(أوْهَن الْبُيُوتِ) خاطرة في محاولة فهم هذا التعبير القرآني

(أوْهَن الْبُيُوتِ)

خاطرة في محاولة فهم هذا التعبير القرآني

 

أ.د عبد الحميد الجهاني

(اختصاصي الحوادث وجراحة العظام)

مُقدِّمة :

يقول الله تعالى فى سورة العنكبوت :

{مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (41)}.

ما هو المقصودُ من وصف الله تعالى لبيت العنكبوت بأنَّه أوهن البيوت ؟ هل المقصودُ ببيت العنكبوت تلك الشَّبكة التي ينسجها العنكبوت ويمكن أن تُهدَم بسهولة أم شيءٌ آخر ؟ !

“بيت العنكبوت” :

إنَّ أوَّلَ ما يخطر ببال السامع لتعبير “بيت العنكبوت” هى تلك الشِّباك المعلقة فى الاماكن المهجورة أو بين أغصان الشجر، ونحن يمكن أن  نُزيلها بكل سهولة بحركة يد أو بمكنسةٍ ابتغاء النظافة اعتقاداً منَّا أنَّ مكان بيت العنكبوت وسخٌ فلابُدَّ من إزالته وتنظيف موقعه.

أي أنَّ تفكيرَنا فى الحقيقة ينصبُّ عند سماع كلمة (بيت) العنكبوت دائماً على (شباك) العنكبوت المعلَّقة و لاغير، بالرغم من أنَّ الله سبحانه لم يتكلَّمْ  لا عن خيوط و لا عن شباك العنكبوت !

ثم أليس من الملاحظ أنَّ العنكبوت لا تقيم فى بيتها الشَّبكي هذا ؟ بل تُقيم بعيداً عنه ولا يربطها به إلَّا خيطٌ من خيوطه للاتصال وتوريد أيَّة حركة غيرِ طبيعية بهذه الشبكة الى العنكبوت صاحبة الشبكة.

إنَّ هذا البيت الشَّبكيَّ ما هو إلا جدارٌ واحدٌ على هيئة شبكة نُصبت بشكل عمودى كالجدار و ليس له لا أرضيَّة و لا جدر جانبية أخرى و لا سقف.

إنَّ تلك الشَّبكة غير قادرة على حماية العنكبوت لو سكنتها من ريحٍ ولا شمسٍ ولا مطر ولا من هجمات أيَّة حشرة أخرى أو حيوان أخر مهاجم .

إنَّ تكوينَ تلك الشبكة له جانب خدميٌّ للعنكبوت ذاتها حيث إنَّ الرياح لا تؤثر فيه ولا تقلعه من تثبيته حيث تخرج الرياح من فتحات الشبكة دون ايِّ تأثير ، بعكس لو كانت هذه الفتحات غير موجودة  وتحولت إذا الشبكة الى شراع حينئذٍ سيتمُّ قلعها مع أول ريح تمر بها فالفتحات هى حماية هندسية لإطالة عمر الشبكة.

إنَّ حبال الشبكة_ التي يتم نسجُها من العنكبوت الأنثى (بتاء التأنيث) كما أخبرنا اللهُ فى الاية_ تلتصقُ حسب الدراسات العلمية بطرف العنكبوت نفسها من الخارج بمادَّةٍ شديدة الالتصاق، باستثناء مسارات معينة تجري عليها العنكبوت عند القدوم للفريسة، فكل مَنْ يصطدم بها أثناء طيرانه من حشرات طائرة يلتصق بحبالها فلا يستطيع لها قطعاً وكلما مدَّ ذراعاً لتحرير ما قد التصق من الاذرع الاخرى يلتصق هو أيضاً ، وإذا ما لا مس جسمُه الحبال التصق هو أيضاً بها دون أملٍ فى الخلاص ،وتقول الدِّراساتُ إنَّ كلَّ حبلٍ من هذه الحبال الدَّقيقة مكوَّنٌ من عدَّة ألياف أكثر دقة وإنَّ قطرَ كلِّ حبلٍ منها أقلُّ بكثير من قُطر شعرة الانسان.

