حبل الله
كروية الأرض بحسب القرآن والميزان

كروية الأرض بحسب القرآن والميزان

السؤال:

هناك أعداد كبيرة من الأشخاص يؤمنون بأن الأرض مسطحة وليست كروية، وبغضّ النظر عمّا إذا كان هذا الرأي صحيحًا أم لا، أتمنى إن تكرمتم أن توضحوا هذه المسألة من خلال آيات القرآن الكريم ومعانيها الحقيقية، بعيدًا عن الاستناد إلى ما توصّل إليه العلم الحديث، خاصةً أن هناك نظريات متعددة وهي مقنعة لمن بحث وتعمق كثيرًا تفيد أن الأرض مسطحة بناءً على تفسيرهم للآيات وبأنه لا يستطيع أحد الصعود إلى القمر وصور الأرض من الفضاء مفبركة..

فما هو موقف القرآن من شكل الأرض؟ وهل تشير آياته إلى كونها مسطحة أم كروية؟ أرجو توضيح ذلك بشكل دقيق.

الجواب:

خلق الله سبحانه وتعالى الأرض وجعلها مستقراً للبشر، وقد جاء النص القرآني بألفاظ معجزة تخاطب العقل بما يراه، وتخبره بما هو كائن في الحقيقة الكونية؛ فمن الناحية العلمية والفيزيائية، لا يوجد دليل واحد صمد أمام التجربة والقياس يثبت أن الأرض مسطحة؛ فكل ما يطرحه أصحاب هذا الفكر يعتمد على “خداع الحواس” أو “اجتزاء النصوص”، بينما الحقائق الكونية المتسقة تثبت الكروية.

أولاً: الأدلة القرآنية على كروية الأرض

لقد اختار الخالق سبحانه مفردات لغوية لا يمكن هندسياً تطبيقها إلا على المجسم الكروي:

1_ برهان التكوير (أقوى الأدلة) فقال تعالى:

﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ﴾ [الزمر: 5].

التفصيل اللغوي: التكوير في اللغة هو لف الشيء على المستدير (كلف العمامة على الرأس).

التفصيل الهندسي: الآية تؤكد أن الليل والنهار موجودان معاً في آن واحد، ويلفان حول الأرض في حركة مستمرة، وهذا يتطلب جسماً كروياً ليدور الليل خلف النهار في حركة دائرية لا تنقطع.

وهذا يستحيل حدوثه على سطح مستوٍ؛ إذ يتطلب التسطيح ليلًا أو نهارًا واحداً لجميع سكان الأرض في وقت واحد.

2_ برهان “دحاها” قال تعالى:

﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ [النازعات: 30].

والدحو يعني البسط مع التدوير، ومن مشتقاتها “الأدحية” وهي مبيض النعام، وهذا إعجاز فلكي؛ لأن الأرض ليست كرة كاملة الاستدارة، بل هي “بيضاوية” منبعجة عند خط الاستواء، وهو ما تصفه كلمة “دحاها” بدقة مذهلة.

3_ برهان المشارق والمغارب:

قال تعالى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾ [الرحمن: 17].

في الأرض المسطحة، تشرق الشمس على الجميع في وقت واحد، وتغرب عنهم في وقت واحد.

أما وجود مشرقين (مشرق للنصف الشرقي ومشرق للنصف الغربي) في آن واحد، فلا يتحقق إلا إذا كانت الأرض كرة تدور، فيكون الشروق عندنا هو غروب عند الطرف الآخر.

ثانياً: حركة الأرض والرد على دعوى السكون

يدعي البعض ثبات الأرض لأننا لا نشعر بحركتها، والقرآن يرد ببيان حركة الأرض الخفية:

1_ حركة الجبال: حين قال تعالى:

﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ [النمل: 88].

الآية تخاطب حواسنا التي تحسب الجبال ثابتة، لكن الحقيقة الكونية أنها “تمر” وتتحرك؛ وبما أن الجبال أوتاد للأرض، فإن حركتها تعني بالضرورة حركة الأرض كاملة.

2_ السباحة في الفلك: قال تعالى:

﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: 40].

