حبل الله
تفسير الآيات 40-53 من سورة البقرة

تفسير الآيات 40-53 من سورة البقرة

﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [البقرة: 40] 

يبدأ الله تعالى الخطاب لبني إسرائيل بتذكيرهم بنعمته عليهم، فقال: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾، ثم دعاهم إلى الوفاء بعهده، فقال: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾، وختم الآية بتوجيههم إلى أن تكون خشيتهم منه وحده: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾. وفي هذا الربط بين النعمة والعهد والخشية إشارة إلى أن النعمة الإلهية تستوجب شكر المنعِم والوفاء بما عاهد العبدُ ربَّه عليه، وألا يحول بينه وبين طاعة الله خوفُ أحدٍ من خلقه.

وإسرائيل هو لقب يعقوب عليه السلام، كما يُفهم من سياق القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ [مريم: 49]، وبنو إسرائيل هم ذرية يعقوب عليه السلام. وكان يعقوب ابن إسحاق، وإسحاق ابن إبراهيم عليهم السلام، كما يتضح من قوله تعالى: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ… قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [البقرة: 133]، وقوله سبحانه في قصة إبراهيم: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: 71].

ومن أبرز النعم التي أنعم الله بها على بني إسرائيل أن جعل في ذريتهم عددًا كبيرًا من الأنبياء والرسل المتتابعين، من ذرية يعقوب عليه السلام إلى عيسى عليه السلام، فكان فيهم حملٌ متعاقب للرسالات الإلهية ودعوةٌ إلى هداية الناس وإقامة الحق. وقد مثّل هذا الاصطفاء نعمة عظيمة ومسؤولية في الوقت نفسه؛ إذ إن شرف الانتساب إلى بيت النبوة لا يغني عن الإيمان والعمل الصالح، ولا يعفي من الوفاء بعهد الله.

ومن هؤلاء الأنبياء يوسف عليه السلام، وهو ابن يعقوب عليه السلام. فقد انتهى به الأمر إلى مصر، بعد أن بيع مملوكًا، واستقر في بيت أحد كبار رجالها. ثم ابتُلي بمراودة امرأة العزيز له، وشاركها في ذلك نسوةٌ من نساء المدينة، فامتنع عن الاستجابة إلى ما دُعي إليه من المعصية، واختار السجن على الوقوع فيما يسخط الله، فقال: ﴿رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ [يوسف: 33]. وتكشف هذه الحادثة عن جانب من النعمة التي ظهرت في ذرية يعقوب، وهي حفظ أنبيائهم من الانقياد للفتنة والثبات على طاعة الله، حتى في أشد الظروف.

ثم خرج يوسف عليه السلام من السجن، وتولى مسؤولية خزائن الأرض، بعد أن ظهرت براءته وتبينت كفاءته، فقال: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: 55]. وأكرمه الله بعد ذلك بالتمكين في مصر، فقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ﴾ [يوسف: 56].

ثم اجتمع به أبوه يعقوب عليه السلام، وأمه، وإخوته الأحد عشر، ودخلوا مصر واستقروا فيها، كما يصف القرآن الكريم اجتماع الأسرة بقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [يوسف: 99]، ثم قال: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾ [يوسف: 100].

وهكذا يتضح أن استحضار تاريخ بني إسرائيل في هذا السياق القرآني ليس لمجرد تعداد المناقب، وإنما لتذكيرهم بأصل النعمة التي سبقتهم، وبأن النعم الإلهية لا تكون سببًا للاغترار بالانتساب، وإنما تقتضي شكر الله والوفاء بعهده. ولذلك جاء الأمر عقب ذكر النعمة مباشرة: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾، ثم أعقبه قوله: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾؛ أي لا تجعلوا خشية الناس أو المحافظة على ما ألفتموه حائلًا بينكم وبين الوفاء بعهد الله.

وقد جعل الله يوسف عليه السلام رسولًا إلى أهل مصر (غافر 34). ثم مضت السنين وتكاثر بنو إسرائيل، حتى جاء فرعون، آخر ملوك مصر، فأخذ يوقع الظلم بهم ويستضعفهم. ولإنقاذهم من ظلم فرعون، أرسل الله من بني إسرائيل موسى وهارون عليهما السلام رسولين إلى مصر (القصص 3-6). وكان عيسى عليه السلام آخر رسول جاء من بني إسرائيل (الصف 6).

أما محمد عليه السلام فهو من ذرية إسماعيل عليه السلام، وليس من بني إسرائيل. وكان بنو إسرائيل يعرفون، بحسب ما ورد في كتبهم، أن الرسول الأخير المرسل إلى العالم سيكون هو المقصود بالبشارة الواردة في كتبهم (التثنية 18:18-19؛ المزامير 118:22-26)، غير أنهم لم يرغبوا في الإيمان به لأنه لم يكن من نسلهم، كما يبين القرآن موقفهم من ذلك (البقرة 89-92).

والعهد الذي أخذه الله على بني إسرائيل هو أن يؤمنوا بالكتاب الجديد الذي يصدّق كتبهم السابقة، أي القرآن، وأن يؤمنوا بالنبي الذي جاء به، وهو محمد عليه السلام. وقد أُخذ هذا العهد في سياق الإيمان بالرسل والكتب التي يصدق بعضها بعضًا (آل عمران 81، 84؛ الأعراف 157).