إلَّا أنَّها متينةٌ جدَّاً  وبشكل يفوق التصوَّرَ لذلك فقد سُمِّيت خيوطُ العنكبوت ب”الفولاذ البيولوجي”.

وقد استُحدِثَت بسبب ذلك أفكارُ الأفلام عن “الرجل العنكبوت” الذي يستعينُ بفكرة متانة حبال شبكة العنكبوت وقدرتها على الالتصاق الشديد لحمله ولحمل إنسانٍ آخرٍ معه فى كثير من الأحيان إشارةً الى متانة هذه الحبال وقوَّة التصاقها.

أثبتت الدِّراسات التى تمَّت على هذه الألياف العنكبوتية بتجربة حمل الاوزان أنَّها أقوى بأضعاف المرَّات من خيطٍ من الفولاذ بنفس القطر.

تُستعملُ هذه الخيوط الآن عسكريَّاً لصناعة دروعٍ واقيةٍ من الرصاص، خاصة المسمَّى بالخارق الحارق منها، كما تُصنعُ منها أيضاً خيوطُ الرأب الجراحي فى المجال الطبي. وفى كندا بدأ العلماء بتصنيع هذه الخيوط بطرق صناعية تجارية ومُعدَّلة وراثياً لتناسب الاحتياجات الكبيرة و خاصة العسكرية منها.

إنَّ الحركات المتتالية للحشرة الملتصقة كمحاولةٍ منها للخلاص من الشبكة يؤدى الى اهتزاز الحبل الواصل بالعنكبوت نفسها، فتأتي مسرعةً لفريستها المُلتصقة، فتراها تجري بسرعةٍ ملفتة وكأنَّها تنزلق على جليد!

إذا نحن لا نجد من المواصفات المعهودة  للبيت  أيَّ شيئٍ أبداً فى شباك العنكبوت.

بل كل ما نجده فيها ما هو إلَّا مواصفات شبكة صيد متكاملة، وهذا من حيث موقعها، وعدم ظهورها للعيان بوضوح، وانسجام لونها مع محيطها بحيث لا ينتبه اليها إلَّا مَن يحرص بشدة على البحث عنها ، وخاصيَّة الالتصاق فى حبالها، والمجسَّات الميكانيكيَّة التى بها لنقل أيَّة حركة غير عادية الى صاحب الشبكة ، وليس آخراً لقوة حبالها الفولاذية البيولوجية وعدم تقطعها بسهولة ومرونتها فهي تتمدَّدُ الى حوالي عدة أضعاف طولها فى الاحوال العادية ودون ان تنقطع.

إذا كان ما نشاهده نحن من شباك العنكبوت والذى نظن أنَّه هو الذي  يُسمَّى ببيت العنكبوت هو مجرد وسيلة صيد لقُوتها بدافع غريزة البقاء ، فأين إذا هو بيتها، بيت العنكبوت؟

الحقيقة هي أن العنكبوت يعيش في كل مكان وبالتالي قد يكون بيتُه داخل الجحور أو الشقوق والصدوع أو تحت الماء والصخور أو حتى في أعالي الجبال والأشجار أمَّا شبكة العنكبوت التي نراها كثيراً في زوايا الجدران والمواقع المظلمة فهي مجرد مصيدة للفرائس تبنيها العنكبوت في موقع لا يبتعد عن بيتها كثيرًا.

ما المقصود إذاً من قوله تعالى فى الآية الكريمة “بيت العنكبوت”؟

أعتقد أنَّ الإجابة على هذا السؤال تُوجبُ علينا أن ننطلقَ مما قالته كتبُ التفسير في ذلك.

