﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: 54]
بعد أن تبيّن لقوم موسى خطأ ما أقدموا عليه من اتخاذ العجل إلهًا: قال موسى لهم: ﴿يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ﴾؛ أي أن اتخاذكم العجل إلها فيه ظلم لأنفسكم لأنكم عرضتموها لسخط الله تعالى، فارجعوا إلى الله الذي أنشأكم وخلقكم على الهيئة والخصائص التي ميّز بها كل واحد منكم عن غيره، ولا تجعلوا له شريكًا فيما اختص به من الخلق والإيجاد. ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ﴾؛ أي تخلّصوا من الأهواء والرغبات الفاسدة التي قادتكم إلى الشرك، واقطعوا أسبابها من أنفسكم، فذلك خير لكم وأصلح لحالكم عند بارئكم. ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾، أي قبل توبتكم ورجع عليكم بالرحمة والمغفرة؛ ﴿إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾.
ويأتي وصف الله تعالى في هذا الموضع بـ «بارئكم» مناسبًا للسياق؛ فالبارئ هو الذي يُنشئ المخلوقات ويُخرجها إلى الوجود على هيئة وخصائص متميزة. فالإنسان يشبه الإنسان، والنبات يشبه النبات، والحيوان يشبه الحيوان، ومع ذلك لا يتطابق فردان منها تطابقًا تامًا؛ لأن الله تعالى خلق كل مخلوق بخصائص تميّزه. ومن هنا كان «البارئ» من أسماء الله تعالى، كما قال سبحانه: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ﴾ [الحشر: 24]. فمَن أنشأكم وميّزكم بخصائصكم هو وحده المستحق للعبادة، لا ما صنعتموه بأيديكم من عجل.
وأما قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾، فإن حمله على المعنى المجازي ينسجم مع اقترانه بالتوبة، ومع ما يوضحه السياق القرآني من أن المطلوب هو الرجوع عن المنهج الذي أوقعهم في الشرك والتخلي عن أسبابه. فالمراد أن يقتلوا في أنفسهم تلك الأهواء والرغبات الفاسدة التي دفعتهم إلى اتخاذ العجل إلهًا، وأن يقطعوا سلطانها عليهم، لا أن يهلكوا أجسادهم. ولذلك أعقب الله تعالى ذلك بقوله: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾، أي قبل توبتكم، مما يدل على أن المقصود من الأمر تحقيق التوبة والإصلاح والرجوع إلى الله.
ويؤيد هذا الفهم ما ورد في موضع آخر من القرآن في سياق أمرٍ مشابه، إذ قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا . وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا . وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [النساء: 66–68]. فالسياق هناك يربط الامتثال بما يترتب عليه من الخير والتثبيت والأجر والهداية إلى الصراط المستقيم، وهو ما ينسجم مع فهم «قتل النفس» هنا على أنه مجاهدة للهوى، والتخلي عن دوافع الانحراف، والعودة إلى طاعة الله، لا إهلاك الأجساد.
وعلى هذا الأساس، فإن الأمر ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ يأتي في سياق معالجة أصل الانحراف لا مجرد معالجة أثره؛ إذ لا تكفي التوبة باللسان إذا بقيت في النفس الأهواء التي قادت إلى الشرك. فكان المطلوب منهم أن يقطعوا تلك الدوافع من أصلها، وأن يعودوا إلى بارئهم وحده، ثم جاء ختام الآية ببيان سعة رحمة الله وقبوله للتوبة، لتتصل هذه الآية بما بعدها من بيان عفو الله عنهم واستكمال ما ترتب على حادثة العجل.
﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ [البقرة: 55]
ثم يذكّرهم الله تعالى بموقف آخر من مواقفهم مع موسى عليه السلام، وما صدر منهم من تعنّت في طلب الدليل الحسي، فقد اشترطوا على موسى أن يؤمنوا له بشرط أن يروا الله رؤيةً ظاهرةً جلية، فجعلوا الإيمان متوقفًا على إدراك ما طلبوه بحواسهم، مع أن الإيمان بالغيب من أصول الهداية التي يقوم عليها الكتاب.
وتبين الآية أن نتيجة هذا التعنت من قوم موسى كانت أن ﴿أَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ﴾. والصاعقة هي الصوت الشديد الناجم عن الرعد، وقد يترتب على أثرها نار أو عذاب أو موت، كما ذكر الراغب الأصفهاني في مفردات ألفاظ القرآن. ومن ثم فإن لفظ الصاعقة لا يقتصر في ذاته على معنى واحد، وإنما يُفهم أثرها بحسب السياق الذي ترد فيه.
