سببُ قتالِ أبي بكر للمُرتدِّين
السؤال: ما التوضيح بشأن حروب الرِّدة التي قام بها أبو بكر الصديق رضي الله عنه، ولِمَ قاتل المرتدين؟ وهل كان قتاله إياهم بسبب ردتهم أم بسبب منعهم الزكاة أم هناك سبب آخر لذلك؟

الجواب: سببُ قتالِ أبي بكر _رضي الله عنه_ للمرتدِّين هو خروجُهم على الدَّولة التي كان هو رئيسُها، وهو تصرُّف طبيعيٌّ من حاكم يريدُ الحفاظَ على الدَّولة التي أؤتمن عليها بعد وفاةِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، وقد وَجدَ نفسَه مُلزَما بمحاربتهم لما رأى من خطرهم على المسلمين عامَّة، ولم يفرِّق في حربه بين من ارتد عن الإسلام وبين مَن منع الزكاة، فكلا الفريقين قد أعلن العداء للمسلمين.

لقد قاتل الصِّدِّيقُ مَن منعوا أداءَ الزكاة إليه بالرُّغم من أنَّهم لم يرتدُّوا عن الإسلام، بل قالوا نخرجُها لفقرائنا، وهذا يعني أنَّهم مؤمنون بها مؤدُّون لها، لكنَّهم عندما امتنعوا عن أدائها إليه اعتبرهم خارجين عن طاعته، وقد عزَّز تلك القناعة التَّحضيراتُ العسكريَّةُ التي أبداها المرتدُّون.

لقد أعدَّ المرتدُّون العدةَ لحربِ المسلمين، ونظَّموا أنفسَهم وأنشؤوا من التَّحالفات[1] ما كان كافيا للقضاء على المسلمين لولا بصيرة أبي بكر الذي بادر إليهم وقطع الطَّريق على آمالهم. وقد ظهر أثرُ ذلك التَّنظيم والاستعداد ببدئ مجموعةٍ منهم الهجومَ على المدينة في غياب جيش أسامة بن زيد الذي ذهب لمواجهة الرُّوم في الشَّمال[2] وبمستوى المقاومة التي أظهروها في الحرب، حتى إنَّ الحربَ ضدَّهم أخذت وقتاً أطولَ من فتحِ العراق أو الشَّام.

لذلك لما اعترضَ عليه بعضُ الصحابةِ لقاتله مانعي الزَّكاة قال لهم: «وَاللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عَنَاقًا[3] كَانُوا يُؤَدُّونَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهَا»[4]

لا يمكن أن يكون سببُ قتال أبي بكر للمرتدِّين هو رجوعُهم عن الإسلام، لأنَّ كثيراً منهم كانوا منافقين في زمن النَّبي، أي أنهم كانوا كفرة في بواطنهم مسلمين في ظواهرهم، حتى إنَّ بعضهم قد أظهر ردتَّه في زمن النبي كما فعل مسيلمة، ومع ذلك أُمر النَّبيُّ بأن يديم الصَّلة بهم ما داموا لا يُظهرون له العداء.

يقول الله تعالى لنبيه والمؤمنين: {وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ. وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (التوبة، 101_102) ذكر أولا المنافقين الذين لا يعلمهم إلا الله، ثم ذكر المعترفين منهم بذنوبهم.

ويُعقِّبُ الله تعالى بعد ذلك بقوله: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} (التوبة، 103) وقوله تعالى خُذْ من أموالهم، أي من أموال مَنْ ذُكروا سابقاً، وإذا علمنا أنَّ الآياتِ السَّابقة كانت قد تحدَّثت عن الكفار والمنافقين والمؤمنين فلا بدَّ أنَّ الخطاب للنبيِّ يشملُهم جميعاً بصفتِهم مواطنين في الدولة حيث رسول الله رئيسُها، وسُكَّانُها باختلاف أعراقهم وأديانهم مواطنون.

