نقد التحايل الشرعي في المعاملة الربوية

نقد التحايل الشرعي في المعاملة الربوية

بيع الوفاء وبيع الإستغلال والمعاملة الشرعية كلها معاملات ربوية في صورة البيع ولا يحتاج الإنسان أن يصبح فقيها لفهم ذلك. ولكن الذي يزعم أنه لا يوجد أي أخطاء في الكتب الفقهية يدعي أنها جائزة ولم يقف على جوازها بل قال بكسب الثواب بفعلها لأنها تمنع من الوقوع في الحرام.

إن الناس يتبايعون لسد حاجاتهم، وبالشراء يمتلك المشتري المبيع. أما في بيع الوفاء والإستغلال لا ينتقل المبيع إلى ملكية المشتري، كما بينا ذلك سابقا. ولا يقال لمثل هذه المعاملة بيعا ولا شراء. وفي المعاملة الشرعية يشترى المبيع ليعيده إلى البائع الأول مباشرة أو غير مباشرة. والظاهر أن الذي يقوم بالمعاملة الشرعية لا يهدف البيع ولا الشراء.

وبين البيع والربا تشابه لذا يقول المرابي “إنما البيع مثل الربا” (البقرة، 2/ 275). ولكن بينهما فروق كبيرة؛ يبتاع في أحدهما بضاعة وفي الثانية دين. والمشتري يصبح مالكا ما اشتراه، وليس الدين كذلك. يستعمل المدين ما استدانه مدة معينة ثم يعيده إلى صاحبه الأول الحقيقي.

كما يختلف البدل في البيع والشراء أما في الدين فيجب إعادة نفس الدين، ومن أجل هذه الفروق “أحل الله البيع وحرم الربا” (البقرة، 2/ 275). ولكن إذا خرج العقد عن مجرى البيع يسهل جعله وسيلة إلى الربا. وهذا الذي قصد بالحتايل على الشرع في المعاملة الربوية.

وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صفقتين في صفقة واحدة بهدف منع مثل هذه التحايلات. كما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما[1] أو الربا.[2]

عن عائشة قالت لها أم محبة أم ولد لزيد بن أرقم: يا أم المؤمنين أتعرفين زيد بن أرقم ؟ قالت نعم. قالت: فإني بعته عبدا إلى العطاء بثمانمائة. فاحتاج إلى ثمنه، فاشتريته قبل محل الأجل بستمائة. فقالت: بئس ما شريت وبئس ما اشتريت . أبلغي زيدا أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إن لم يتب. قالت: فقلت: أفرأيت إن تركت المائتين وأخذت الستمائة؟ قالت: نعم. “فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف” (البقرة، 2/ 275).[3] ويتبين من هذا الحديث أن المعاملة الشرعية معاملة ربوية.

وعبارة “صفقتين في صفقة واحدة” أعم من “بعيتن في بيعة واحدة” فليس من الشرط أن يكون كل صفقتين جمعت في صفقة واحدة عقد بيع. كما في بيع الوفاء. وهو بيع بشرط إعادة المبيع حين يعاد البدل. وقد تداخل فيه الرهن مع البيع.

لو أن واحدا احتاج إلى 10.000 ليرة؛ ووجدها على الربا 10%. وأراد أن يفر من الربا. فهو يبيع للدائن الحقل أو المحل الذي يؤجر ب 1000 ليرة سنويا ببيع الوفاء. فالدائن يأخذ كراء الحقل أو المحل إلى أن يسد المدين دينه. وإذا عجز المدين عن سد دينه فيصبح الحقل أو المحل ملكا للدائن. وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مثل هذا العقد بنهيه عن “صفقتين في صفقة واحدة”.

ويفهم ثلاث صفقات من قول رسول الله صلى الله عليه  “صفقتين في صفقة واحدة”. ذلك أن قوله “في صفقة واحدة” ظرف لـ “صفقتين” كما في بيع الإستغلال. وهو بيع المال وفاءً على أن يستأجره البائع.[4] وبهذا لم يخرج المبيع من يد البائع. ويوجد هنا ثلاث صفقات، صفقة للبيع وصفقة للإيجار وصفقة لإعداته حين يعيد الثمن.

عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن سلف وبيع وعن شرطين في بيع واحد وعن بيع ما ليس عندك وعن ربح ما لم يضمن.[5]

ونذكر  نموذجا من نماذجها المختلفة: من أراد أن يقرض بربا مقداره 10%، يقرض أولا 100 ليرة ثم يبيع للمستقرض سلعة مؤجلا لمدة سنة بـ 10 ليرات. ثم يهب المستقرض المبيع لشخص ثالث وبعد أن يقبضها الشخص الثالث يهبها  للمقرض. أو يبيع سلعة سعرها 5 ليرات بـ 15 ليرة على أن 5 ليرات منها معجل والباقي 10 ليرات مؤجل لمدة سنة. وبهذا قد أجريت معاملة ربوية في صورة البيع والشراء. وهي معاملة تجرى لجعل ما تجريه الأوقاف من معاملات القروض الربوية أمرا مشروعا. كما سنبينه في السطور التالية.

ليس من الصعب أن نفهم العلاقة بين ما قام اليهود ليتجاوزوا ما نهى الله عنه من عد الصيد يوم السبت وبين مشروعية المعاملة الربوية تحت غطاء البيع والشراء. عن ابن عباس أن هؤلاء القوم كانوا في زمان داود عليه السلام بأيلة على ساحل البحر بين المدينة والشام، وهو مكان من البحر يجتمع إليه الحيتان من كل أرض في شهر من السنة حتى لا يرى الماء لكثرتها، وفي غير ذلك الشهر في كل سبت خاصة وهي القرية المذكورة في قوله: “وَسْئَلْهُمْ عَنِ القرية التى كَانَتْ حَاضِرَةَ البحر إِذْ يَعْدُونَ فِى السبت” (الأعراف، 7/ 163). فحفروا حياضاً عند البحر وشرعوا إليها الجداول فكانت الحيتان تدخلها فيصطادونها يوم الأحد فذلك الحبس في الحياض هو اعتداؤهم، ثم إنهم أخذوا السمك واستغنوا بذلك وهم خائفون من العقوبة فلما طال العهد استسن الأبناء بسنة الآباء واتخذوا الأموال فمشى إليهم طوائف من أهل المدينة الذين كرهوا الصيد يوم السبت ونهوهم فلم ينتهوا وقالوا: نحن في هذا العمل منذ زمان فما زادنا الله به إلا خيراً، فقيل لهم: لا تغتروا فربما نزل بكم العذاب والهلاك فأصبح القوم وهم قردة خاسئون فمكثوا كذلك ثلاثة أيام ثم هلكوا.[6]

وقال الله تعالى فيما يتعلق بالموضوع: وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ. فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (البقرة، 2/ 66).

والبيوع التحايلية مثل بيع الوفاء وبيع الإستغلال والمعاملة الشرعية وبيع العينة كلها معاملات منهي عنها شرعا، ولها أخطارها على المجتمع، وقد نبه الرسول صلى الله عليه وسلم على تلك الأخطار بقوله: إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم.[7]



[1]  الوكس النقص.

[2]  سنن أبي داود، كتاب اليوع 55، رقم الحديث 3461.

[3]  بداية المجتهد، جـ 2 /  صـ 115.

[4]  المجلة العدلية، مادة: 119.

[5]  سنن النسائي، كتاب البيوع، باب 71-73.  رقم الحديث 4629- 4630.

[6]  التفسير الكبير لفخر الدين الرازي، جـ. 1/   صـ . 553.  مطبعة العامرة.

[7]  سنن أبي داوود، باب في النهي عن العينة.

Facebook'ta PaylaşTwitter'da Paylaş

تعليقك على الموضوع  
التعليق *
* ضرورة إدخال هذا الحقل باللغة العربية

شوهد 2.559 مرة/مرات
الموضوعات ذات الصلة بهذا الموضوع