النكت والعيون (تفسير الماوردي):

{مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَآءَ} يعني آلهة من الأصنام والأوثان عبدوها. {كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً} يعني أنهم عبدوا ما لا يغني عنهم شيئاً كبيت العنكبوت الذي لا يدفع شيئاً وهو من أبلغ الأمثال فيهم. {وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ} لأنه لا يستر الإبصار ولا يدفع الأيدي , وقد حكي عن يزيد بن ميسرة أنه قال ان العنكبوت شيطان مسخها الله.

وفي كتاب صفوة التفاسير نجد التفسير الاتى لنفس الاية:

ثم ضرب تعالى مثلاً للمشركين في اتخاذهم آلهة من دون الله فقال {مَثَلُ الذين اتخذوا مِن دُونِ الله أَوْلِيَآءَ كَمَثَلِ العنكبوت اتخذت بَيْتاً} أي مثل الذين اتخذوا من دون الله أصناماً يعبدونها في اعتمادهم عليها ورجائهم نفعها كمثل العنكبوت في اتخاذها بيتاً لا يغني عنها في حر ولا برد، ولا مطر ولا أذى قال القرطبي: هذا مثل ضربه الله سبحانه لمن اتخذ من دونه آلهة لا تنفعه ولا تضره، كما أن بيت العنكبوت لا يقيها حراً ولا برداً {وَإِنَّ أَوْهَنَ البيوت لَبَيْتُ العنكبوت لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ} أي وإِن أضعف البيوت لبيتُ العنكبوت لتفاهته وحقارته، لو كانوا يعلمون أن هذا مثلهم ما عبدوها.

وفى تفسير القرطبى نقرأ الآتي:

قَوْلُهُ تَعَالَى: (مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ) قَالَ الْأَخْفَشُ:” كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ” وَقْفٌ تَامٌّ، ثم قِصَّتَهَا فَقَالَ: (اتَّخَذَتْ بَيْتًا) قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: وَهَذَا غَلَطٌ، لِأَنَّ” اتَّخَذَتْ بَيْتًا” صِلَةٌ لِلْعَنْكَبُوتِ، كَأَنَّهُ قَالَ: كَمَثَلِ الَّتِي اتَّخَذَتْ بَيْتًا، فَلَا يَحْسُنُ الْوَقْفُ عَلَى الصِّلَةِ دُونَ الْمَوْصُولِ، وَهُوَ بمنزلة قوله:” كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً” فيحمل صِلَةٌ لِلْحِمَارِ وَلَا يَحْسُنُ الْوَقْفُ عَلَى الْحِمَارِ دُونَ يَحْمِلُ. قَالَ الْفَرَّاءُ: هُوَ مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ لِمَنِ اتَّخَذَ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا تَنْفَعُهُ وَلَا تَضُرُّهُ، كَمَا أَنَّ بَيْتَ الْعَنْكَبُوتِ لَا يَقِيهَا حَرًّا وَلَا بَرْدًا. وَلَا يَحْسُنُ الْوَقْفُ عَلَى الْعَنْكَبُوتِ، لِأَنَّهُ لَمَّا قَصَدَ بالتشبيه لبيتها الذي لا يقيها من شي، فَشُبِّهَتِ الْآلِهَةُ الَّتِي لَا تَنْفَعُ وَلَا تَضُرُّ بِهِ. (وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ) أَيْ أَضْعَفَ الْبُيُوتِ (لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ). قَالَ الضَّحَّاكُ: ضَرَبَ مَثَلًا لِضَعْفِ آلِهَتِهِمْ وَوَهَنِهَا فَشَبَّهَهَا بِبَيْتِ الْعَنْكَبُوتِ. (لَوْ كَانُوا يعلمون) ” لو” متعلقه ببيت الْعَنْكَبُوتِ. أَيْ لَوْ عَلِمُوا أَنَّ عِبَادَةَ الْأَوْثَانِ كَاتِّخَاذِ بَيْتِ الْعَنْكَبُوتِ الَّتِي لَا تُغْنِي عَنْهُمْ شيئا، وأن هذا مثلهم لما عبدوها، لا أنهم يَعْلَمُونَ أَنَّ بَيْتَ الْعَنْكَبُوتِ ضَعِيفٌ. وَقَالَ النُّحَاةُ: إِنَّ تَاءَ الْعَنْكَبُوتِ فِي آخِرِهَا مَزِيدَةٌ، لِأَنَّهَا تَسْقُطُ فِي التَّصْغِيرِ وَالْجَمْعِ وَهِيَ مُؤَنَّثَةٌ. وَحَكَى الْفَرَّاءُ تَذْكِيرَهَا وَأَنْشَدَ:

عَلَى هَطَّالِهِمْ مِنْهُمْ بُيُوتٌ … كأن العنكبوت قد ابتناها. 

نُلاحظُ من تلك التفاسير إجماعاً على معنى واحد فقط، فلقد فسَّروا كلمة (1) أولياء بالأوثان والأصنام الجامدة، و كذلك يُفهم من جملة تفاسيرهم أنَّ المقصود من كلمة (2) بيت هو تلك الشِّباك التى نراها معلقة فى الاماكن المهجورة أو بين الأشجار ، كذلك ذهبوا فى تفسير (3) الوهن بالضعف البنائي الإنشائي للبيت.

لا يخفي على أحدٍ أنَّ هذه الشباك بالنسبة لنا نحن البشر هى فعلاً واهنة ضعيفة لا تماسك لها ولا تحمى صاحبها من أيِّ شيئٍ على الإطلاق من عوامل البيئة، لكنَّنا لانجد فى هذه التفاسير أبداً أيَّة إشارة تناقش او تسأل فيما إذا كان المقصود فى الآية الكريمة من كلمة “بيت العنكبوت” هو شبكة العنكبوت.

ومقالتى هذه ليست المقالة الأولى من نوعها التى تبحثُ في موضوع بيت العنكبوت، فهناك مقالات أخرى أجنبية وعربية تناولت نفس الموضوع من ضمنها مثلاً ما ورد عن الكاتبة الامريكية اليهودية (Erica Jong) فى مقالتها:

تحاول الكاتبةُ جاهدةً فى مقالتها هذه التى تمت ترجمتها الى عدة لغات أن تقول بأنَّ الآية الكريمة ليست صحيحة واستنتجت من ذلك القول بأنَّ القرآن هو من تأليف محمد الذى نظر فرأى شبكة العنكبوت فحسبها بيتاً له ورأى وهنه وضعفه فكتبَ هذه الآية التى تقول إنَّ أوهن البيوت هو بيتُ العنكبوت، فى الوقت الذي أشارت في هذه المقالة إلى أنَّ بيت العنكبوت موجود فى الارض على هيئة حفرة عميقة وهو غايةٌ فى المتانة و الصلابة وليس كما تصفه الآية ، وأنَّ الشبكة عادة ما تكون قريبةً من مدخل هذا البيت. وقد زوَّدتْ المقالة بصور تؤيد هذا القول، فهي إذا بمقالتها هذه تهدف الى التشكيك فى القرآن الكريم.

لو كانت هذه الآية من تأليف مُحمَّد لاستعملَ كلمةَ شبكة أو خيط من دون أن يعارضه أحد و ذلك لعدم علمهم فى ذاك الوقت بخصائص خيط العنكبوت، ولكنَّ تلك الآية قولُ الله الذى خلق كل شيئ فأحسن خلقه.

في ردٌّ لطيف على الصحفي فهد الأحمدي في فهم (أوهن البيوت)، نجد تأكيداً أنَّ الشِّباك هى ليست البيت المقصود فالشِّباك هى للصيد ، أمَّا (2) البيت فنجده فى مواقع حصينة وصدوع صلبة أو على عمق كبير من سطح الأرض.