لفظ ﴿كُلٌّ﴾ يشمل الأرض والليل والنهار والشمس والقمر، والسباحة هي الحركة في وسط فضائي، مما ينفي تماماً فكرة الأرض الثابتة أو المركزية الجامدة.

وهنا يرد تساؤل: لماذا لا نشعر بدوران الأرض؟

قد يحتج البعض بسكون الأرض الظاهري كدليل على عدم كرويتها أو دورانها، ولكن هذا الاحتجاج يعتمد على “خداع الحواس” ويغفل حقيقة فيزيائية ثابتة؛ فنحن لا نشعر بالحركة إلا إذا تغيرت سرعتها (التسارع)، أما الأرض فهي تدور بسرعة ثابتة ومنتظمة جداً، ونحن والغلاف الجوي وكل ما على سطحها نتحرك معاً ككتلة واحدة بنفس هذه السرعة.

مثال الطائرة، فعندما تستقل طائرة تطير بسرعة 900 كم/ساعة في جو مستقر، فإنك تجلس في مقعدك وتتحرك داخل الطائرة وتشرب الماء وكأنك في بيتك تماماً؛ فأنت لا تشعر بهذه السرعة الهائلة لأنك جزء من المنظومة المتحركة، ولأن الطائرة تسير بسرعة منتظمة، ولا تشعر بالحركة إلا في لحظتي الإقلاع أو الهبوط (تغير السرعة)، أو عند حدوث مطبات هوائية (اهتزاز المنظومة).

وبالمثل، فكأن الأرض هي “طائرتنا الكونية” الضخمة التي تسبح بنا في الفضاء بسرعات تفوق الخيال، ولكننا لا نشعر بها لأننا نتحرك معها وبداخل غلافها الجوي بنفس السرعة، ولأن نظام الدوران الإلهي محكم لدرجة تمنع أي مطبات قد تشعرنا بهذا الدوران، وهو ما عبر عنه القرآن بدقة في وصف حركة الجبال التي تحسبها جامدة وهي في الحقيقة تمر وتتحرك مع الأرض ﴿تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾.

ثالثاً: الرد على الاستدلال بأن الأرض مسطحة

يستند أصحاب هذا الفكر إلى فهم حسي مجتزأ للآيات:

1_ الرد على شبهة ﴿سُطِحَتْ﴾ و ﴿مِهَادًا﴾ و ﴿بِسَاطًا﴾:

إن القول بأن السطح والبساط والمهاد يعني أن الأرض مستوية تماماً كالورقة بدليل قوله تعالى: ﴿وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ [الغاشية: 20]

يرد عليه بأن هذه الآيات تصف “الوظيفة” والمنظور البشري (النعمة)، وليس “الهيئة الكونية”.

لغوياً: السطح هو أعلى الشيء، ولا شك أن الأرض مكونة من طبقات السطحُ أعلاها، وهو يختلف عن باطنها بمظهره وتركيبه وصلاحه للحياة. وبما أن الأرض كرة ضخمة جداً، فإن أي جزء منها يسير عليه الإنسان يظهر له “مسطحاً” وممهداً، فالله تعالى يمتنّ علينا بأننا مهما سرنا لا نجد عوائق وانحناءات تشعرنا بالدوار؛ فالتسطيح هنا “وظيفي” للسكن، وليس “هندسيًا” للكوكب؛ فلكي تبني وتزرع، لا بد أن تكون الأرض منبسطة تحت قدميك، وهذا من فضل الله لتيسير الحياة، ولا ينفي كروية الكوكب ككل.

هندسياً: الكرة هي الجسم الوحيد الذي تظل فيه الأرض ممدودة أمامك بلا نهاية: ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا﴾ [ق: 7]؛ لأنك لو سرت على كرة فستظل تمشي للأبد دون أن تصل إلى “حافة”، أما الأرض المسطحة فلا بد لها من نهاية لا يمكن تجاوزها.

2_ الرد على مأزق “نقص الأرض من أطرافها”:

القول بأن الأرض المسطحة لها أطراف تتآكل كما جاء في قوله: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ [الأنبياء: 44].

