدا. هكذا، لا يبقى معنى لحرمة الربا لو لم تعتبر هذه المعاملة معاملة ربوية. لذا كان شرط البيع أن يكون مثلا بمثل ومع جنسها في المواد التي يمكن الإستدانة بها.

كما كان سابقا، معاملة ربوية على شكل البيع والشراء لجلب المنفعة للدائن؛ وكانت تسمى هذه المعاملة بـ “معاملة شرعية”. وعلى سبيل المثال: يضع من يطلب الدين مالا معينا أمام الدائن فيقول أبيع لك هذا بـ 10 قطع من الذهب معجلا، ويبتاعها الدائن بدفع ثمنه. ثم يقول المدين للدائن بع هذا لي بـ 11 قطعة من الذهب لمدة سنة مؤجلا، ويبيع هو. وبهذا أعاد ماله وأصبح مدينا بـ 11 قطعة من الذهب لمدة سنة. وكانت لها طرق مختلفة أخرى.

لو نظرنا الموضوع  في ضوء الآيات والأحاديث لما كان هناك معاملة ربوية باسم “معاملة شرعية” على شكل البيع والربا. وسنقف على هذا الموضوع مفصلا فيما بعد إن شاء الله.

3.    بيع المواد الستة بجنسها مؤجلا

ويشترط في بيع المال الرديئ بالمال الجيد من نفس الجنس مثلا بمثل أن يكون معجلا وإلا يحتمل الوقوع في الربا. عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بَعَثَ أَخَا بَنِي عَدِيٍّ الْأَنْصَارِيَّ فَاسْتَعْمَلَهُ عَلَى خَيْبَرَ فَقَدِمَ بِتَمْرٍ جَنِيبٍ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَكُلُّ تَمْرِ خَيْبَرَ هَكَذَا قَالَ لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا لَنَشْتَرِي الصَّاعَ بِالصَّاعَيْنِ مِنْ الْجَمْعِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا تَفْعَلُوا وَلَكِنْ مِثْلًا بِمِثْلٍ أَوْ بِيعُوا هَذَا وَاشْتَرُوا بِثَمَنِهِ مِنْ هَذَا وَكَذَلِكَ الْمِيزَانُ».[38]

ولو لم يكن هذا التحريم، قد يعطى للمحتاج 100 كغم من التمر الرديء، ويشترط أن يعيدها ـ 100 كغم من التمر الجنيب، وقد أربى بهذه المعاملة بنسبة 50% بسب الفرق بينهما في الجودة.

4.    بيع الأموال من نفس الصنف مؤجلا

يؤخذ الذهب مكان الفضة لأنهما من صنف واحد، وكذلك القمح والشعير. ولا يحدث التغير الهام في أسعارها إلا بمرور مدة طويلة؛ وبيع تلك الأموال مؤجلا قد يفتح بابا إلى المعاملة الربوية بتغييرها من البيع إلى الدين. فأُغلق هذا الباب بأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم.

ومثال ذلك: إذا كان  دينار واحد[39] بقيمة 10 دراهيم، فلابد أن تكون 100 دينار بـ 1000 درهم. ولو لم يُحَرَّمِ استبدالُها مؤجلةً لباع المرابي 1000 درهمٍ التي بيده بـ 110 دينارٍ على أن تُدفَعَ بعد سنة، فيكون قد حصل على نسبة 10% من قرض ربوي يمارسه تحت ستار البيع والشراء. وما يُقال هنا عن الدينار والدرهم يُقال عن الحنطة والشعير. لو قلنا أن قيمة كيلين اثنين من القمح يساوي بـ 3 كيل من الشعير. وبعد سنة يعطى 200 كيل من القمح مقابل 400 كيل من الشعير. فستكون هذه المعالمة معاملة ربوية في صورة البيع والشراء.

وعلى هذا لا يجوز شراء دولار أمريكي مقابل ليرة تركية إلا أن يكون معجلا. لأنهما من صنف واحد يقوم الواحد منهما مقام الآخر، فبيع دولار أمريكي بليرة تركية مؤجلا يؤدي إلى الربا. وشرط كون البيع معجلا قد أغلق بابا من أبواب الربا المحتمل.