وتقول الدراسات العلمية الحيوانية أنَّ الحياة الاجتماعية للعناكب هي من أغرب ما يكون ، فالعلماء لم يكتشفوا إلَّا مؤخراً أنَّ أنثى العنكبوت هي من تتخذ البيت للسكن والتفريخ وهي من تفرز الخيوط الحريرية وتغزل شبكة الصيد للإيقاع بالفريسة. والذَّكر ليس لديه لا غدة إفراز للحرير و لا مغازل و يقتصر دوره  على “المسيار” والارتماء عند قدمي الأنثى كي (تأكله) بعد انتهائه من تلقيحها، وتقول الدراساتُ إنَّ الأنثى تحتاج النسيج الذَّكري لإتمام نضج بيوضها، وهذا المصير المخيف يُوحي بأنَّ المقصود في الآية الكريمة هو وهن البيت (3) من الناحية الأسريَّة والاجتماعيَّة، فالأنثى تأكل الذكر بعد التلقيح وتأكل أبناءها بعد خروجهم من البيض كما يأكل الاخوة بعضهم البعض كلما سنحت لهم الفرصة!

والتفريق بين وهن البيت كوصف مجازي وقوة المادة التي يبنى داخلها -ولا أقول: منها- يثبته استعمال الآية الكريمة لكلمة “بيت” يتم اتخاذه، وليس “خيوطا” أو “شبكة” يتم صنعها عمدًا. أضف لهذا أن وهن البيت في الآية الكريمة جاء في سياق ضرب المثل بمن يتخذ من دون الله أولياء حيث الصلات واهية والروابط متقطعة والغدر وارد في أي لحظة {مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّه أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا ۖ وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ ۖ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [العنكبوت:41]!. ومن هذا كله يتضح أن “أوهن البيوت” هو معنى مجازي لا غير.”

فدلالة أوهن البيوت مأخوذة إذاً من حيث الروابط الأسرية والمبادئ الأخلاقية وسيادة الخيانة والغدر والقسوة؛ فالأنثى تأكل الذكر بعد التلقيح وتأكل أبناءها بعد خروجهم من البيض كما يأكل الاخوة بعضهم البعض كلما سنحت لهم الفرصة ، وهذا ما سمَّاه غيره بـ(الوهن الاجتماعي).

رابط المادة  http://iswy.co/e16fkr

ويقول الطبيب مصطفى محمود:

“الحقيقة أن بيت العنكبوت هو أبعد البيوت عن صفة البيت بما يلزم البيت من أمان و سكينة و طمأنينة، فالعنكبوت الأنثى هي التي تبني البيت و تغزل خيوطه، و هي الحاكمة عليه، و هي تقتل ذكرها بعد أن يلقحها و تأكله، و الأبناء يأكل بعضهم بعضاً، و لهذا يعمد الذكر إلى الفرار بجلده…و تغزل الأنثى العنكبوت بيتها ليكون فخاً و كميناً و مقتلاً لكل حشرة، أي: إنه ليس بيتاً بل مذبحة“.

ونرى فى الصورة الآتية رسماً تخطيطياً للعنكبوت الانثى بموقع غدة الحرير ومغازل الخيط العنكبوتي :

ولنرجع الان للآية القرآنية أساس موضوعنا وهى التى يضرب الله فيها المثل للذين اتخذوا من دون الله أولياء، فهنا “اتخذوا” تعني في القواميس العربية أنَّه الفعل الذى يُنفَّذُ بالإرادة الذاتية مع كامل الوعي والإدراك وفى تمام العقل والفهم ، فيكون الحديث هنا عن مجموعة المشركين الذين تعمّدوا اتخاذَ أولياء من دون الله، وأولياء(1) هنا لايمكن أن يُقصَدَ بها الأوثان أو الأصنام الجامدة بل هم البشر الذين آمن المشركون بقدرتهم وقوتهم لحمايتهم من بأس الله وعذابه، فالأولياء هم إذا من الاحياء الحركيين الفاعلين والذين يريد المشركون الاعتماد عليهم لظنهم أنَّهم ذو قوة وبأس شديد ، وهذا ما يمكن أن نقوله عن حبال العنكبوت كل على حدة لما فيها من متانة وقوة، وبالرغم من ذلك فالشَّبكة في مجملها هى بالفعل واهنة واهية ، فالمشركون حين اتخاذهم أحياءاً  كأولياء لهم فهم يرون في كلِّ وليٍّ ما يرون في متانة خيط العنكبوت، فإن كانت المتانةُ في حبلٍ واحدٍ فقط وهو بقوة خيط العنكبوت فكيف سيكون البيت المبنى من هذه الالياف ؟ ! لكنَّ أولئك المشركين لا يعلمون شيئاً عن وهن البيت نفسه.