وقد جاء ذكر هذه الحادثة في موضع آخر من القرآن بما يوضح سبب نزولها بهم، فقال تعالى: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَىٰ أَكْبَرَ مِنْ ذَٰلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ﴾ [النساء: 153]. فالسياق القرآني يربط أخذ الصاعقة بظلمهم، أي بتجاوزهم الحد في طلب ما اشترطوه على رسولهم، كما يكشف أن هذه الحادثة كانت حلقة أخرى في سلسلة من المواقف التي أظهروا فيها عدم الانقياد للحق إلا بعد طلب الآيات على وفق أهوائهم.
وهكذا تأتي الآية في سياق تذكير بني إسرائيل بنعم الله عليهم من جهة، وبمواقفهم المتكررة من التكذيب والتعنت من جهة أخرى؛ ليبين لهم أن كثرة الآيات والمشاهد الحسية لا تنفع صاحبها إذا لم يصحبها قلب مستعد لقبول الحق والانقياد له. فالمشكلة لم تكن في نقص الدليل، وإنما في جعل الإيمان مشروطًا بمطالب تتجاوز ما أُمروا به، ولذلك جاء تذكيرهم بهذه الحادثة ضمن تعداد النعم والوقائع التي ينبغي أن تحملهم على الاعتبار والرجوع إلى الله.
ولم يكن هذا النوع من المطالب خاصًا ببني إسرائيل، بل تكرر من أقوام مع رسلهم؛ إذ طلبوا منهم أن يأتوا بآيات وفق ما اشتهوا واقترحوا، لا وفق ما تقتضيه الحكمة الإلهية. ومن ذلك ما ذكره الله تعالى من طلب قوم محمد ﷺ، فقال سبحانه: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا . أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا . أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا﴾ [الإسراء: 90–92].
﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: 56]
بعد أن أخذتهم الصاعقة بسبب تعنّتهم في طلب رؤية الله، أعادهم الله إلى الحياة مرة أخرى، ليكون ذلك تذكيرًا لهم بنعمته، وحجة عليهم فيما أوجب عليهم من الإيمان والطاعة والتكاليف. فجاء قوله ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ لبيان الغاية من هذا الإحياء؛ أي لكي تدركوا ما أنعم الله به عليكم، فتقابلوه بالشكر، وتقوموا بما أوجب عليكم من العهود والأوامر، ولا تعودوا إلى التعنت والعصيان.
ومن خلال هذا السياق يتضح أن حادثة الصاعقة والإحياء جاءت في سياق موقف بالغ الأهمية في علاقة بني إسرائيل بموسى وبما أُعطوا من الآيات والأوامر. فقد شاهدوا من الآيات ما كان كافيًا ليدلهم على عظمة الله وقدرته، ومع ذلك طلبوا ما تجاوزوا به حدود ما أُمروا به، فأخذتهم الصاعقة، ثم أعادهم الله إلى الحياة. ولذلك جاء تذكيرهم بهذه النعمة عقب ذكر الحادثة مباشرة: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. فالمقصود ليس مجرد تذكيرهم بالنجاة من الموت، وإنما تذكيرهم بأن النجاة نفسها نعمة تستوجب الشكر، وأن الشكر الحقيقي لا يكون بالقول وحده، بل بالاستجابة لما أنزل الله من الهدى، والوفاء بما أوجب عليهم من العهود والتكاليف.
﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [البقرة: 57]
فبعد أن أنجاهم الله من الصاعقة وأعادهم إلى الحياة، واصل تذكيرهم بما أفاض عليهم من النعم؛ فظلّلهم بالغمام ليقيهم مشقة الحر، ورزقهم المنّ والسلوى، وأباح لهم أن يأكلوا من طيبات ما رزقهم، أي من الرزق الطيب المستساغ الذي تفضل الله به عليهم من غير عناء في تحصيله. وكان ذلك فضلًا ظاهرًا يستوجب منهم الشكر، غير أنهم لم يقابلوا هذه النعم بما يقتضيه شكر المنعم من الطاعة والامتثال. وقد ورد ذكر المنّ والسلوى أيضًا في مواضع أخرى من القرآن، منها [الأعراف: 160] و[طه: 80].
غير أن إنعام الله عليهم بهذا الرزق لم يكن إذنًا لهم في الإسراف أو الطغيان فيه، بل كان رزقًا مقيدًا بما أمرهم الله به. وقد نبّههم سبحانه إلى ذلك بقوله: ﴿كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي﴾ [طه: 81]. فالمطلوب هو الانتفاع بنعمة الله في حدود ما أذن به، من غير تجاوز ولا استعلاء ولا مخالفة لأمره.
