علم تفسير القرآن الكريم

علم تفسير القرآن الكريم

أ.د عبدالعزيز بايندر

بيَّن الله تعالى في الآية التَّالية أنَّه قد فسَّر القرآن بعلم خاصٍّ:

{وَلَقَدْ جِئْنَاهُم بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} (الأعراف، 7/52)

القاعدة الأساسية في هذا العلم، أنَّه لا صلاحية لأحد في تفسير الآيات سوى الله تعالى. وفي ذلك يقول سبحانه:

{الَر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللّهَ إِنَّنِي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ} (هود، 11/1-2)

بحسب الآيات فإن اتباع تفسير غير الله هو عبودية للمفسِّر.

ومن يرى لنفسه صلاحية تفسير الآيات بالرغم من معرفته لهذا العلم فإنَّه يكون بذلك قد خرج عن الصراط.

تفاصيل الله تعالى المتعلقة بالآيات لا يتمُّ استخراجُها إلا بواسطة فريقٍ من الخبراء، نفهم هذا من الآية التالية:

{كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} (فصلت،41/3)

يتكون فريق العلماء (قوم يعلمون) من الذين يعلمون علم تفسير القرآن ويتصرَّفون بناءً عليه.

كلمة القرآن من مصدر قرأ الذي يأتي جذره بمعنى الجمع. واسم مفعوله “المقروء” يُستخدم بمعنى المجموع والمتكامل. القراءة تعني جمع الكلمات بعضها إلى بعض، ولأن المعنى المستخرج من هذا الجمع يأتي بمعنى “إدراكه” لذلك تأتي القراءة بمعنى القرآن أيضا. ليس للقرآن صيغةُ جمع، فالكلمة تستخدم في المفرد والجمع.

مصدر القرآن هو أمُّ الكتاب الذي في اللوح المحفوظ، يقول الله تعالى:

{إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ . فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ . لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ . تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ} (الواقعة، 56/77-80)

السُّور هي مجموعة الآيات الثُّنائيِّة، ويُقال لكلِّ واحدةٍ منها القرآنُ أيضا. قال الله تعالى:

{وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ} (الحجر، 15/87)

ومجموعةُ الآيات داخل كل سورة تسمى قرآنا أيضا، على سبيل المثال فإن الآيات الأولى النَّازلة التي شكَّلت مجموعة داخل سورة قد سُمِّيت قرآنا أيضا، وهذه الآيات قوله تعالى:

{شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} (البقرة، 2/185)

هناك مجموعات من الآيات غير الموجودة في مكان واحد، وهذه تتشكَّل بإحضار الآيات من أماكن مختلفة وجمعها بحسب منهج المتشابه والمثاني. يقول الله تعالى:

{وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا} (الإسراء، 17/106)

المكث يعني الانتظار. عندما كانت الآية تنزل على رسول الله كان ينتظر الآية أو الآيات الأخرى التي تفصِّلها. وهذا يُظهر أنه من الممكن عدم نزول مجموعة الآيات في آن واحد. الآية التالية تأتي بالتوضيح:

{وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا} (طه، 20/114)

باستخدام الأرقام من صفر إلى تسعة يمكن الوصول إلى جميع الهواتف. كل نمرة هاتف (تلفون) تمثل مجموعة من الأرقام. إذا كُتب واحدٌ من الأرقام خطئا فلا يُوصل إلى الهاتف المرام، وهكذا فإن تفسير أي شيء في القرآن يشبه ذلك، إذا لم تُجمع كلُّ الآيات المتعلقة بموضوعٍ ما فإنه لا يتمُّ الوصول إلى التَّفسير الصَّحيح. لهذا السبب ينبغي على العلماء المهتمين أن لا يتعجلوا، فبدون أن يتشكَّل التَّصُّور الكلِّي للمسألة وإحاطة المعنى العام من خلال دراسة جميع الآيات المتعلِّقة لا يصحُّ أن يحكموا في الأمر. حينئذ سيرون أنه لا وجود لفرع علمي واحد ليس بحاجة إلى القرآن الكريم.

نبينا صلى الله عليه وسلم هو الرسول الذي بلغنا القرآن كما أنَّه المعلِّم الذي علمنا إيِّاه. وجبريلُ هو الرسول الذي بُعث إلى نبينا كما أنَّه معلمه أيضا، وهكذا تعلَّم نبيُّنا القرآنَ وكيفيَّةَ استخراج الحكم منه، وأحاديثُه صلى الله عليه وسلم أي سنَّتُه هكذا تشكَّلت. لهذا السبب يوجد تكامل تامٌّ بين القرآن والسنة. إذا اتبع العلماء علم أصول تفسير القرآن سيرون هذا التكامل بسهولة، كما يمكنهم اكتشاف الأخطاء التي أُلحقت بالأحاديث وإستخراجها.

الآية التي تلخص كامل الموضوع هي قوله تعالى:

{هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ} (آل عمران، 3/7)

الآية المحكمة هي الآية الأصليَّة التي تحتوي حكما في موضوع ما. تقريبا كلُّ آية لها مثل هذا الاتجاه، ثم بالآيات المتشابهة يتَّضح الحكم، المتشابه يكون بالتَّشابه بين الكلمات أو المعاني.

التَّشابه يعني اشتراك الطرفين في السِّمات، وهذا العلم أيضا يفيد التَّشابه المتقابل بين الآيات التي يفسِّر بعضها بعضا.

التأويل يعني توجيه شيء إلى هدفه الأصلي. هدف الآية المتشابهة هو الآية المحكمة التي هي الأم لمجموعة معينة من الآيات، من هنا نفهم أنَّ التَّأويل هو ربط الآية أو الآيات المتشابهة بالآية المحكمة. الذي أقام الروابط بين هذه الآيات هو الله تعالى. وواجب النَّاس تشكيلُ فريقٍ مكونٍ من المتقنين للعربية ولعلم التفسير والموضوع المتعلق به، وأن يعملوا جاهدين على إظهار تلك الروابط والصِّلات التي وضعها الله تعالى بين الآيات.