ويمكن أن نعتبر أنَّ هذا المعنى هو أيضا تفسيرٌ مقبولٌ عند الأخذ بظاهر الأمور الخارجية التى يلاحظها الانسان وأعتقد أنَّه لا يتعارض مع التفسير العلميِّ الحديث والذى يمكن أن ننظرَ اليه بأنَّه عمقٌ جديدٌ لنفس المعنى، حيث أثبتت الدِّراسات الاجتماعية لحياة العنكبوت ما ورد ذكره آنفاً عن الحياة الاجتماعية الواهنة لأسرة العنكبوت من خداع الأنثى للذكر الذى ينتهى بافتراسه بعد نهاية الجماع و من حيث أنَّ الأولاد يفترس القويُّ منهم الضعيف مبتدئين بما تبقى من أبيهم ثم ينقلبون على أمهم ثمَّ على أنفسهم !

وتؤكد الدراسات العلميَّة أنَّ بيت العنكبوت هو الوحيد فى أمّة الحيوانات الذى وجدوا فيه هذا الغدر والخيانة ، فإذا كانت الأسرة هي لبنة المجتمع فكيف يكون المجتمع الذى تكون الأسرةُ فيه هكذا مثل بيت العنكبوت، ستكونُ أسرةً فاشلة واهية فاسدة حيث كلُّ فردٍ منها يقاتل لأجل نفسه وبقائه.

فجاءت الآيةُ الكريمة تُنبِّهُ المسلمين وبطريقة عجيبة وغير مباشرة وملفتة للانتباه على أهمية صلاح الاسرة وكيف يمكن تجنُّب أن يقع فيها الفساد، وهذا لايتمُّ إلَّا بالايمان الحقيقى القلبي بوحدانية الله وتقواه، وهكذا فعلى كلِّ واحدٍ فينا أن يتقي الله ويخاف عقابه ويعبده وحده لا شريك له مخلصاً لوجهه الدين ولا يتخذ من دونه أولياء مهما كانت قوتهم أو جبروتهم الظاهر أو سلطتهم القاهرة فى الدنيا.

فالآيةُ الكريمةُ أتت بالمثل الخطير عن بيت العنكبوت تشير به الى بيوت الذين لا يؤمنون بالله لتنبِّهنا أن لا يكون بيتُنا نحن المسلمين مثلها. وقد وردت فى مجلة الرياحين العدد 62 مقارنةٌ جد جميلة بين بيت المسلم وبيت الكافر أقتبسُها فيما يلي تامة :

فبيوت المسلمين:

بيوت تقوم على العلاقة المتينة، والمحبة والوئام.