وقد وعد الله تعالى بني إسرائيل بالتمكين في الأرض وبالهيمنة، وجاء في التوراة: «إذا سمعت سمعًا لوصايا الرب إلهك، لتعمل بها وتحفظها، يجعلك الرب إلهك مستعليًا على جميع قبائل الأرض» (التثنية 28:1). ويربط النص هذا الوعد بوفائهم بعهد الله وطاعتهم لأوامره.

ومن هذا المنطلق، يُفهم أن من أسباب بعثة محمد عليه السلام أن يتحقق هذا الوعد في إطار الرسالة الأخيرة وانتشار دين الله في العالم (التوبة 33). غير أن بني إسرائيل لا ينتفعون بهذا الوعد ما لم يؤمنوا بالقرآن ويلتزموا بما يقتضيه عهد الله (الأعراف 156-157). وفي المقابل، إذا أعرضوا عن أمر الله ونقضوا عهده، فإنهم يدخلون في نطاق الوعيد المذكور في التوراة: «ويكون إذا لم تسمع لصوت الرب إلهك، لتحرص أن تعمل بجميع وصاياه وفرائضه التي أنا أوصيك بها اليوم، تأتي عليك جميع هذه اللعنات وتدركك… ملعونًا تكون في المدينة وملعونًا تكون في الحقل» (التثنية 28:15-16).

﴿وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ ﴾ [البقرة: 41] 

بعد أن ذكّر الله تعالى بني إسرائيل بنعمته عليهم، ودعاهم إلى الوفاء بعهده، انتقل إلى دعوتهم إلى الإيمان بما أنزله على نبيه محمد ﷺ، فقال: ﴿وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾. فالقرآن كتاب منزل من عند الله، وقد جاء مصدقًا لما بقي من الحق في الكتب السابقة، ولا سيما ما يتعلق بأصول التوحيد والرسالات والشرائع الإلهية، ولذلك لم يكن نزوله دعوة إلى الإعراض عما أنزل الله من قبل، وإنما إلى الإيمان بالوحي الإلهي كله في مصدره الصحيح.

ويؤكد القرآن أن الرسالات الإلهية في أصلها سلسلة واحدة، وأن الإيمان لا يكتمل بالإيمان ببعض الرسل والكتب ورفض بعضها الآخر، قال تعالى: ﴿قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 84]. ومن ثم فإن الإيمان بالقرآن لا يُفهم على أنه قطع للصلة بالوحي السابق، بل هو إيمان بالوحي الإلهي في وحدته ومصدره، مع الاحتكام إلى الكتاب الذي أنزله الله خاتمًا للرسالات.

وقد أشار القرآن في مواضع أخرى إلى أن أهل الكتاب كانوا يجدون في كتبهم إشارات إلى النبي الذي يأتي مصدقًا لما معهم، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ [الأعراف: 157]. ومن النصوص التي يُستشهد بها في هذا الباب ما ورد في سفر التثنية 18:18-19 من الوعد بإقامة نبي من إخوتهم (وهم أبناء إسماعيل) يتكلم بكلام الله ويبلّغ ما يأمره به (وهو ما ينطبق على خاتم النبيين).

ثم يحذرهم الله من أن يكونوا أول من يكفر بهذا الوحي: ﴿وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾. والمقصود ليس مجرد السبق الزمني في الكفر، وإنما التحذير من أن يكون من عرف الحق وظهرت له دلائله أشد الناس مبادرة إلى رفضه. وفي هذا توبيخ لمن يمتلك من العلم ما يعينه على معرفة الحق، ثم يحمله التعصب أو المصلحة أو الخوف من فقدان المكانة على جحوده.

ثم يقول تعالى: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾. فالاستبدال هنا تصوير لحال من يجعل آيات الله وسيلة للحصول على منفعة دنيوية، فيترك الحق أو يكتمه أو يحرفه أو يمتنع عن العمل بمقتضاه في مقابل مصلحة عاجلة. وقد وصف الله ما يؤخذ في مقابل آياته بأنه ﴿ثَمَنًا قَلِيلًا﴾، لا بمعنى أنه قليل من حيث المقدار بالضرورة، وإنما لأنه حقير زائل إذا قيس بما يُضحّى به من الحق وبما عند الله من الجزاء. ولذلك تكرر هذا التعبير في القرآن عند الحديث عن كتمان الحكم الإلهي أو تحريفه، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ﴾ [البقرة: 174]، وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: 44].

وهذا التحذير لا يختص بعلماء أهل الكتاب، بل يحمل قاعدة عامة لكل من عرف شيئًا من الحق ثم جعل معرفته وسيلة إلى منفعة دنيوية؛ فالآيات الإلهية ليست سلعة تُقايض بالمنافع، ولا يجوز للإنسان أن يقدم رضى الناس أو المكاسب المادية أو المكانة الاجتماعية على ما تبين له أنه حق من عند الله.

ويختم الله تعالى الآية بقوله: ﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾، بعد أن قال في صدر السياق: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [البقرة: 40]. وفي تكرار توجيههم إلى الله وحده تأكيد على أن خشية الناس لا ينبغي أن تحول بينهم وبين اتباع الحق؛ فالتقوى الحقيقية تقتضي أن يكون الله هو المرجع في الاعتقاد والعمل، وأن يُقدَّم أمره على كل مصلحة زائلة.