5.    استبدال الأوراق النقدية بسعر يومها

ولا يكفي أن يكون البيع يدا بيد في بيع الدينار بالدرهم بل يشترط أن يكون بسعر اليوم. كما في حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما المذكور. إذ يمكن للمرابي أن يقرض 11 دينارا بعد حصول الضمانات الازمة ثم يشتري تلك 11 دينار بـ 100 درهم. في حين أن سعر دينار واحد 10 دراهم. وفي هذه الحالة يكون قد أربى بنسبة 10% بإقراض 100 درهم. لذا اشترط في هذا البيع أن يكون بسعر اليوم. كما أغلق هذا الحديث وأمثاله أبوابا مؤدية إلى الربا.

وقد نشأت بعض الصعوبات بإغلاق الأبواب المؤدية إلى الربا؛ وعلى سبيل المثال: نظرا للأحاديث لا يجوز للصائغ أن يبيع السوار بالذهب المستعمل أو الجديد منه إلا أن يكون مساويا بالوزن ويبدا بيد؛ وهذا لا يعقل أن يحصل؛ لذا من الضروري أن يباع السوار بالورقة النقدية أو ما يقوم مقامها في القيمة.

وبرغم الصعوبات التي نشأت من تحريم الربا بالأحاديث السابقة، فقد جاء بفائدة كبيرة. وهذه الفائدة كافية لتكون سببا لهذا التحريم. ومن أجل تلك الفائدة قد حرم الله الخمر بقوله: «يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ» (البقرة، 2/ 219).

ويُعبَّر عنها في الكتب الفقهية: بـ “دفع الضرر يقدم على جلب المنفعة”.[40] لو لم تأت الأحاديث بهذا التحريم، لنشأت المؤسسات التي تتعامل بالقرض الربوي على شكل بيع النقود وما يقوم مقامها من الأشياء الثمينة؛ ولم يبق معنى لتحريم الربا.

6.    صفقتان في صفقة واحدة

الصفقة من الصَّفْق؛ وهو الضرب الذي يسمع له صوت وكذلك التَّصْفِيقُ ويقال صَفَّقَ بيديه وصفَّح سواء. وفي الحديث التسبيحُ للرجال والتَّصْفِيقُ للنساء، المعنى إِذا نسي المصلي شيئا في صلاته فأَراد تنبيهه مَنْ بحذائه، صَفَّقَت المرأَة بيديها وسبَّح الرجل بلسانه. وصَفَقَ يَده بالبيعة والبيع وعلى يده صَفْقاً ضرب بيده على يده وذلك عند وجوب البيع.[41] عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنهما عن أبيه قال: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ صَفْقَتَيْنِ فِي صَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ.[42] أي أنه لا يجوز البيعتان في بيعة واحدة. وقال أبو هريرة رضي الله عنه: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ.[43]و قال أيضا: قال النبي صلى الله عليه وسلم: من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما[44] أو الربا.[45]

عن أم يونس أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت لها أم محبة أم ولد لزيد بن أرقم: يا أم المؤمنين أتعرفين زيد بن أرقم ؟ قالت نعم. قالت: فإني بعته عبدا إلى العطاء بثمانمائة. فاحتاج إلى ثمنه، فاشتريته قبل محل الأجل بستمائة. فقالت: بئس ما شريت وبئس ما اشتريت . أبلغي زيدا أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إن لم يتب. قالت: فقلت: أفرأيت إن تركت المائتين وأخذت الستمائة؟ قالت: نعم. ثم قرأت قوله تعالى: «فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ» (البقرة، 2/ 275).[46]

  ونفهم من الأحاديث ومن موقف أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيعتين في بيعة واحدة لأنها معاملة ربوية في صورة البيع. وكون زيد بن أرقم باع العبد بـ 600 معجلا بعد شرائه بـ 800 مؤجلا يدل على أنه لا يحتاج إلى ذاك العبد. وفي هذه الحالة “فله أوكسهما أو الربا”.[47] وقد قالت عائشة رضي الله عنها أن زيدا قد أبطل جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إن لم يتب. لأنه أخذ أكثرهما.

ونرى الناس اليوم يتعاملون بنفس المعاملة. مثلا يشتري سيارة بـ 11.000 ليرة مؤجلا لمدة 6 شهور. ثم يبيعها معجلا بـ 10.000 ليرة. وهو أصبح مدينا بـ 11.000 مقابل أخذه 10.000. وعلى صاحب السيارة أن يأخذ 10.000 وإلا كان مرابيا؛ كما نفهم هذا من الأحاديث السابقة. وهذه الأحاديث قد أغلقت بابا آخر من أبواب الربا.