 بيوت المسلمين بيوت قوية العلاقات، فهي بيوت أسست على كتاب الله عزّ وجلّ، وسنة رسوله (ص)، بيوت تسودها تقوى الله عزّ وجل ورضوانه، والاحتكام الدائم عند الخلاف إلى شرع الله عزّ وجلّ.
– بيوت المسلمين بيوت فيها الصغير مرحوم ومحاط بالرعاية والعناية والحب والعطف، والكبير فيه موقر محترم.
– بيوت المسلمين كل فرد فيها يحب لأخيه ما يحب لنفسه.
– بيوت المسلمين بيوت لا تقوم العلاقات فيها على المصالح المادية فقط، فالعلاقات فيها علاقات قوية تسودها المودة والرحمة ولين الجانب والكلمة الطيبة.
– بيوت المسلمين للزوج فيها كل تقدير واحترام، سواء أكان غنياً أو فقيراً، صحيحاً أو مريضاً، شاباً أو شيخاً كبيراً، وهو باني البيت ومؤسسه وحاميه، والمسؤول عن وقاية زوجته وأبنائه من الهلاك في الدنيا والآخرة.
– بيوت المسلمين للأُم فيها مكانتها العالية التي لا تدانيها مكانة أخرى، والجنة تحت أقدامها.
– بيوت المسلمين للزوجة فيه من الحقوق الزوجية مثل حقوق الزوج، واتقاء كل منهما الله في الآخر.
– بيوت المسلمين بيوت حمى الله سبحانه وتعالى فيها الآباء حتى من كلمات التأفف البسيط. (.. فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلا كَرِيمًا) (الإسراء/ 23).
– بيوت المسلمين بيوت كرم وضيافة وجيرة حسنة.
– بيوت المسلمين يحافظ أهلها على الحيوان ويرفقون به.
– بيوت المسلمين بيوت لا ظلم فيها ولا استغلال ولا وشاية ولا تجسس.
– بيوت المسلمين بيوت متماسكة متعاونة.
– بيوت المسلمين بيوت لكل فرد فيه صغيراً كان أم كبيراً حقوقه الشرعية في الميراث كما أمر الله، دون ظلم أو إجحاف أو طمع أو تبديل أو قسمة على غير ما أراد الله مصداقاً لقوله تعالى: (لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا) (النساء/ 7)

أما بيت العنكبوت : (العنكبوت/ 41)، فهو أضعف بيت، بيت غابت منه المودة والرحمة: (وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ).

فالأنثى تأكل الذكر عقب التلقيح ، والأبناء يأكلون أُمّهم بعد اشتداد عودهم، ويهرب الذكر خوفاً على حياته.
– بيت العنكبوت: بيت يقوم على المصالح والمنافع المادية الدنيوية المؤقتة، فإذا انتفت المصالح، وانتهى كل شيء فالأنثى تغازل الذكر وتغريه وترحب به، وتتزين له عندما تحتاج إلى سفاده فقط، وتحاول القضاء عليه بعد ذلك، فيهرب الذكر حفاظاً على حياته من افتراس الأنثى وفكوكها القاتلة والسامة، وهذا مثال للمرأة التي تتزوج الرجل من أجل المال والبيت، فإذا تمكنت منه، واستولت على أوراقه، وأشبعت رغباتها طردت الرجل من البيت وأرهقته في المحاكم، وإذا مرض الرجل أو ضعف فلا مكان له فى بيتها،  إنّها الأرملة السوداء، نوع من إناث العناكب في عالم العناكب العجيب.