علمياً: بسبب الدوران حول المركز، تنكمش الأرض قليلاً عند القطبين (الأطراف) وتنبعج عند خط الاستواء، مما يجعلها كروية غير تامة، وهذا هو عين الإعجاز في لفظ النقص من الأطراف، وهذا الوصف الدقيق لـ “النقص من الأطراف” هو من أقوى الأدلة على كروية الأرض ودورانها، وهو ما لا يمكن تصوره في القرص المسطح إذ أنه في الأرض المسطحة، لا معنى لنقص الأطراف إلا تآكل الحافة المادية.

3_ الرد على شبهة “إمساك السماء”:

القول إن السماء سقف مادي يغطي قرصاً مسطحاً وقد يقع عليها كما جاء في قوله تعال: ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَن تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [الحج: 65].

يُرد على ذلك بأن السماء في المنظور العلمي هي “بناء” يشمل الغلاف الجوي والفضاء، وإمساكها يعني حفظ قوانين الجاذبية والضغط؛ والجاذبية هي “العمد الذي لا تُرى” ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ [لقمان: 10]، وهي التي تمسك الغلاف الجوي من التلاشي وتمسك الأجرام من الارتطام بالأرض، وتحافظ على طبقات الهواء محيطة بالكرة الأرضية رغم حركتها السريعة لقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَّحْفُوظًا﴾ [الأنبياء: 32].

وهو ما لا يمكن تصوره في نموذج “القرص” المسطح الذي يفتقر لمركز جاذبية كروي. 

رابعاً: مأزق “فبركة الصور”

أكبر حجة لأصحاب فكر الأرض المسطحة هي أن صور الفضاء “مزيفة”، والرد على ذلك من عدة وجوه:

1_ استحالة التواطؤ العالمي: لكي تكون الصور مفبركة، يجب أن تتآمر وكالات فضاء من دول متنازعة سياسياً (مثل أمريكا، روسيا، الصين، الهند، وحتى وكالات دول إسلامية) على كذبة واحدة لمدى عقود وهذا مستحيل منطقياً؛ فالخصوم السياسيون يبحثون عن أي غلطة لخصومهم، فكيف يتفقون على شكل الأرض؟

2_ الصور ليست المصدر الوحيد: قبل وجود كاميرات الفضاء، أثبت العلماء كروية الأرض عن طريق تجارب ثلاث:

3_ تجربة إراتوستينس (برهان الظلال)

تعتمد هذه التجربة على حقيقة أن زاوية سقوط أشعة الشمس تختلف بين المدن بسبب انحناء سطح الأرض، ففي ظهر يوم 21 يونيو، كانت الشمس عمودية تماماً في مدينة أسوان بحيث لا يظهر للأعمدة ظل، بينما في نفس اللحظة كان للأعمدة في مدينة الإسكندرية ظل مائل بزاوية 7.2 درجة. ولو كانت الأرض مسطحة، لكانت الزاوية واحدة في كل مكان، لكن هذا الاختلاف في الزوايا مكن إراتوستينس من إثبات انحناء الأرض وحساب محيطها بدقة مذهلة باستخدام المسافة بين المدينتين.

4_ خسوف القمر (برهان الظل الكوني)

يعمل الخسوف كدليل بصري لا يقبل الشك؛ لأنه يعرض لنا شكل الأرض الحقيقي مطبوعاً على جرم آخر؛ فعندما تقع الأرض بين الشمس والقمر، تحجب ضوء الشمس وتلقي بظلها على سطح القمر، وبما أن حافة هذا الظل تظهر دائماً مقوسة ودائرية في كافة مراحل الخسوف ومن أي مكان على الأرض، فإن هذا يؤكد أن الجسم الذي ألقى الظل هو كرة؛ فالكرة هي المجسم الوحيد الذي يعطي ظلاً دائرياً من جميع الاتجاهات والزوايا، بينما القرص المسطح سيعطي ظلاً خطياً أو بيضاوياً في أغلب الأوضاع.