ويقال عن تلك المعاملة أيضا “بيع العينة”.[48]  عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم”.[49]

وقد فتح الفقهاء بابا إلى الربا؛ وعطلوا بعض المعاملات التجارية لأنهم لم يفهموا المعنى المقصود من الأحاديث السابقة. وقد أنشئت بذلك مؤسسات وأوقاف تجري معاملات ربوية تحت اسم “المعاملة الشرعية” أو “الربا الشرعي”.

7.    بيع الوفاء

الصفقة بمعنى العقد. فحديث “صفقتان في صفقة واحدة” أشمل من حديث “بيعتان في بيعة واحدة”. لذا ليس من الشرط أن تكون البيعتان اللتان جمعتا بهدف الربا عقد بيع وشراء. والبيع بالوفاء خير مثال على ذلك..

بيع الوفاء؛ “هو بيع المال بشرط أن البائع متى رد الثمن يردُّ المشتري إليه المبيع”، وهذا البيع قرض جر نفعاً، فهو تحايل على الربا وغير جائز شرعا. ويجري هذا العقد على أساس “الفلوس بلا ربا والحقل بلا أجرة”. أي أن الذي يحتاج النقود يعطي بيته مقابل دين، وهو يصرف النقود بلا ربا، كما أنه يستفيد من البيت بدون دفع أجرة. وحين يعيد المدين الدين يعيد الدائن البيت. وبمعنى آخر أكثر توضيحا أن الشخص يحتاج إلى 10.000 ليرة، ويمكن له أن يحصل عليها ولكن بشرط  الربا بنسبة 10%؛ وهو يريد الحصول على النقود بدون الربا. لذا فهو يبيع دكانا أو حقلا  الذي أجرته السنوية 10.000 ليرة، على شكل البيع بالوفاء. يأخذ أجرة دكان أو حقل المشتري إلى أن يسد دينه.  ولو عجز المدين عن السداد يصبح الدكان أو الحقل ملكا للمشتري. وهذه المعاملة تعتبر حراما بدليل حديث “الصفقتان في صفقة واحدة”.

8.    بيع الإستغلال

ولم يكتف المرابون بصفقتين في صفقة واحدة بل جاءوا بـ “البيع بالإستغلال” بإضافة صفقة أخرى إلى الصفقتين.

الإستغلال مصدر فعله استغل. وأصل الفعل “غل يغل” فالألف والسين والتاء زائدة للطلب.
طَلَبُ الغلة. والغلَّةُ هي كل شئ يحصل من ريع الأرض أو كرائها أو أجرة بيت أو نحو
ذلك . فالإستغلال بهذا المعنى هو عين الإستثمار. أمّا بيع الإستغلال: فهو مصطلح فقهي مستعمل في مذهب الحنفية، ويُقْصَدُ به بيع الوفاء إذا وَقَعَ مشروطاً فيه أن يؤجر المشترى المبيع للبائع، ويزاد في الإستغلال إعادة المبيع للبائع حين يعيد الثمن. وبهذا لم يخرج المبيع من يد البائع. ويوجد هنا ثلاث صفقات، صفقة للبيع وصفقة للإيجار وصفقة لإعادته حين يعيد الثمن.

والذي يقول بمشروعية بيع الوفاء بسبب أن الناس محتاجون إلى التداين؛ و لنفس السبب يقول بمشروعية بيع الإستغلال. ولكنه استغلال بالربا وهو استغلال غير مشروع، لأنه يعتمد على طريق يمنعه الشرع. وهو طريق حرم الإستغلال بواسطته لقوله تعالى “وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا” (البقرة، 2/ 275)، وقول النبى صلى الله عليه وسلم “الحنطة بالحنطة مثلا بمثل، يدا بيد والفضل ربا”، وكذلك حديث أبي هريرة رضي الله عنه “نهى رسول الله صلى الله عليه عن صفقتين في صفقة واحدة”.

9.    بيع السلف

بيع السلف؛ بيع كلي في الذمة مؤجل بثمن حال عكس النسيئة. عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ سَلَفٍ وَبَيْعٍ وَعَنْ شَرْطَيْنِ فِي بَيْعٍ وَاحِدٍ وَعَنْ بَيْعِ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ وَعَنْ رِبْحِ مَا لَمْ يُضْمَنْ.[50]

وله أساليب كثيرة ومختلفة؛ منها أن الشخص الذي يريد أن يقرض بالربا بنسبة 10%، يقرض أولا 100 ليرة، ثم يبيع للمدين مالا بـ 10 ليرات مؤجلا لمدة سنة، ويهب المدين هذا المال بعد استلامه لشخص ثالث ويتم تسليم المال إليه. ويهب الشخص الثالث للمقرض. وبهذا الطريق يعود المال إلى  المقرض ويصبح المدين مدينا بـ 110 ليرات.