الأرملة السوداء، نوع من أنواع العناكب

– بيت العنكبوت: بيت يظل الصغار فيه هادئين، مطيعين في كنف الكبار، حتى إذا اشتد عودهم وقويت فكوكهم عقوا الكبار وعقروهم وأكلوهم، وحيث أنّ الأب هارب من ظلم الأُم، فهم يأكلون أُمّهم، وهذا مثال للبيت الذي يطرد منه الابن أُمّه وأباه، وقد يقتلهما لإفساح المكان لزوجته وأولاده.
– بيت العنكبوت: بيت فيه الحيوان غير مرحوم أو مرفق به، فإذا ساقه قدره إلى بيت العنكبوت، افترسته العناكب وقضت عليه.
– بيت العنكبوت: بالنسبة للذكر السفاد (التلقيح) ، والأكل، والراحة، فإذا احتاج إلى ذلك دخل البيت، ومارس دور الذكر، ثمّ يفر هارباً خائفاً مذعوراً، وهكذا البعض من الرجال البيت عندهم للنوم والمعاشرة والأكل ولقضاء الحاجات المادية، فإذا انتهت الحاجات هجر البيت إلى مجالس الرفاق والأصحاب ولا يعود إلى البيت إلا عند الحاجة.
– بيت العنكبوت: بيت القوامة فيه للأنثى (كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا) (العنكبوت/ 41)، فهي التي تبنيه وتسمح للذكر بالدخول فيه، وتفضل الحياة فيه بعيداً عن قيد الذكر.
وإذا أراد البقاء فيه فهو مهدد ذليل، وهذا مثال البيت الذي لا قوامة للرجل عليه، والكلمة الأولى والأخيرة للأرملة السوداء التي تأمر وتنهي في البيت، فاختر لنفسك أخي المؤمن إما بيتاً قوياً، الكل فيه محترم ومرحوم وآمن، واختاري لنفسك أختي المؤمنة نفس البيت، أو اختر لنفسك أخي المسلم بيتاً كبيت العنكبوت.
– لَوْ كانُوا يعلَونُ أهمية المودة والرحمة والحب والأمن والأمان والصدق والاخلاص والتفاني والتعاون على البر والتقوى وتقوية البيت.
– لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ خطورة ضياع العلاقات الاجتماعية الحسنة والمودة والرحمة بين الرجل والمرأة والأولاد والأرحام والجيران.
– لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ:  هذا العلم يحتاج إلى علم ودراسة وتفقه وإخلاص واستعانة بالصبر والصلاة.
– لَوْ كَانُوا يَعلَمْونَ أهمية أن تكون القوامة في بيت المسلم للرجل، لو كان الرجل يعلم المعنى الحقيقي للقوامة، وهي قوامة تكليف بالحماية والرعاية والمعاملة الطيبة للزوجة والأولاد والأرحام والانفاق، ولو كانت المرأة تعلم أن في هذه القوامة حقوقها الاجتماعية، والنفسية، والأمنية، والبدنية، والثقافية، الكاملة والحقيقية، والمميزة للمجتمع المسلم، والذي افتقدتها المرأة غير المسلمة (الغربية بالذات) فشقيت ليل نهار، وطردت من البيت عند بلوغها سن البلوغ، ولم تجد من يرحمها ويقوم على رعايتها وهي عجوز.
– لَوْ كَانُوا يَعلَمُونَ أن هدم النظام الأسري الإسلامي سيحول بيت المسلم إلى بيت العنكبوت، الأب يطرد الابن، والابن يقتل الأُم والأب، والبنت تُخرج من البيت، والزوجة تتربص بالزوج، والزوج يستغل الزوجة.
– لَو كَانُوا يَعْلَمُونَ أنّ الحرِّية الحقيقية للمرأة في الإسلام، حيث الحقوق المادية، والنفسية، والبدنية، والعلمية الكاملة والحقيقية.
– لَوْ كانُوا يَعلَمُونَ أن ما يرفع في الساحة الإسلامية من شعارات وعادات تحرض المرأة على الرجل، وتحرض الرجل على المرأة ليست من الإسلام في شيء.
وحتى تعلمي أختي المؤمنة ذلك عليك بالعلم (انتهى).

النتيجة :

نعتقد أنَّ المقصود بالوهن فى الآية الكريمة ليس هو الوهن الآلي البنائي لسهولة هدمه بالنسبة للإنسان، فحتى إن تمَّ هدمُه فالعنكبوت سيبنى غيره وكما أثبتت التجارب فى خلال ساعة واحدة فقط.

بل لابد وأن يكون المقصود بالآية الكريمة هو الوهن الاجتماعي الذي جُبِلت عليه العنكبوت و جنسُها ولا يمكن أن تُغيِّرَه أبداً.

 

Facebook'ta PaylaşTwitter'da Paylaş


 تعليقات القراء:

  1. يقول قادر سفر:

    ما أروعه من تفسير …جزاكم الله خيرا اخوتي وبارك الله فيكم .

تعليقك على الموضوع  
التعليق *
* ضرورة إدخال هذا الحقل باللغة العربية

الموضوعات ذات الصلة بهذا الموضوع