وبذلك تنتظم الآية في سياق واحد: نعمةٌ تستوجب الشكر، وعهدٌ يستوجب الوفاء، ووحيٌ يستوجب الإيمان، وحقٌّ لا يجوز بيعه بمصلحة عاجلة، وتقوى ينبغي أن تكون لله وحده. فالإنسان قد يعرف الحق، لكن الامتحان الحقيقي يظهر حين يتعارض اتباعه مع مصلحة دنيوية؛ وحينئذ يكون الوفاء بعهد الله هو أن يقدم المرء الحق الذي عرفه على كل ثمن قليل.

﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 42] 

بعد أن دعا الله تعالى بني إسرائيل إلى الإيمان بما أنزل، وحذّرهم من استبدال آياته بمصلحة دنيوية زائلة، نهاهم عن سلوك طريقين من أخطر الطرق التي تحول دون ظهور الحق للناس، فقال: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.

فالنهي الأول، وهو قوله: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾، يتضمن التحذير من خلط الحقيقة بالزيف على نحو يجعل الباطل يبدو في صورة الحق، أو يجعل الحق محاطًا بما يلتبس به من الأوهام والتأويلات والأقوال المختلقة، فلا يعود المتلقي قادرًا على التمييز بين ما هو من عند الله وما أُضيف إليه. ومن صور ذلك أن يُذكر شيء من الحق ثم يُضم إليه ما ليس منه، أو تُعرض الحقيقة مبتورةً على نحو يغيّر دلالتها، أو يُعطى الباطل من العبارات والأساليب ما يوهم بأنه حكم إلهي أو حقيقة ثابتة.

واللبس في الأصل هو الخلط الذي يجعل أحد الشيئين يلتبس بالآخر، ولذلك جاء التعبير القرآني ﴿تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾؛ إذ إن خطورة هذا الفعل لا تقتصر على وجود الباطل، وإنما تكمن في إخفاء حقيقته بإلباسه ثوب الحق. فالناس قد يرفضون الباطل لو ظهر لهم على حقيقته، لكنهم قد يقبلونه إذا قُدّم إليهم ممزوجًا بشيء من الحق.

ثم جاء النهي الثاني: ﴿وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، وهو نهي عن حجب الحقيقة مع العلم بها. فليس المقصود مجرد عدم معرفة الحق أو الخطأ في فهمه، وإنما أن يكون الإنسان قد عرف الحقيقة معرفةً تقوم بها الحجة عليه، ثم يتعمد إخفاءها وعدم بيانها للناس. وهذا أشد خطرًا؛ لأن العالم بالحق مؤتمن على ألا يحول علمه بين الناس وبين معرفته.

والآية بهذا تجمع بين صورتين متقابلتين من الإضلال: تشويه الحق بإدخال الباطل عليه، وحجب الحق بإخفائه عن الناس. ففي الحالة الأولى يُقدَّم الباطل على أنه جزء من الحق، وفي الثانية يُمنع الناس من الوصول إلى الحق أصلًا. ولذلك جاء القيد في آخر الآية: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾؛ لأن المسؤولية تشتد حين يكون الكتمان صادرًا عن معرفة، لا عن جهل أو خطأ في الاجتهاد.

وقد تكرر هذا المعنى في مواضع أخرى من القرآن الكريم. فمن ذلك قوله تعالى في وصف أهل الكتاب: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 146]. وقال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [البقرة: 159]. وقال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: 71].

كما أن الله تعالى أخذ على أهل الكتاب ميثاقًا بأن يبيّنوا الكتاب للناس ولا يكتموه، فقال: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: 187].

ومع أن الخطاب في هذه الآيات موجَّه في سياقه إلى بني إسرائيل وأهل الكتاب، فإن المبدأ الذي تقرره الآية يتجاوز ذلك السياق؛ فكل من عرف حقًا ثابتًا لا يجوز له أن يشوّهه بإلباسه بالباطل، ولا أن يتعمد كتمانه إذا كان بيانُه واجبًا. ومن هنا فإن الأمانة في التعامل مع الوحي تقتضي إظهار الحق كما هو، وتمييزه عما ليس منه، وعدم استعمال العلم وسيلةً لتضليل الناس أو حجب الحقيقة عنهم.

﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ ﴾ [البقرة: 43] :

بعد أن دعا الله تعالى بني إسرائيل إلى الإيمان بالحق وعدم خلطه بالباطل أو كتمانه، انتقل إلى توجيههم إلى جملة من الأعمال التي تترجم الإيمان إلى سلوك وعبادة، فقال: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾. فالإيمان ليس مجرد معرفة ذهنية أو إقرار باللسان، وإنما يقتضي الاستجابة العملية لأمر الله، وإقامة ما شرعه من العبادات والمعاملات.

فقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ لا يقتصر على مجرد أداء حركات الصلاة، وإنما يتضمن إقامتها على الوجه الذي تتحقق به مقاصدها من الخضوع لله وذكره وطاعته والمحافظة عليها. وقد كانت الصلاة والزكاة من الشعائر التي أمر الله بها رسله وأتباعهم، مما يدل على ثبات أصل العبادة في الرسالات الإلهية، وإن اختلفت بعض تفاصيل الشرائع من أمة إلى أخرى. قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَٰلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: 5]. كما أخذ الله على بني إسرائيل عهدًا يتضمن إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، فقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ… وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: 83]، وقال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ… وَأَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ﴾ [المائدة: 12].