وهكذا تتضح الصلة بين النعمة والتكليف في سياق الآية؛ فلم يكن المقصود مجرد إطعامهم وإمدادهم بما يحتاجون إليه، وإنما كان ذلك أيضًا ابتلاءً لهم: هل يشكرون النعمة بالامتثال، أم يحوّلون الرزق إلى سبب للطغيان ومخالفة الأمر؟ ولذلك ختم الله تعالى الآية بقوله: ﴿وَمَا ظَلَمُونَا وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾؛ فالله سبحانه لا تضره معصيتهم ولا تنفعه طاعتهم، وإنما تعود آثار أفعالهم إليهم؛ فإن أطاعوا وانتفعوا بالنعم وفق ما شرع الله كان ذلك خيرًا لهم، وإن عصوا وتجاوزوا حدود ما أذن لهم فيه فإنما يضرون أنفسهم. فالطاعة لا تزيد في ملك الله شيئًا، والمعصية لا تنقص منه شيئًا، وإنما يعود نفع الطاعة وضرر المعصية على الإنسان نفسه.
﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: 58].
وبعد أن ذكّرهم الله تعالى بما أنعم به عليهم من التظليل بالغمام، وإنزال المنّ والسلوى، وأمرهم بالانتفاع بطيبات ما رزقهم دون أن يتجاوزوا حدود ما أذن لهم فيه، يذكّرهم بنعمة أخرى فيقول: ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ﴾؛ أي ادخلوا هذا الموضع الذي أذن الله لكم بدخوله، وانتفعوا بما فيه من الرزق، ﴿فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا﴾، أي كلوا من خيراتها وأرزاقها في سعة وهناء، من غير تضييق عليكم.
غير أن الانتفاع بهذه النعمة لم يكن منفصلًا عن الطاعة، كما لم تكن النعم السابقة منفصلة عن التكليف؛ فقد أمرهم الله، في الوقت نفسه، بأن يدخلوا الباب ﴿سُجَّدًا﴾، وأن يقولوا ﴿حِطَّةٌ﴾، أي أن يدخلوا في حال من الخضوع والانقياد لأمر الله، وأن يقرّوا بحاجتهم إلى مغفرته، ويطلبوا منه أن يحط عنهم خطاياهم وتبعاتها. ثم وعدهم سبحانه بالمغفرة فقال: ﴿نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ﴾، وبالمزيد من فضله فقال: ﴿وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾؛ أي إن إحسانهم لا يقابل بمجرد المغفرة، بل يترتب عليه مزيد من فضل الله وعطائه.
ومن ثم، فإن الآية تواصل المعنى الذي ظهر في الآية السابقة: النعمة الإلهية تقترن بالتكليف والمسؤولية. فقد أُعطوا الطعام الطيب، وأُمروا بألا يطغوا فيه، ثم أُعطوا السعة في القرية، وأُمروا في مقابل ذلك بالخضوع لله وطلب المغفرة والإحسان. فالغاية ليست مجرد الانتفاع بما أتاحه الله لهم، وإنما أن يقترن الانتفاع بالنعمة بالاستجابة للمنعم، وأن يتحول الرزق والسعة إلى دافع للشكر والطاعة لا إلى سبب للغفلة والتجاوز.
ويأتي قوله تعالى ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ في هذا السياق ليؤكد معنى الخضوع والانقياد؛ فالسجود في أصل اللغة يدل على الخضوع والتذلل، وليس المقصود بالضرورة حمل اللفظ على الهيئة الاصطلاحية المعروفة في الصلاة. ولذلك يمكن فهم الأمر هنا على أنه طلب منهم أن يدخلوا في حال من التواضع لله والانقياد لأمره، لا في حال من الاستكبار والتمرد.
ثم جاء الأمر الثاني: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾، أي أقرّوا بخطئكم، واسألوا الله أن يحط عنكم خطاياكم وتبعاتها. فاجتمع في هذا الأمر الخضوع العملي والإقرار القولي؛ دخولٌ قائم على الانقياد، وكلامٌ قائم على طلب المغفرة. ولذلك جاء الجزاء موافقًا لهذين المعنيين: ﴿نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ﴾، ثم ﴿وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾، ليبين أن باب فضل الله لا يقف عند إزالة الخطأ، بل يمتد إلى الزيادة في الإحسان لمن أحسن.
