السؤال:
السلام عليكم، وجزاكم الله عنا كل خير، والله أحب منصتكم كثيراً، وكلما ضاقت بي الدنيا استكملت القراءة والفهم الصحيح من هنا، بارك الله فيكم وزادكم علمًا ونفعاً لأمة الإسلام.
هناك فقط سؤال… أنا فتاة في الـ 27 من عمري، ربما تمّ وصفي في محيطي بأنني شخص عنيد لا يقبل بأي شيء؛ وهذا بسبب أنني منذ الصغر أسعى لمعرفة خالقي بطريقة سيدنا إبراهيم عليه السلام. وبناء عليه وصلت إلى مراحل عدة من البحث منذ الإعدادية وحتى اليوم.. كل ما أعرفه أن ربي ورسله بريؤون من كل افتراء. وهذا ما تيقنت منه الحمد لله رب العالمين.
لكن مشكلتي هي مجتمعي (لقد نصحته من عشيرتي الأقربين ومعارفي) وحين أعرضوا وتمسكوا بالسلفية والصوفية وغيره ذلك، ولم أعرض عليهم مجدداً، فقد انتهى الحال بأن أمي اتهمتني بأن الله تعالى غاضب علي وسلط علي الشيطان فأصابني بالجدل… رغم حزني الشديد إلا أنه والحمد لله لم أطل الجدال مع أمي وأحاول التحسن في معاملتها جيداً.
المشكلة الأخرى… أنني أتمنى الزواج بشاب يفهمني ويريحني، وأدعو الله والحمد لله، لكن مجتمعي لا يشبهني إلى حد كبير، لا سيما أن الحديث حول الزواج دوماً يتطلب مني خططا ذكية لمحاولة تجنب الأذى والسباب والإهانة لعدم قبولي بشاب لا يصلي لكنه يقول لي في أول لقاء تعارف الزوجة تسجد لزوجها، وهو يعمل بمدينة شرم الشيخ حيث العراة والتبرج… بأي وقاحة يا هذا تتحدث؟ في النهاية يقولون أنني أبطر على النعمة واستحق البقاء وحيدة، وأنا أرى أن الله سوف يعينني إذا ما بقيت بهذا المجتمع أو يصرفني عنه بالسفر، والله على كل شيء قدير، أتمنى والله معرفة أشخاص مثلكم في حياتي والله أنا لا أحب الظلم بجهالة.
بماذا تنصحوني… وشكراً لكم مقدمًا.
الجواب:
وعليكِ سلام الله ورحمته وبركاته، أيتها السائلة الكريمة، اعلمي أن هذه “الحيرة” التي تملأ قلبكِ ليست تِيهًا، بل هي القلق المحمود وأولى خطوات اليقين، وما تصفينه بـ “طريقة سيدنا إبراهيم” هو الاختيار والمنهج القرآني الأصيل في التفكّر والترقي من التقليد إلى التحقيق:
﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: 161]
إن وصمكِ بالعناد أو الجدل من قِبل المحيطين بكِ ما هو إلا آلية دفاع نفسية، يستخدمها المجتمع ليحمي بها موروثاته أمام من يطرح أسئلة لا يملكون هم شجاعة مواجهتها أو علم الإجابة عليها.
لستِ مريضة، ولستِ مسلّطة من شيطان كما يزعمون، بل أنتِ باحثة عن الحق، وهذا شرفٌ يُعلي القدر ولا يُنقص الشأن.
ويكفيكِ طمأنينةً أن الله سبحانه جعل هذا المسار البحثي مَدحاً لا ذمّاً، حين قال عن نبيه إبراهيم – الذي اقتديت به – وهو في قمة تساؤلاته وبحثه:
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ﴾ [الأنبياء: 51]
فما يراه الناس فيكِ عناداً، قد يكون عند ربك رشدًا آتاكِ إياه لعلمه بصدق قلبكِ في طلب الوصول إليه، فلا تستوحشي طريق الحق لقلة السالكين فيه، فالمؤمن في بحثه أمةٌ وحده كما كان الخليل.
فقه الرحمة قبل فقه الحجة
أما ما يخص والدتكِ – هداها الله – وما ترميكِ به من اتهامات، فهو نابعٌ من خوفٍ عاطفي وليس من حقيقة معرفية، فهي تراكِ تخرجين عن قوالب المألوف التي تظن أن فيها نجاتكِ، فتعبر عن قلقها بتلك الكلمات القاسية، وأعظم رد على اتهاماتها ليس بالجدال المنطقي، بل بـالأخلاق الفائقة؛ فالحق الذي لا ينعكس أدباً ورحمة يظل ناقصاً في أعين المحبين.. استمري في إحسانكِ إليها، فقلب الأم يُفتح بالبرّ لا بالبرهان.