وأما قوله تعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾، فالزكاة من الجذر (ز ك و)، وهو أصل يدل على النمو والزيادة والنماء، ومن معانيه الطهارة أيضًا. والزكاة في معناها الشرعي عبادة مالية تقوم على إخراج قدر معلوم من المال في مصارفه المشروعة، بما يسهم في سد حاجات المستحقين وتحقيق التكافل الاجتماعي. وقد بين القرآن مصارفها فقال: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [التوبة: 60].

ومن هذا الوجه، لا تقتصر آثار الزكاة على تزكية المال والنفس فحسب، وإنما تمتد إلى المجتمع كله؛ إذ تسهم في إيصال جزء من الثروة إلى الفئات المحتاجة، وتدعم المصالح التي حددها القرآن، وتحدّ من تركز المال في أيدي فئة محدودة. ومن ثم يمكن النظر إليها بوصفها جزءًا من النظام الذي أراده الله لتحقيق قدر من التوازن في حركة المال داخل المجتمع، دون أن يعني ذلك اختزال عبادة الزكاة في وظيفتها الاقتصادية وحدها؛ فهي قبل ذلك طاعة لله وحق معلوم جعله الله في أموال الأغنياء للمستحقين.

ثم يقول تعالى: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾، بعد أن أمر بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة. والركوع جزء معروف من الصلاة، لكن التعبير القرآني جاء بصيغة الجمع: ﴿مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾، وفي ذلك توجيه إلى أن ينضموا إلى جماعة المصلين، وألا يجعلوا عبادتهم أمرًا منفصلًا عن جماعة المؤمنين. فالصلاة هنا ليست مجرد عبادة فردية يؤديها الإنسان بمعزل عن الآخرين، وإنما تتضمن أيضًا معنى الاجتماع على طاعة الله والمشاركة في العبادة الجماعية.

ومن اللافت أن القرآن لم يقل: «واركعوا» فحسب، وإنما قال: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾؛ مما يلفت النظر إلى قيمة الاجتماع والائتلاف على العبادة، وإلى أن المؤمن لا يعيش إيمانه في عزلة عن الجماعة المؤمنة. وفي هذا السياق يتكامل الأمران: إقامة الصلاة التي تصل العبد بربه، والركوع مع الراكعين الذي يظهر جانب الاجتماع على العبادة، وإيتاء الزكاة الذي يتجلى أثره في علاقة الإنسان بالمجتمع وحقوق أفراده.

وهكذا تجمع الآية بين عبادات تتصل بالله تعالى اتصالًا مباشرًا، وعبادة مالية يظهر أثرها في حياة الناس، وبين البعد الفردي والبعد الجماعي للعبادة؛ لتبين أن الاستجابة لأمر الله ليست مجرد اعتقاد داخلي، وإنما هي إيمان يظهر في العبادة، وينعكس أثره على الفرد والجماعة والمجتمع.

﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: 44] 

أتأمرون الناس بالبر، أي بالخير والاستقامة وما يقتضيه الحق، ثم تنسون أنفسكم فلا تعملون بما تأمرون به غيركم، مع أنكم تتلون الكتاب وتقرؤون آياته التي يفسر بعضها بعضًا، وتكشف في ترابطها عن منهج متكامل في الإيمان والعمل والسلوك؟ أفلا تستعملون عقولكم فتدركون التناقض بين ما تدعون الناس إليه وما تتركونه من أنفسكم؟

والتعبير بـ ﴿تَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾ جدير بالتأمل؛ إذ إن أصل التلاوة من الجذر (ت ل و)، وهو يدل على التتابع والاقتفاء، ومنه تتابع الشيء بعضه إثر بعض. ولذلك فالتلاوة في أصل دلالتها أعمق من مجرد النطق بألفاظ الكتاب متتابعة؛ فهي تقتضي متابعة ما فيه، وربط بعضه ببعض، وقراءة الآيات في سياقها الذي يكشف عن دلالاتها ومعانيها. فالذي يتلو الكتاب حق التلاوة لا يكتفي بقراءة ألفاظه، بل يتدبر ترابط آياته، ويجمع ما جاء فيه من توجيهات وأحكام، ثم ينظر في كيفية تنزيلها على سلوكه وحياته.

ومن هنا يظهر وجه التوبيخ في الآية: فالمشكلة ليست في مجرد معرفة البر أو الدعوة إليه، وإنما في انفصال القول عن العمل، والعلم عن السلوك. إن معرفة الإنسان للحق ثم مطالبته غيره باتباعه لا تعفيه من مسؤوليته تجاه نفسه، بل تجعل الحجة عليه أبلغ؛ لأنه يتلو الكتاب الذي يبين له طريق الاستقامة، ثم لا يسلكه.

ولهذا جاء ختام الآية بالاستفهام الإنكاري: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾. فالعقل هنا ليس مجرد امتلاك القدرة على الفهم، وإنما استعمال هذه القدرة في إدراك لوازم ما يُقرأ ويُعلم، وربط المقدمات بنتائجها، ومراجعة السلوك في ضوء الحق الذي عرفه الإنسان. وكأن الآية تقول: إذا كنتم تعرفون البر، وتأمرون الناس به، وتتْلون الكتاب الذي يهدي إليه، فكيف لا تدركون أن أولى الناس بالعمل بما تأمرون به أنتم؟

والآية، وإن وردت في سياق خطاب بني إسرائيل، تتضمن قاعدة تربوية عامة لا تختص بأمة دون أخرى؛ إذ إن قيمة العلم بالحق لا تكتمل بمجرد نقله إلى الآخرين، وإنما يظهر صدقه وأثره حين يتحول إلى عمل وسلوك. ولذلك فإن القرآن لا يذم الدعوة إلى البر، وإنما يذم أن تصبح الدعوة مجرد قول منفصل عن التزام صاحبها، وأن يتحول العلم بالكتاب إلى حجة تُلقى على الآخرين بدل أن يكون هداية يبدأ بها الإنسان بنفسه.

﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ ﴾ [البقرة: 45] 

بعد أن دعا الله تعالى بني إسرائيل إلى إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والركوع مع الراكعين، وجّههم إلى الوسائل التي تعينهم على الثبات في طريق الطاعة، فقال: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾. فالاستقامة على أمر الله لا تقوم على مجرد الرغبة في فعل الخير، وإنما تحتاج إلى قوة داخلية تحفظ الإنسان من التراجع أمام الصعوبات، وإلى صلة دائمة بالله يستمد منها العون والثبات.

والصبر في هذا السياق هو ضبط النفس وحملها على الثبات في الطريق الذي اختاره الإنسان عن بصيرة، وعدم السماح للعوائق والمشاق بأن تصرفه عنه. فالصابر لا يعني أنه لا يشعر بالمشقة أو لا يواجه العوائق، وإنما يعني أنه لا يجعل تلك المشقة سببًا للتراجع عن الحق أو التفريط فيما ألزمه الله به. ومن ثم يمكن التعبير عن الصبر هنا بأنه الثبات على الموقف الحق، والمحافظة على الواجبات، وعدم تغيير المسار بسبب ما يعترض الإنسان من صعوبات.

والاستعانة بالصبر تعني، بهذا الاعتبار، أن يجعل الإنسان من الثبات وسيلة لمواجهة ما يعترض طريقه من ابتلاءات وتكاليف؛ فلا يستسلم للضعف أو اليأس، ولا يتخلى عن واجباته عندما تشتد عليه الظروف. وقد بيّن الله تعالى أن المؤمنين يُبتلون بشيء من الخوف والجوع ونقص الأموال والأنفس والثمرات، ثم قال: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ. الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ. أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: 155-157].

ثم قرن الله تعالى الصبر بالصلاة، فقال: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾؛ لأن الصبر يمثل جانب الثبات والتحمل، بينما تمثل الصلاة دوام الصلة بالله والرجوع إليه وطلب العون منه. ومن هنا لا تكون الاستعانة بالله مجرد أمنية أو انتظار سلبي، وإنما تتحقق من خلال الثبات على الحق، والمحافظة على ما أوجب الله، وفي مقدمة ذلك الصلاة التي تتكرر في حياة المؤمن وتعيد توجيه قلبه وسلوكه إلى الله.

والقرآن نفسه يقرر هذا التوجيه بصورة عامة لجميع المؤمنين، لا لبني إسرائيل وحدهم، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: 153]. ولذلك فإن الأمر الوارد في سياق خطاب بني إسرائيل يتضمن مبدأً إيمانيًا يتجاوز ذلك السياق، وهو أن مواجهة تكاليف الحياة والابتلاءات والاستمرار في طاعة الله تحتاج إلى الصبر والصلاة والاستمداد من الله تعالى.

ثم يقول سبحانه: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾. والضمير في ﴿وَإِنَّهَا﴾ يعود إلى الصلاة، وقيل يعود إلى الاستعانة بالصبر والصلاة باعتبارهما أمرًا واحدًا في السياق، إلا أن عود الضمير إلى الصلاة هو الأظهر لاتصالها الأقرب باللفظ. ومعنى كونها ﴿لَكَبِيرَةً﴾ أنها شاقة وثقيلة على النفس التي لا تستشعر معناها ولا تستحضر الوقوف بين يدي الله، بينما تخف مؤونتها على الخاشعين؛ لأن الخشوع يجعل العبادة نابعة من إدراك عظمة الله والافتقار إليه.

ولهذا استثنى الله تعالى الخاشعين فقال: ﴿إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ . الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: 46]. فالخشوع هو الذي يحول الصلاة من حركات قد تثقل على النفس إلى عبادة يجد فيها المؤمن معنى القرب من الله والرجوع إليه. ومن يستحضر أنه سيلاقي ربه ويعود إليه، يكون أقدر على الصبر والثبات، وأشد استعدادًا للمحافظة على ما أوجب الله عليه.

وهكذا تتكامل الآيتان: الصبر يعين الإنسان على الثبات أمام المشقة، والصلاة تجدد صلته بالله وتعينه على الاستمداد منه، والخشوع يجعل هذه العبادة يسيرة على النفس؛ لأن الخاشع يستحضر عظمة من يقف بين يديه ومآله إلى ربه. ولذلك كان هذا التوجيه صالحًا لبني إسرائيل في سياق خطابهم، وهو في الوقت نفسه قاعدة عامة للمؤمنين جميعًا.

﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: 46].

ترتبط هذه الآية ارتباطًا وثيقًا بما قبلها؛ إذ جاءت لبيان حقيقة الخاشعين الذين استثناهم الله تعالى من ثقل الصلاة والاستعانة بالصبر، فقال: ﴿إِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ . الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: 45-46]. فالخشوع هنا ليس مجرد هيئة ظاهرة أو انكسار نفسي عابر، وإنما هو حالة إيمانية تنشأ عن استحضار حقيقة لقاء الله والرجوع إليه.