وقوله تعالى : “وصلِّ عليهم” أي كُنْ على صلةٍ بهم مهتماً بحالهم.  قَالَ الزّجاج: الأصلُ فِي الصَّلَاة اللّزوم، يُقَال: قد صلِيَ واصطَلَى: إِذا لزم[5]. والصَّدَقَةُ تُظهر صداقة الإنسان، وفي أدائها للدَّولة يَظهَرُ ولاءُ الشَّخصِ لها، وأنَّه مُستحِقٌ رعايتها.

إن أمْرَ الله تعالى لنبيه أن يصلِّيَ عليهم لا يفيد إلِّا اهتمام الأمير بأمورهم المتعلِّقة به، وذلك بحسب ما دلّ عليه سياقُ الآيات. ويؤيِّدُه قولُه سبحانه وتعالى: “إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ” أي إن اهتمامك بهم يُسكنهم ويجعلهم مطمئنِّين في كونهم تحت أمرك. وهذا ما يُفسِّرُ عدمَ اشتراط الإيمانِ لاستحقاق الصَّدقة،  كما جاء في قوله تعالى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } (التوبة، 60)

الدولة لا تستطيع تفريق المسلم من المنافق كما أنها لا تُفرِّقُ بينهما في أخذ الصَّدقة منهما ولا في إيصال الخِدمات إليهما. وبذلك ظهرت الحكمة في ذكر الصَّدقة في الآيتين؛ لأنَّها كلمةٌ جامعةٌ بين ما يؤدِّيه المسلم وغير المسلم من مواطني الدولة، فالصدقةُ للمسلم تفيدُ _أولا_ صدقَه في اتباعه أوامرَ الله تعالى؛ لذا يجوز توصيف صدقته بالزَّكاة، أمَّا صدقةُ غيرِ المسلم فلا تفيدُ إلا صداقته للدَّولة.

إن امتناع فريقٍ من الناس عن أداء الصَّدقة للدَّولة يعني خروجَهم عليها وتمرُّدَهم على الالتزام بنظامها، وهذا يعطي الدولةَ الحقَ في معالجة خروجهم عليها بما تراه مناسبا بما يسمح به الشَّرع الكريم. وقد أظهر المرتدون عداء واضحا للدولة، وأخذوا من الاستعدادات ما أوحى بتصميمهم على حرب المسلمين، وهذا اعتداء يبرر إعلان الجهاد ضدهم.

للمزيد حول موضوع الرِّدة ننصح بقراءة مقالة جمال نجم (الرِّدة عن الإسلام وحكمها) على الرابط التالي http://www.hablullah.com/?p=1242

وقف السليمانية/ مركز بحوث الدين والفطرة

الموقع: حبل الله www.hablullah.com

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]  عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: لما مات رسول الله ص، وفصل أسامة ارتدت العرب عوام أو خواص، وتوحَّى مسيلمة وطليحة، فاستغلظ أمرهما، واجتمع على طليحة عوام طيئ وأسد، وارتدت غطفان إلى ما كان من أشجع وخواص من الأفناء فبايعوه، وقدمت هوازن رجلا وأخرت رجلا أمسكوا الصدقه الا ما كان من ثقيف ولفها، فإنهم اقتدى بهم عوام جديلة والأعجاز، وارتدت خواص من بني سليم، وكذلك سائر الناس بكل مكان”. الطبري، تاريخ الرسل والملوك، دار التراث، ط2، باب حوادث متفرقة، 3/242

[2]  جاء في رواية الطبري ما يلي: “وانتظر (أبو بكر) بمصادمتهم قدوم أسامة (من مؤتة)، وكان أول من صادم عبس وذبيان، عاجلوه فقاتلهم قبل رجوع أسامة” الطبري، تاريخ الرسل والملوك، دار التراث، ط2، باب حوادث متفرقة، 3/243

[3]  العناق يقع على الأنثى من أولاد الغنم، ما بين أن تُولد إلى أن يأتي عليها الحول وتصير عنزا. (انظر مقاييس اللغة، مادة عنق)

[4]  صحيح البخاري، باب أخذ العناق في الصدقة، 1456

[5]  لسان العرب، مادة صلا

Facebook'ta PaylaşTwitter'da Paylaş

تعليقك على الموضوع  
التعليق *
* ضرورة إدخال هذا الحقل باللغة العربية

الموضوعات ذات الصلة بهذا الموضوع