وقد وضع لنا القرآن الكريم دستوراً عظيماً في التعامل مع الوالدين حتى في أقصى درجات الاختلاف الفكري والاعتقادي، حيث قال تعالى:
﴿وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: 15]
تأملي قوله تعالى: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾، فالله الذي أمركِ بالتمسك بالحق وتوحيده، هو نفسه الذي أمركِ أن تظل صحبتكِ لهما قائمة على المعروف مهما بلغت درجة المجاهدة والضغط الفكري منهما تجاهكِ، اجعلي برّكِ بها هو البرهان الصامت على أن طريقكِ لله لم يزدكِ إلا رقةً ووفاءً.
اقتدي في حواركِ أو حتى في صمتكِ بـخليل الله إبراهيم، حين كان يواجه غلظة والده بفيض من الحنان والشفقة، مخاطباً إياه بـ ﴿يَا أَبَتِ…﴾ [مريم: 45] تلك الكلمة التي كررها مرارًا تحمل الاعتراف بالفضل والحرص على النجاة في آنٍ واحد؛ فقوة إيمانكِ بصدق الكتاب وبراءة الخالق ورسله من افتراءات البشر، لا تكتمل إلا بهذا اللين؛ لتبيني لها أن القرآن الذي تتمسكين بفهمه الصحيح هو الذي يأمركِ بهذا الرفق.
فلقد كان إبراهيم عليه السلام يوقن بضلال ما عليه أبوه وقومه، لكنه لم يقابل ضلالهم بالتعالي، بل بالدعاء الصادق: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ [مريم: 47]
فليكن لسان حالك مع والدتكِ دائماً هو السلام والدعاء، ولتعلمي أن تمسككِ بالقرآن وحده هو الحصن الذي يثبت لكِ زيف كل افتراء نُسب إلى الدين وهو منه براء، وكما أظهر الله تعالى صدق إبراهيم بالحجة والبرهان، سيُظهر صدق معدنكِ وصحة مساركِ مع مرور الأيام، فربما يكون صمتكِ الرحيم وإحسانكِ المستمر هما السبب الذي يجعل الله ﴿يُحْدِثُ بَعْدَ ذَٰلِكَ أَمْرًا﴾ فتنقلب حيرة أمكِ إلى اطمئنان، واتهامها لكِ إلى فخر.
الزواج سكنٌ لا استعباد..
أما بخصوص رغبتكِ في الزواج، فلا تسمحي لأصوات المجتمع أن تُشعركِ بأن تمسككِ بكرامتكِ هو بطرٌ على النعمة، فالزواج الذي أراده تعالى لم يشرع ليكون ساحة للمنافسة أو لإذلال طرف للآخر، أو حتى لهروب من ألقاب عزوبية المرأة، فقد سماه الله سبحانه سكناً:
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾] الروم: 21[
ومن لا يتفق معكِ في أصول الرؤية للحياة وللدين لن يكون سكناً بل سجناً.
ومن حقكِ الكامل بل ومن واجبكِ أن ترفضي من يرى في شريكة حياته تابعاً يسجد له، ورفضكِ لشخص يطالبكِ بالسجود له من اللقاء الأول ليس بطراً للنعمة، بل هو فطرة سليمة وكرامة صانها الإسلام.
وإن مطالبتكِ بشاب يفهمكِ ويحترم عقلكِ هو الموافق لفطرة الله، ورفضكِ لمن يطلب السجود لغير الله (ولو معنوياً) هو جوهر التوحيد؛ فالقرآن قد حذرنا من تحويل العلاقات البشرية إلى عبودية مقنعة، حيث قال تعالى: ﴿وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: 64]
وإن طلب أحدهم أن يُعامل معاملة الأرباب في أول لقاء تعارف هو إنذار مبكر بخلل في فهمه للدين وللحياة، واعلمي أن الغاية من الزواج هي المودة والرحمة التي تجلب الطمأنينة لقلبكِ؛ فإذا انتفى السكن وانعدمت المودة والرحمة قبل البداية، فانتظار زوج صالح خيرٌ ألف مرة من زواج يورث الشقاء.
فلا تخافي من تهديداتهم بأنكِ ستبقين وحيدة، فمن اتقى الله في دينه وكرامته، تكفل الله بمخرجه ورزقه، والله واسع الفضل لا يُعجزه أن يسوق إليكِ من يشبه روحكِ ويقدّر فكركِ مصداقًا لقوله جل وعلا:
﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا. وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: 2-3]
والمخرج والرزق (بما فيه الزوج الصالح) بِيَد الله اللطيف الخبير بعباده لا بِيَد أحكام البشر.
أنتِ لستِ وحدكِ
اعلمي يقيناً أنكِ لستِ وحدكِ في هذا الدرب، فكل من سلك طريق الحق والبحث عن اليقين قد ذاق طعم هذه الغربة قبلَكِ – الغربة بين الأهل – وما تشعرين به من وحشة هو ضريبة الاستقامة التي دفعها الأنبياء والصالحون من قبلكِ، فلا تدعي محاولات المجتمع لتخويفكِ بالبقاء وحيدة تفتُّ في عضدكِ؛ فهذا مسلك قديم ذكره الله تعالى لنبيه ليثبته أمام ترهيب قومه، فقال تعالى: ﴿وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾ [الزمر: 36] لكن وعده سبحانه لمن سلك هذا الطريق ليس الوحشة، بل هو التمكين والأمان النفسي الذي يبدد كل خوف، يقول الله عز وجل: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ… وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ [النور: 55] فاستبشري برضا الله جل وعلا، فمن كان الله معه فما فقد أحداً، ومن ضيّع الله فما وجد أحداً، فاصبري وما صبرك إلا بالله، فهو سبحانه يَعِدُكِ فوق التمكين حياةً لا يشوبها كدر التبعية لغيره: ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: 97].