المثاني تعني الثنائيِّة، وهي تشير إلى النظام الثنائي المكوَّن من المحكم والمتشابه. يقول الله تعالى:

{اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاء وَمَن يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} (الزمر، 39/23)

نخلص إلى ما يلي: للوصول إلى تفسير الله تعالى لا بدَّ أن يجد فريق من الخبراء الآية الرئيسية (المحكمة) المتعلِّقة بموضوعٍ معين ثمَّ البحث عن الآيات ذات الاتجاه المشترك (المتشابهة) واكتشاف الروابط والصلات بينها. إن الإصرار على منهج غير منهج القرآن في التفسير يعني الدخول في طريق لا يقبله الله تعالى.

القرآن يحوي كل الآيات التي أنزلها الله تعالى منذ نوح عليه السلام. وعلم تفسير القرآن كان موجودا في تلك الكتب أيضا. وأخطاء السابقين في عدم تفسير الكتاب بالكتاب وقع بها المسلمون أيضا عندما تركوا منهج تفسير القرآن بالقرآن. يقول الله تعالى:

{شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ .وَما تَفَرَّقُوا إِلاَّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ} (الشورى، 42/13-14)

وفقا للآيات فإن الابتعاد عن علم تفسير القرآن  كما بيَّنه الله في كتابه كان السبب في افتراق المسلمين وصراعهم على السلطة الذي ظهر أثره انقساما مزمنا عاشه المسلمون دهورا طويلة وما زالوا. إنَّ الذين ابتعدوا عن هذا العلم ودخلوا في واقعٍ لا يمكنهم حل المشكلات فيه قد سقطوا مرتين؛ الأولى: عندما لم يستطيعوا اعتبار القرآن كتابا مفصلا، أي يفسر بعضُه بعضا، والثانية: عندما حاولوا ملئ الفراغ الذي نتج عن ترك علم تفسير الكتاب واستبداله باجتهادات شخصية تستند تارة إلى مجرد الرأي وتارة إلى الروايات الواردة عن النبي والصحابة والتابعين دون تمحيص وجعلها حجة في تفسير القرآن حتى أصبحت تلكك التفاسير مع مرور الوقت حجابا ساترا دون الفهم الصحيح لكتاب الله. وهكذا أصبح القرآن عند الناس كتابا مقدسا يقرأ في الصلوات والخلوات  ولم يعد العلماء يقبلونه ككتاب متفرد بالهداية فعملوا على إيجاد مصادر تشريعية أخرى كالسنة[1] والإجماع والقياس آخذين قبسا من بعض الآيات فاصلين إياه عن سياقه كدليل على تلك المصادر التشريعية المبتدعة. بحسب الآيات السابقة فإن الحالة ليست خاصة بأمِّة محمد صلى الله عليه وسلم، وإنما حصل الأمر ذاته في الأمم السابقة.

كان نتيجة جهودنا منذ 40 سنة تقريبا والاجتماعات العلمية التي لا أستطيع إحصاءها أن وفقنا الله تعالى للانتباه إلى هذا العلم المنسي، وتلك نتيجة حتمية كما وعد الله تعالى بقوله:

{وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} (العنكبوت، 29/69)

إذا انطلق المسلمون في فهم الدين والحياة وفقا لمنهج تفسير القرآن فلن تبقى هناك أيُّ مشكلة بدون حلّ.

وقف السليمانية/ مركز بحوث الدين والفطرة

الموقع حبل الله www.hablullah.com



[1]  السنة في الأصل تعني الطريقة، وهي طريقة النبي في تطبيق القرآن الكريم، وهي بهذا الوصف لا تختلف مع القرآن، لذا ينبغي تناولها مع القرآن جنبا إلى جنب. لكن الاتجاه الغالب منذ العصر الثاني هو جعل السنة وحيا آخر مستقلا عن القرآن، وكان لذلك دور في ازدهار الرواية كلما تقدم الزمان؛ لأنها أصبحت في المقام الأول عمليا، فقد أعطيت صلاحية تفسير القرآن وتخصيص أحكامه وتقييد مطلقه وبيان مجمله وحتى الإتيان بأحكام جديدة، واختلف الأصوليون هل تنسخ القرآن أو لا تنسخه، وترجَّح لدى كثير منهم أنها تنسخه. وهكذا كان من السهل ادعاء نسخ أي آية لا تتفق مع المنهج الفقهي لعالمٍ ما، فتجده يدَّعي نسخها بالحديث بالرغم من إقراره أنه ثابت بالظن لا باليقين. المعتبر في كون الرواية حجة عندهم كونها صحيحة السند، وكان توثيق الرجال أحد أبرز الشروط للحكم بصحة الحديث، وهذا المنهج لو عرضناه على كتاب الله تعالى لتبين أنه عجاب ، فقد جاء في سورة المنافقون أن النبي بنفسه كان لا يعلم المنافقين بل كان معجبا بهم وكان يسمع لنصائحهم حتى حذره الله تعالى منهم كما بقوله تعالى: {وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ} (المنافقون، 63/4)

Facebook'ta PaylaşTwitter'da Paylaş


 تعليقات القراء:

  1. من اين القول ان مصدر قرأ هومن جمع الكلمة الى .. ما الدليل
    ولا تقل المعاجم او القواميس أو الأعراب فليسوا بدليل

تعليقك على الموضوع  
التعليق *
* ضرورة إدخال هذا الحقل باللغة العربية

الموضوعات ذات الصلة بهذا الموضوع