وهو يبيع مالا ثمنه الأصلي 5 ليرات بـ 5 ليرات معجل و15 ليرة الباقية مؤجل لمدة سنة، وقد تحايل إلى الربا بالرغم من أنه قام بهذه الطريقة المعقدة هاربا من الربا. لأنه معاملة ربوية على صورة البيع والشراء. وكانت تقوم بهذه المعاملة المؤسسات النقدية.

وبالخلاصة إن أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم التي تحرم الربا في تطابق تام مع الآيات التي تحرم الربا. وهذا أمر طبيعي لأن النبي صلى الله عليه وسلم مأمور بتبليغ ما أوحى الله إليه.

ت‌.  التدرج في تحريم الربا

هذا الموضوع لمعرفة التاريخ الذي تم  فيه تحريم الربا. وإلا ما الفائدة لنا اليوم من معرفة التدرج في تحريم الربا. ولأن الربا ما زال حراما. ولا يجوز لأي مسلم أن يتجاوز هذا الحرام بأي سبب من الأسباب. وقد أثم من تجاوز هذا الحرام. عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: “آخر آية نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم آية الربا”.[51]

ويقول محمد عبد الله دراز إن الربا في القرآن الكريم تدرجت الآيات في تحريمه كما تدرجت في تحريم الخمر ويمكن ترتيب هذه التدرج كما يلي:

المرحلة الأولى:- ما جاء في سورة الروم وهي مكية نزلت قبل الهجرة ببضع سنين مقروناً بذم الربا ومدح الزكاة وذلك قبل فرض الزكاة كما في قوله تعالى: «وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ» ) الروم، 30/ 39 ( . وقد جاء في السور المكية أصول الواجبات والمحرمات بوجه إجمالي كما في هذه الآية.

المرحلة الثانية:- وهي في قوله تعالى في سورة النساء:  «فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا. وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا» ) النساء، 4/  160 –161(. أي أن الله قد نهاهم عن الربا فتناولوه وأخذوه واحتالوا عليه بأنواع من الحيل وصنوف من الشبه. وهذا تلميح بالتحريم لأنه جاء على سبيل الحكاية عن بني إسرائيل وأن الربا كان محرماً عليهم، فاحتالوا على أكله، فهو بذلك تمهيد ، وإيماء إلى إمكان تحريم الربا على المسلمين كما هو محرم على بني إسرائيل… وفيه إيماء آخر ، وهو أنه إذا حرم عليكم الربا فلا تفعلوا مثل فعلهم، فتلقوا من العذاب الأليم مثل ما لقوا لأن هذا السلوك ليس إلا سلوك الكافرين والعياذ بالله.

المرحلة الثالثة:- في سورة آل عمران حيث يقول تعالى: « يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ. وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ. وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ » ( آل عمران، 130 –132 ) . أي: يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا في إسلامكم بعد إذ هداكم له، كما كنتم تأكلونه في جاهليتكم. وهذا مفيد لتحريم الربا- كما سبق بيانه – إلا أنه لم يكن فيه من التهديد والوعيد ما كان في آخر مراحل التحريم.

 المرحلة الأخيرة :- وفي هذه المرحلة جاءت الآيات الكريمة بالحكم الشرعي: «الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ. يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ. إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ. فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ» ( البقرة، 275 – 279 ). وهذه الآيات من آخر ما نزل من القرآن الكريم، كما قال ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: « يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ. فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ» أن هذه آخر آية نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم.[52] وقد أجاز الله تعالى فيها أخذ رؤوس الأموال بشرط أن يتوبوا.

ويستمر تحريمه إلى يوم القيامة، هذا تاريخ الربا عبر التاريخ، وكابوسه الثقيل على الأمم وموقف الشرائع السماوية منه ومحاربته لإنقاذ البشرية من ويلاته ولكنْ يأبى الذين استحوذ عليهم الشيطان واستولى عليهم الشحُّ إلا عتواً ونفوراً ليستمروا في التحكم بأموال الناس بغير حق.[53]


[1]   قال الله تعالى: « الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ» (البقرة، 2/ 275)

[2]   صحيح مسلم، مساقات 82 (1584).