5_ غياب السفن في البحر (برهان الانحناء البصري)

هذا الدليل هو الأكثر قرباً للمشاهدة المباشرة لكل من يقف على شاطئ البحر ويرقب الأفق. فعندما تبتعد السفينة عن الساحل، لا تتلاشى فجأة أو تصغر ككتلة واحدة، بل يبدأ الجزء السفلي (الهيكل) بالاختفاء أولاً خلف خط الأفق، ثم يتبعه تدريجياً الجزء العلوي (الشراع أو المدخنة) هذا الاختفاء التدريجي من الأسفل إلى الأعلى هو دليل قاطع على أن السفينة “تهبط” خلف انحناء الكرة الأرضية؛ فلو كانت الأرض مسطحة، لبقيت السفينة كاملة تتقلص في الحجم حتى تختفي تماماً دون أن يغيب أسفلها قبل أعلاها.

خامسأ: الرد على “استحالة الصعود للقمر

يدعون أن هناك “قبة” تمنع الخروج، ولكن:

1_ الأقمار الصناعية وخدماتنا اليومية: إذا كان لا أحد يستطيع الخروج، فكيف تعمل أجهزة GPS في هاتفك؟ وكيف تعمل القنوات الفضائية (النايل سات وغيره)؟ هذه التقنيات تعتمد على أقمار صناعية تدور حول “كرة” أرضية؛ ولو كانت الأرض مسطحة، لكانت أبراج البث الأرضي كافية، ولكننا نحتاج للأقمار لتغطية “انحناء” الأرض.

2_ البث المباشر: هناك محطة الفضاء الدولية (ISS) التي تبث مباشرة على مدار 24 ساعة، ويمكن رؤيتها بالعين المجردة من الأرض كعلاقة ضوئية تمر في أوقات محددة بدقة فلكية.

3_ المأزق الجغرافي (أين حافة الأرض؟)

لو كانت الأرض مسطحة، لكان لها نهاية” أو “حافة؛ فلماذا لم يصور لنا أحد هذه الحافة؟ ولماذا لا تسقط مياه المحيطات منها؟

في الأرض الكروية، تستطيع السفن والطائرات الإقلاع من نقطة والسير في خط مستقيم والعودة لنفس النقطة (رحلات الطيران حول العالم)، وهذا مستحيل تماماً على قرص مسطح إلا إذا كانت الطائرة تدور في دوائر، وهو ما يخالف خرائط الملاحة الجوية.

سادسأ: دليل وحدة النشأة (برهان الفتق)

في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ [الأنبياء: 30].

الشرح اللغوي: “الرتق” هو الشيء الملتئم والملتحم، و”الفتق” هو الفصل والتمييز بين شيئين متصلين.

الاستدلال الهندسي: تؤكد الآية أن الأرض والسماوات لهما أصل واحد ونشأة مشتركة؛ وبما أننا نرى كافة الأجرام في ملكوت السماوات من كواكب ونجوم قد اتخذت الشكل الكروي انصياعاً لقوانين المادة والجاذبية، فإن الأرض بصفتها جزءاً من هذا الفتق الكوني تخضع بالضرورة لنفس السنن الهندسية، فمن غير المنطقي أن تنفصل الأرض عن أصل كروي لتتخذ شكلاً مسطحاً شاذاً عن بقية المنظومة الكونية التي تنتمي إليها.

سابعا: دليل الإحاطة الهندسية (برهان الأقطار)

في قوله تعالى: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ [الرحمن: 33].

الشرح اللغوي: “القطر” في اللغة والهندسة هو الخط المستقيم الذي يصل بين نقطتين على محيط دائرة أو كرة ماراً بمركزها.

الاستدلال الهندسي: استخدام لفظ “الأقطار” بصيغة الجمع للأرض دليل قاطع على كرويتها؛ إذ أن الأقطار تتعدد في المجسم الكروي من كل اتجاه نحو المركز.

ويخطئ البعض في فهم قوله تعالى: ﴿إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا﴾ على أنه منع مادي من ارتياد الفضاء..

المعنى الحقيقي للنفوذ: النفوذ المقصود في الآية ليس مجرد “الحركة المادية” أو الصعود للفضاء؛ بدليل أننا في واقعنا نرى الطائرات والمناطيد تخترق أقطار الغلاف الجوي للأرض ذهاباً وإياباً، فلو كان الصعود ممنوعاً لما تحركت طائرة؛ إنما النفوذ هنا له معنى أعمق وهو “النفاذ السلطاني” أي: التحكم المطلق في قوانين الكون، أو الإحاطة الكاملة بعلم الله تعالى، أو الهروب من قضائه.