وقوله تعالى: ﴿يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾ لا يلزم أن يكون المراد به الظن الذي يقابله الشك واليقين، وإنما يمكن أن يكون بمعنى الاعتقاد الراسخ والعلم الذي يبعث على العمل. وقد استعمل القرآن لفظ الظن في مواضع تفيد الاعتقاد القوي الذي يستقر في النفس، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ﴾ [البقرة: 249]، وقوله: ﴿وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ﴾ [القيامة: 28] بحسب السياق. والمقصود هنا أن الخاشعين يستحضرون في وعيهم أن لقاء الله حقيقة آتية، وأن الإنسان لا تنتهي حياته بانتهاء الدنيا.

ثم يصفهم الله بقوله: ﴿وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾؛ فالإنسان، مهما طال مقامه في الدنيا، مآله إلى الله، قال تعالى: ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ [البقرة: 210]. واستحضار هذه الحقيقة يجعل للعبادة أثرًا مختلفًا في النفس؛ إذ يدرك الإنسان أن أعماله ليست منفصلة عن مصيره، وأنه سيقف بين يدي الله، فيكون أحرص على الوفاء بما أُمر به، وأقدر على احتمال المشقة والثبات أمام العوائق.

ومن هنا يتضح وجه اتصال هذه الآية بقوله تعالى قبلها: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ . وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة: 45]. فالصلاة قد تكون ثقيلة على من ينظر إليها باعتبارها مجرد تكليف يؤديه الإنسان، لكنها تصبح أيسر على من يستحضر أنه سيلاقي ربه وأنه راجع إليه. وكلما ازداد حضور هذه الحقيقة في القلب، ازداد استعداد الإنسان للصبر والثبات والمحافظة على ما أوجب الله عليه.

وفي هذا السياق ينبغي التنبه إلى أن خطاب بني إسرائيل لا يعني أن جميع أهل الكتاب سواء في الاعتقاد والعمل؛ فالقرآن نفسه يقرر وجود فئة منهم مستقيمة، تعرف الحق وتؤمن بالله واليوم الآخر وتعمل الصالحات، قال تعالى: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ . يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران: 113-115]. وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: 199].

وهذا يبين أن القرآن لا يصدر حكمًا واحدًا على جميع المنتسبين إلى أهل الكتاب، وإنما يميز بينهم بحسب إيمانهم وأعمالهم ومواقفهم من الحق. ومن ثم فإن وصف الخاشعين في الآية وصف لحالة إيمانية يتحقق بها من يستحضر لقاء الله والرجوع إليه، وليس وصفًا لمجرد الانتساب إلى جماعة أو أمة.

وعلى هذا، فإن قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ يبين أن أساس الخشوع هو حضور الآخرة في وعي الإنسان؛ فمن أيقن أن حياته ماضية إلى لقاء الله، وأنه راجع إليه، لم ينظر إلى الصلاة وسائر الطاعات باعتبارها أعباءً منفصلة عن غايته، بل يراها جزءًا من الطريق الذي يسلكه إلى ربه. ولذلك كان الخشوع باعثًا على الصبر، والصلاة وسيلة للاستعانة، واستحضار لقاء الله مصدرًا للثبات والاستقامة.

﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: 47] 

يعود الآية مرة أخرى إلى تذكير بني إسرائيل بنعم الله عليهم، فتقول: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾. وهذا التذكير يأتي في سياق بيان ما أنعم الله به عليهم من نعم متتابعة، وما ترتب على تلك النعم من مسؤولية في الإيمان والوفاء بعهد الله والاستجابة لهديه.

ومن أبرز مظاهر هذا التفضيل أن الله تعالى جعل في بني إسرائيل عددًا كبيرًا من الأنبياء، وأنزل عليهم الكتب، وأقام فيهم سلسلة متتابعة من الهداية الإلهية، كما قال تعالى على لسان موسى عليه السلام: ﴿يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة: 20]. فكان وجود الأنبياء والكتب والهداية فيهم نعمة عظيمة، ووجهًا من وجوه التفضيل الذي اختصوا به في المرحلة التاريخية التي عاشوها.

وعلى هذا يُفهم قوله تعالى: ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ في ضوء السياق والمواضع القرآنية الأخرى، أي تفضيلهم على أهل عالمهم وزمانهم، لا باعتباره امتيازًا عرقيًا مطلقًا ثابتًا لجميع أفراد بني إسرائيل في كل زمان، ولا حكمًا بأن كل فرد منهم أفضل من جميع البشر لمجرد انتسابه إلى بني إسرائيل. فالتفضيل المذكور متعلق بما أنعم الله به عليهم في تلك المرحلة من تاريخ البشرية من النبوة والكتاب والهداية والتمكين.

ويؤيد ذلك أن القرآن لا يجعل النسب وحده معيارًا للفضل عند الله، بل يجعل الإيمان والتقوى والعمل الصالح أساس الكرامة. قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13]. كما أن القرآن نفسه لم يجعل بني إسرائيل أمة واحدة في الحكم عليها، بل قال: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً﴾ [آل عمران: 113]، ثم ذكر من أهل الكتاب من هم قائمون بالحق والصلاح. وهذا يدل على أن الانتساب إلى أمة أو سلالة لا يمنح صاحبه فضلاً دائمًا بمعزل عن موقفه من الله وشرعه وعمله.