وقد ورد هذا المعنى في مواضع أخرى من القرآن، إذ يذكر الله تعالى في شأن بني إسرائيل مواقف مشابهة تتعلق بدخول الباب وقول «حطة»، كما في [الأعراف: 161–162]، ويذكر كذلك ما أخذ عليهم من الميثاق ورفع الطور فوقهم في [النساء: 154]. وتكشف هذه المواضع مجتمعة أن ما عُرض عليهم لم يكن مجرد أوامر منفصلة، وإنما كان اختبارًا لمدى استجابتهم لما أنعم الله به عليهم، ووفائهم بما عاهدوه عليه.
وهكذا تأتي هذه الآية حلقة جديدة في سلسلة النعم والتكاليف التي يذكّر الله بها بني إسرائيل: نجاةٌ يعقبها شكر، ورزقٌ يعقبه التزام، وسعةٌ يعقبها خضوع، ثم مغفرةٌ وزيادةٌ في الفضل لمن أحسن. وبذلك يتبين أن النعمة في المنظور القرآني ليست غاية مستقلة، وإنما هي فرصة للقيام بحق الله فيها، وأن الإحسان هو الطريق إلى المزيد من فضله.
﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [البقرة: 59].
وبعد أن أمرهم الله تعالى في الآية السابقة أن يدخلوا القرية خاضعين له، وأن يقولوا ﴿حِطَّةٌ﴾ طلبًا للمغفرة، ووعد المحسنين بالمزيد من فضله، بيّن في هذه الآية ما كان موقف فريق منهم من ذلك الأمر؛ فقال سبحانه: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾. فلم يلتزم الذين ظلموا أنفسهم بما أُمروا به، بل بدّلوا ما قيل لهم، واستبدلوا الامتثال والعفو المطلوب بالرفض والعصيان. ولذلك قال تعالى: ﴿فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾؛ أي أنزلنا عليهم عذابًا بسبب فسقهم وخروجهم عن حدود ما أمرهم الله به.[1][2]
والأمر الذي سبق ذكره كان واضحًا في عناصره: أن يدخلوا القرية، وأن يكون دخولهم قائمًا على الخضوع لله، وأن يقولوا ﴿حِطَّةٌ﴾ إقرارًا بخطئهم وطلبًا للمغفرة، وأن يقترن ذلك بالإحسان. غير أن سياق القرآن يبيّن أن بني إسرائيل أظهروا في موضع آخر من قصتهم رفضًا صريحًا لدخول الأرض التي أمرهم الله بدخولها؛ فقالوا لموسى: ﴿يَا مُوسَىٰ إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىٰ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾ [المائدة: 22]. ثم بلغ بهم التمرد أن قالوا: ﴿يَا مُوسَىٰ إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة: 24].
ومن هنا يمكن فهم «التبديل» المذكور في الآية على أنه ليس مجرد تغيير في الألفاظ، وإنما هو تغيير في الموقف من الأمر الإلهي ومضمونه؛ فقد أُمروا بالدخول فأحجموا، وأُمروا بالخضوع والامتثال فقابلوا ذلك بالاعتراض والتمرد. وبذلك تحوّل القول الذي كان ينبغي أن يكون تعبيرًا عن التوبة والانقياد إلى موقف عملي يناقض ما أُمروا به.
ويؤكد هذا المعنى أن القرآن لا يجعل العقوبة مرتبطة بمجرد مخالفة لفظية، وإنما يربطها بسببها الأخلاقي والعملي، فيقول: ﴿بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾، فالفسق هو الخروج عن الطاعة والحدود التي ينبغي للإنسان أن يلتزم بها، ولذلك جاء الرِّجز جزاءً على هذا الخروج. وقد بيّن القرآن في موضع آخر أن ما وقع عليهم من العقوبة كان نتيجة مباشرة لعصيانهم، فقال تعالى: ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [المائدة: 26].
وهكذا يتصل مضمون هذه الآية اتصالًا وثيقًا بما قبلها: فقد فُتح لهم باب النعمة والمغفرة، وطُلب منهم أن يدخلوا خاضعين ويقرّوا بخطئهم، لكن فريقًا منهم قابل هذا الفضل بالرفض والمخالفة. فجاء الجزاء متناسبًا مع الفعل: أمرٌ بالطاعة فقابلوه بالفسق، ووعدٌ بالمغفرة فقابلوه بالإعراض، وسعةٌ في النعمة فقابلوها بالعصيان. ولذلك يكرر القرآن وصفهم في الآية نفسها بقوله ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾؛ لأن آثار مخالفتهم لم ترجع إلى الله بشيء، وإنما عادت عليهم هم بالضرر والعقوبة، كما قرر في الآية السابقة: ﴿وَمَا ظَلَمُونَا وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [البقرة: 57].


أضف تعليقا