فالتحدي في الآية هو تحدي “إحاطة وسيطرة”؛ فالله جل جلاله يخبر الثقلين (الجن والإنس) أنهم مهما قطعوا من مسافات مادية في أقطار الأرض أو السماء، فسيظلون عاجزين عن النفاذ من علمه أو الخروج عن ملكوته وقوانينه التي وضعها، ولن يملكوا “سلطاناً” ذاتياً يمكنهم من تغيير نظام هذا الملكوت أو الإفلات منه، وهذا يؤكد أن الأرض والسماء منظومة واحدة محكمة الإغلاق بقدرة الله تعالى وعلمه، لا بأسوار مادية تمنع النظر أو الحركة.

حدود النفوذ البشري: حتى لو كان المقصود هو النفوذ المادي، يجب التأكيد على أن ما حققه الإنسان من صعود للقمر أو إرسال مركبات فضائية لا يعد خروجاً عن “السماء الدنيا” التي تضم الكواكب والنجوم؛ فنحن هندسياً ما زلنا نتحرك في فناء هذا الكون المنظور.

والتحدي الإلهي يظل قائماً في عجز الثقلين عن اختراق أبعاد هذا الملكوت المادي لما هو أبعد منه، أو النفاذ إلى عوالم الغيب؛ فالسلطان العلمي الممنوح للبشر له سقف مادي وقدرة محدودة، مما يؤكد أننا مهما تمددنا في “أقطار” الفضاء، سنبقى محصورين في ذرة من ملكوت الخالق، عاجزين عن الإحاطة الكلية بنظام هذا الوجود أو الإفلات منه.

ثامنا: دليل التداخل الزمني (برهان الولوج)

قوله تعالى: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾ [الحج: 61].

الشرح اللغوي: “الولوج” هو الدخول التدريجي المتداخل، مثل دخول الخيط في الإبرة.

الاستدلال الفيزيائي: في الأرض المسطحة تشرق الشمس وتغرب فجأة على كامل المساحة، أما “الولوج” فيعني أن الليل يأخذ من النهار والنهار يأخذ من الليل في حركة تدريجية (وهي ظاهرة الغسق والشفق)، وهذا التداخل والولوج لا يمكن أن يحدث هندسياً إلا نتيجة وجود جسم كروي أمام مصدر ضوئي، حيث تتداخل الإضاءة مع الظل عند حواف الانحناء الكروي.

تاسعا: دليل الامتداد اللانهائي (برهان المد)

في قوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ﴾ [ق: 7].

الشرح اللغوي: “المد” هو البسط والاستمرار.

الاستدلال الهندسي: هذه الآية هي الرد القاطع على فكرة “الحافة”، فالجسم الوحيد الذي تظل أرضه ممدودة أمامك مهما سرت فيه دون أن تصل لنهاية أو حافة تسقط منها هو “الكرة”، فمهما تحرك الإنسان على سطح الأرض يجدها ممدودة أمامه، وهذا التمدد المستمر هو خاصية هندسية للمجسم الكروي فقط.

عاشرا: دليل الاستقرار الحركي (برهان الرواسي)

في قوله تعالى: ﴿وَأَلْقَىٰ فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [النحل: 15]، وفي قوله: ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ﴾ [ق: 7].

الشرح اللغوي: “الرواسي” من رسا الشيء إذا ثبت واستقر، و (المرساة) في السفينة تُطلق على الجزء الذي يثبتها في الماء رغم تلاطم الأمواج.

الاستدلال الهندسي والفيزيائي: وجود الجبال كـ “رواسي” يؤكد كروية الأرض ودورانها من وجهين:

الحاجة للتوازن: في الفيزياء، الأجسام الكروية التي تدور حول نفسها تحتاج إلى أثقال موازنة لتوزيع الكتلة ومنع الاضطراب أو الميلان أثناء الدوران؛ فقوله تعالى: ﴿أَن تَمِيدَ بِكُمْ﴾ أي لئلا تضطرب وتتأرجح الأرض أثناء دورانها الكروي.