ومن هنا فإن التفضيل الذي امتنّ الله به على بني إسرائيل لم يكن امتيازًا عرقيًا يرفعهم فوق غيرهم لمجرد النسب، وإنما كان نعمة إلهية اقترنت بالتكليف والمسؤولية. فكلما عظمت النعمة عظمت المسؤولية عن شكرها والقيام بحقها، ولذلك تكرر في سياق خطابهم الأمر بتذكر نعم الله والوفاء بعهده وعدم كتمان الحق واتباع الهدى.

وقد تكرر هذا التذكير في سورة البقرة نفسها، فقال تعالى في الآية الأربعين: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾، ثم عاد فقال في الآية الثانية والعشرين بعد المائة: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾. وتكرار هذا الخطاب ليس لمجرد تعداد النعم، وإنما لتذكيرهم بأن النعمة الإلهية تستوجب الاعتراف بالمنعم، وشكره، والوفاء بما عاهدوا الله عليه، وعدم تحويل ما أوتوه من فضل إلى سبب للغرور أو الاستعلاء على الناس.

وهكذا يتبين أن قوله تعالى ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ ينبغي أن يُقرأ ضمن سياقه التاريخي والقرآني: فقد أنعم الله على بني إسرائيل في مرحلة من تاريخهم بنعم عظيمة، وفي مقدمتها كثرة الأنبياء والكتب والهداية، فكانوا بذلك أهل فضل ونعمة بالنسبة إلى أهل زمانهم. غير أن هذه النعمة لم تكن صكَّ تفوق دائم، ولم تجعل النسب بديلًا عن الإيمان والعمل؛ فالفضل الذي يُعتد به عند الله مرتبط بالاستجابة له وتقواه، والنعمة كلما عظمت كانت أوجب للشكر وأدعى إلى تحمل المسؤولية.

﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ [البقرة: 48] 

تتضمن هذه الآية أصلًا عظيمًا في بيان المسؤولية الفردية للإنسان يوم القيامة؛ فذلك اليوم لا يستطيع فيه أحد أن يتحمل عن غيره تبعة عمله، ولا أن يدفع عنه ما استحقه من حساب أو جزاء، ولا أن يفتديه بمال أو عوض، ولا أن ينصره أحد نصرًا يخرجه من مقتضى العدل الإلهي. ومن هنا يأتي الأمر بالتقوى قبل ذكر ذلك اليوم، لأن الإنسان لا يملك يومئذٍ إلا ما قدّم من عمل، كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا ‌يَجْزِي ‌وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا﴾ [لقمان: 33]  وقوله تعالى: ﴿لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ يدل على أن كل إنسان مسؤول عن عمله، فلا يحمل شخصٌ عن آخر وزرَه، ولا يستطيع أن يدفع عنه تبعة ما اقترفه. وهذا المعنى تؤكده آيات كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (الأنعام 164)، وقوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ (المدثر 38). ولا يتعارض ذلك مع انتفاع الإنسان بأعمال غيره في بعض الصور التي جعل الله لها أثرًا، وإنما المقصود أن أحدًا لا يتحمل مسؤولية ذنب غيره بدلًا منه، ولا يُعفى المذنب من تبعة عمله بمجرد انتسابِه إلى غيره.

أما الشفاعة، فهي في أصل اللغة مأخوذة من الشَّفْع، وهو ضمُّ الشيء إلى مثله، ومنه أن ينضم شخص إلى آخر في طلب أمر أو معاونته فيه. ولذلك استعمل القرآن لفظ الشفاعة في الخير والشر معًا، فقال تعالى: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا﴾ (النساء 85). فالشفاعة في أصلها ليست مقصورة على الآخرة، بل قد تقع في الدنيا بمعنى التوسط في أمرٍ ما، سواء أكان خيرًا أم شرًّا.

وأما في الآخرة، فلا يملك أحدٌ شفاعةً مستقلةً عن الله، ولا يستطيع أن يفرض على الله حكمًا أو يغيّر مقتضى عدله بسلطانه أو مكانته. ولذلك جاء نفي الشفاعة في القرآن في مواضع متعددة عندما يُراد بها الشفاعة التي يتوهم أصحابها أنها تعمل بذاتها أو تستقل عن إرادة الله، كما قال تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ (الأنعام 51)، وقال: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ (البقرة 255).

وعليه، فليس معنى الآية أن كل صورة من صور الشفاعة منفية على الإطلاق، وإنما تنفي أن تكون الشفاعة وسيلةً مستقلةً لإنقاذ الإنسان من الحساب والجزاء، أو أن يمتلك أحدٌ سلطةً على الله فيقبل شفاعته شاء أم أبى. فالقرآن يقرر أن الأمر كله لله، وأن أي شفاعة تقع يوم القيامة لا تكون إلا ضمن ما أذن الله به، قال تعالى: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ (سبأ 23)، وقال: ﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ (طه 109).

ومن ثم تجمع الآية بين نفي تحمل المسؤولية عن الغير، ونفي الفداء الذي يشتري به الإنسان خلاصه، ونفي النصر الذي يخرجه من مقتضى الحساب، وبيان أن الشفاعة نفسها ليست سلطةً مستقلةً بيد أحد. والغاية من ذلك كله ترسيخ حقيقة المسؤولية الفردية: فلا ينفع الإنسان يوم القيامة نسبٌ ولا مكانةٌ ولا مالٌ ولا اتكالٌ على غير الله، وإنما ينفعه ما قدّم من إيمان وعمل صالح وتقوى، قال تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى . وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى﴾ (النجم 39-40).