الهجرة والاعتزال.. بوابة السعة والمِنح الربانية
أما عن تمنيكِ للسفر وتغيير واقعكِ، فاعلمي أن هذا الطموح ليس هروباً، بل هو سُنّة الأنبياء والصالحين حين تضيق بهم الأرض وتتحول البيئة إلى عائق أمام الحق، إن اعتزالكِ الفكري والشعوري لضلالات المحيط ليس نهاية المطاف ولا هو انغلاق، بل هو في حقيقته مقدمة للعون الإلهي؛ تأملي قصة أهل الكهف حين اعتزلوا قومهم طلباً للحق، كيف فتح الله لهم أبواب رحمته: ﴿فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُم مِّنْ أَمْرِكُم مِّرْفَقًا﴾ [الكهف: 16]
وكذلك كان شأن إبراهيم عليه السلام، فبمجرد أن اتخذ قرار المفارقة للباطل بعد استنفاده لوسائل الاقناع والجدال بالحجة، بدأت المِنح الربانية تتوالى عليه: ﴿فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ [مريم: 49]
إن السعي للسفر طلباً لبيئة أنقى أو مجتمع يحترم عقلكِ ودينكِ هو سعيٌ محمود، والقرآن يَعِدُكِ فيه بوعدين عظيمين: المُراغم (أي إرغام أنف الظروف الصعبة) والسعة في الرزق والنفس، حيث يقول تعالى: ﴿وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾ [النساء: 100] فثقي أن الله الذي ألهمكِ البحث عنه لن يترككِ نهبةً للضياع، واستمري في دعائكِ وسعيكِ، فربما تكون الغربة التي تخشينها هي الموطن الحقيقي لروحكِ، وحيث يرزقكِ الله من يشدُّ أزركِ ويشارككِ طريق الحق واليقين.
صناعة التغيير بالعمل والتخطيط
إن تغيير المكان يتطلب منكِ الإعداد لا مجرد التمني، طوّري من مهاراتكِ المهنية واللغوية بما يتناسب مع سوق العمل العالمي، وابحثي عن المنح الدراسية أو فرص العمل التي تضمن لكِ بيئةً تُحترم فيها فكركِ وقدراتك؛ فإن انشغالكِ ببناء الذات القوية هو خير عاصم لكِ من ضغوط المجتمع الحالية، وهو الوسيلة التي يُهيئ الله بها لكِ مرفقاً جديداً تعيشين فيه بسلام، فالمؤمن القوي في علمه ومهارته وخُلُقه هو الأقدر على اختيار وجهته وفرض احترامه أينما حلّ، واعلمي أن الله يبارك السعي الصادق: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِك كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا﴾ [الإسراء: 19] فتدبري الأمر واتركي التدبير لمن: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْض﴾ [السجدة: 5]
ختاماً:
وعد الله الذي لا يخلف
ثقي يقيناً أن كل دمعة حزن، وكل لحظة حيرة، وكل قرار اتخذتِهِ صيانةً لدينكِ وعقلكِ هو إيمان لن يضيعه الله أبداً. فالله الذي اطلع على صدق قلبكِ وأنتِ في مقتبل العمر تبحثين عنه، لن يترككِ لضيق المحيط ولا لظلم الجهل، فما كان سبحانه ليضيع سعي الصابرين الصادقين، كما قال في كتابه الكريم: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [البقرة: 143]
وكما وجّه الله نبيه للقبلة التي ترضاها نفسه تقديراً لصدقه، فإنه سبحانه سيجعل لكِ من أمركِ يسراً، ويفتح لكِ أبواباً من السكن والطمأنينة تَقَرُّ بها عينكِ، استجابةً لقوله: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ [البقرة: 144]
فاصبري صبراً جميلاً، واطمئني لتدبيره، فالعاقبة دائماً للذين اتقوا والذين هم محسنون.
الباحثة: شيماء أبو زيد


يا الله حفظك الله و ثبتك استاذتي و وجزاك الله خيرا وبارك فيك اللهم آمين
شكراً جزيلاً، و جزاكم الله عنا خير الجزاء…
و الله استفدت، و إن شاء الله ربي المستعان سوف أحاول الحرص على تطبيق النقاط بإذن الله من لين و أدب معاملة الوالدين و الرحمة بهما، ثم السعي بصبر و دأب للسفر إلى مجتمع أفضل بإذن الله تعالى.
رضي الله عنكم و جعلكم من السعداء في الدارين يارب.