انتفاء الحاجة في التسطيح: لو كانت الأرض مسطحة وثابتة (كما يزعم أصحاب هذا الرأي)، لما كانت هناك حاجة ميكانيكية لوجود “رواسي” تمنع الميدان والاضطراب؛ لأن الجسم المسطح المستقر على قاعدة لا يميد ولا يضطرب أصلاً.

الخلاصة:

إن القول بكروية الأرض ودورانها ليس مجرد استنتاج علمي حديث، بل هو الحقيقة التي تجتمع عليها الأدلة القرآنية اليقينية، والحقائق العلمية المشاهدة، والمنطق اللغوي الرصين، فالقرآن الكريم حين استخدم ألفاظاً إعجازية مثل ﴿يُكَوِّرُ﴾ و ﴿يَسْبَحُونَ﴾ و ﴿يَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾، كان يمهد العقل البشري لتقبل حقائق كونية كبرى لم يدرك العلم تفاصيلها إلا بعد قرون، وهو ما يثبت أن الحقائق العلمية اليقينية – سواء المقاسة بالتجارب كظاهرة الظلال أو المصورة من الفضاء – لا يمكن أن تعارض الوحي بأي حال من الأحوال.

ويظهر التوافق المذهل في أن القرآن وصف الأرض بـ ﴿فِرَاشًا﴾ و ﴿مِهَادًا﴾ لوصف حالتها “المنبسطة” في معاشنا اليومي رحمةً بنا وتيسيراً لاستقرارنا، بينما وصف حقيقتها الفلكية بـ “التكوير” لبيان هيئتها في الفضاء، هذا التفسير الكروي هو الوحيد الذي يجمع بين بلاغة النص وبين الواقع المعاش؛ فلو كانت الأرض مسطحة لما وجدنا الفصول الأربعة، ولما اختلف توقيت الصلاة بين بلد وآخر، ولما تمكنت الطائرات من الدوران حول الأرض والعودة لنفس النقطة، ولما عملت أنظمة تحديد المواقع (GPS) التي نستخدمها لحظياً.

فبينما تنبني نظريات الأرض المسطحة على التشكيك المطلق وافتراض المؤامرة، يدعونا العلم والقرآن إلى التفكر في كل شيء؛ لنبصر الأرض كما هي: كرة ممهدة، سابحة في ملكوت الله تعالى، ومحفوظة بنظام الجاذبية الإلهي، إنها الآية التي تتجلى فيها وحدة المصدر، فخالق الكون هو منزل القرآن، وما بينهما هو انسجام تام يكشف عظمة التصميم الإلهي لهذا الوجود، ويؤكد التناغم المطلق بين الوحي والواقع.

وبعد هذا الطواف بين آيات الله تعالى المسطورة في كتابه، وآياته المنظورة في كونه، ندرك أن الحقيقة أبلج من أن يحجبها تشكيك، وأعظم من أن تحصرها رؤية قاصرة، فالأرض آية في تمهيدها، ومعجزة في كرويتها، ونظام دقيق يشهد لمبدعه بالوحدانية والكمال، فما أجدر بالإنسان أن يفتح عين عقله وقلبه ليرى هذا الملكوت امتثالًا لدعوته جل جلاله:

﴿أَوَلَمْ ‌يَنْظُرُوا ‌فِي ‌مَلَكُوتِ ‌السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ ﴾ [الأعراف: 185]

الباحثة: شيماء أبو زيد

التعليقات

  • سلمت يداكِ وعاش قلمكِ كالعادة، تبهيريننا أستاذة شيماء، جزاك الله خيرا، وجزا القائمين على الموقع كل خير.

  • المقال أكثر من رائع
    في كلية العلوم كنت أدرس العديد من الموضوعات المتعلقة بنشأة الكون و الجاذبية و الأجرام السماوية، و حدث ذلك الجدال كثيرًا بين الطلاب بينما شرح لنا الأساتذة دلائل الكروية جيولوجيًا و فلكيًا
    و في الواقع عندما قرأت آيات القرآن المتعلقة بهذا الصدد شعرت بدقة الألفاظ، فسبحان الله
    و لكن المقال كان متعمقًا كثيرًا لدرجة أدهشتني
    أحسنتم النشر، بارك الله فيكم و زادكم علمًا و نفعًا

تصنيفات

Your Header Sidebar area is currently empty. Hurry up and add some widgets.