[3]  صحيح البخاري، البيوع، 78؛  صحيح مسلم مساقات،  75 (1584).

[4]  صحيح مسلم مساقات، 77 (1585).

[5]  سنن أبي داود البيوع والاجارات، 12؛ رقم الحديث 3349.

[6]  سنن النسائي، البيوع 43.

[7]  صحيح مسلم مساقات، 83 (1588).

[8]  صحيح مسلم مساقات، 84 (1588).

[9]  صحيح مسلم مساقات، 85 (1588).

[10]  تراوضنا: تجاذبنا في البيع والشراء وهو ما يَجْري بين المُتَبايعْين من الزِّيادة والنُّقْصان.

[11]  صحيح البخاري، كتاب البيوع، 76.

[12]  صحيح مسلم، المساقاة 89 (1591).

[13]  صحيح مسلم، المساقاة 90 (1591).

[14]  صحيح مسلم، 91 المساقاة (1591).

[15]  سنن النسائي، البيوع 48.

[16]  صحيح مسلم، 92 المساقاة (1591).

[17]  صحيح مسلم، المساقاة 86 (1591).

[18]  سنن النسائي، البيوع 49 .

[19]  صحيح مسلم، المساقاة 78 (1585).

[20]  صحيح البخاري، كتاب البيوع، 77.

[21]  صحيح مسلم، المساقاة 81 (1583).

[22]  سنن أبي داود، 12 رقم الحديث 3349.

[23]  صحيح البخاري، كتاب البيوع، 80.

[24]  سنن ابن ماجة، باب التجارات 50، رقم الحديث 2261.

[25]  سنن النسائي، كتاب البيوع 43.

[26]  صحيح البخاري، كتاب البيوع، 81.

[27]  صحيح مسلم، المساقاة 88 (1590).

[28]  سنن النسائي، كتاب البيوع 51.

[29]  سنن أبو داود، كتاب البيوع 14 رقم الحديث 3354.

[30]  صحيح مسلم، المساقاة 93 (1592).

[31]  تاج العروس محمد مرتضى الزبيدي، مصر – القاهرة 1306، مادة طعام.

[32]   صحيح البخاري كتاب الزكاة 73.

[33]  سنن الدارمي، كتاب البيوع 42.

[34]  مسند أحمد 2/ 109.

[35]  انظر؛  صحيح البخاري، كتاب البيوع، 82.

[36]  ابن  منظور، لسان العرب 11/ 610.

[37]  سنن النسائي، كتاب البيوع، 41.

[38]  صحيح مسلم، المساقاة 94 (1593).

[39]  يقال للمال المضروب من الذهب الدينار، وللمضروب من الفضة الدرهم.

[40]  مدلة الأحكام العدلية، مادة: 30.

[41]  لسان العرب، مادة: صفق.

[42]  مسند أحمد بن حنبل، 1/ 398.

[43]  سنن الترمدي، كتاب البيوع 18، رقم الحديث 1231. ونقل الترمدي عن أبي عيسى قوله حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ.

[44]  الوكس: النقص.

[45]  سنن أبي داود، كتاب اليوع 55، رقم الحديث 3461.

[46]  بداية المجتهد، ج 2 /  ص 115.

[47]  سنن أبي داود، كتاب اليوع 55، رقم الحديث 3461.

[48]  فبيع العينة هو أن يبيع سلعة بثمن معلوم إلى أجل ثم يشتريها من المشتري بأقل ليبقى الكثير في ذمته، وسميت عينة لحصول العين أي النقد فيها، ولأنه يعود إلى البائع عين ماله.

[49]  سنن أبي داود، كتاب اليوع 56، رقم الحديث 3462.

[50]  سنن النسائي، كتاب البيوع 71.72 رقم الحديث 4629.4630.

[51]  البخاري، كتاب البيوع 25.

[52]  رواه البخاري معلقاً بصيغة الجزم.

[53]  فقه وفتاوى البيوع : 152. وانظر في التدرج في تحريم الربا : فقه السنة : 3 /  156 والفائدة والربا الصفحات السابقة في الفصل . هذا وبعض العلماء لم يذكر هذا التدرج .

Facebook'ta PaylaşTwitter'da Paylaş

تعليقك على الموضوع  
التعليق *
* ضرورة إدخال هذا الحقل باللغة العربية

شوهد 8.268 مرة/مرات
الموضوعات ذات الصلة بهذا الموضوع