لا يستطيع الإنسان يوم القيامة أن يفتدي نفسه بمال أو عِوَضٍ مادي يدفعه ليتخلص به من الجزاء؛ فالمال الذي كان في الدنيا وسيلةً لقضاء الحاجات ودفع بعض الأضرار لا يملك صاحبه أن يحوّله يوم القيامة إلى فداءٍ يشتري به نجاته. وقد بيّن القرآن استحالة ذلك بأوضح صورة، فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ (آل عمران 91).

وقال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (المائدة 36). فحتى لو امتلك الإنسان يومئذٍ ما في الأرض جميعًا ومثله معه، فلن يكون ذلك وسيلةً لشراء الخلاص من الجزاء. وهذا يؤكد أن الحساب الأخروي لا يخضع لموازين الثروة والمقدرة المادية التي يعرفها الإنسان في الدنيا.

وكذلك لا يجد الإنسان يوم القيامة من يملك إنقاذه إذا استحق الجزاء، أو يستطيع أن يدفع عنه حكم الله؛ إذ تنقطع الأسباب التي كان الإنسان يعتمد عليها في الدنيا، ويظهر لكل امرئٍ ما قدّم من عمل. ولذلك قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ (البقرة 48)، وقال: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ . وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ . وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ . لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ (عبس 34-37). وقال سبحانه: ﴿وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا . يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ (المعارج 10-11).

ويبلغ هذا المعنى تمامه في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ (الانفطار 19). فليس المقصود أن تنعدم كل صلة أو معرفة بين الناس، وإنما أن أحدًا لا يملك في ذلك اليوم سلطةً مستقلةً يستطيع بها أن ينقذ غيره من الجزاء أو يتصرف في مصيره بغير ما أذن الله به.

وهكذا تتضافر عناصر الآية لتقرير حقيقة واحدة: المسؤولية أمام الله مسؤولية فردية؛ فلا ينفع الإنسان يوم القيامة أن يعتمد على نسبه أو مكانته أو ماله أو نفوذ غيره، ولا أن يتكل على شخص يظن أنه قادر على إنقاذه استقلالًا. وإنما تكون النجاة بما قدّمه الإنسان من إيمان وعمل صالح وتقوى، فضلًا عن رحمة الله وعدله. قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ . وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (الزلزلة 7-8).

﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ [البقرة: 49] 

تواصل هذه الآية تذكير بني إسرائيل بنعم الله عليهم، فتستحضر نعمةً عظيمةً تمثلت في إنقاذهم من الاستضعاف والاضطهاد الذي كانوا يتعرضون له في ظل حكم فرعون. فبعد أن ذكّرهم الله بنعمه السابقة، يلفت أنظارهم إلى مرحلة شديدة القسوة من تاريخهم، حين كانوا واقعين تحت سلطان قومٍ أذاقوهم ألوانًا من العذاب والإذلال، ثم أنجاهم الله من ذلك كله.

وقوله تعالى: ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ يدل على أنهم كانوا يُخضعونهم لعذاب شديد مستمر، ويعاملونهم معاملةً تقوم على الإذلال والاستضعاف. وقد بيّن القرآن صورةً من صور ذلك الاضطهاد بقوله: ﴿يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾؛ أي كانوا يقتلون أبناء بني إسرائيل، ويُبقون النساء على قيد الحياة. وقد ورد هذا الوصف في مواضع أخرى من القرآن، مع بيان أن المقصود منه كان إضعاف جماعتهم واستمرار استعبادهم وإخضاعهم.

ويشرح القرآن خلفية هذا الاضطهاد بصورة أوضح في قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ (القصص 4). فالآية لا تعرض الأمر باعتباره مجرد ظلم فردي، وإنما تصفه بأنه سياسة استضعاف وإفساد مارسها فرعون في الأرض.

أما قوله تعالى: ﴿وَفِي ذَٰلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾، فالبلاء هنا هو المحنة والاختبار الشديد الذي مرّ به بنو إسرائيل؛ فقد عاشوا في ظروف قاسية تعرضوا فيها للقتل والإذلال والاستضعاف. وقد يكون البلاء اختبارًا بالنعم كما يكون اختبارًا بالمحن، وإنما يتحدد أثره بما يكون من موقف الإنسان منه. وفي هذه الحالة كان البلاء محنةً شديدةً امتحن الله بها صبرهم وثباتهم، ثم أعقبها بالنجاة والفرج.

وقد ذكّرهم القرآن بهذه الحادثة في مواضع متعددة، من ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَٰلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ (الأعراف 141)، كما وردت تفاصيل الاضطهاد والنجاة في سورتي إبراهيم (6)، والقصص (4)، وغافر (25).

ومن ثمّ فإن استحضار هذه النعمة في سياق خطاب بني إسرائيل ليس مجرد تذكير بحدث تاريخي، بل هو تذكير لهم بأن الله هو الذي أخرجهم من حالة الاستضعاف إلى النجاة، ومن الخوف إلى الأمان، وأن هذه النعمة تستوجب شكره وطاعته والوفاء بعهده، لا الإعراض عن هدايته بعد معرفتها.

﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ﴾ [البقرة: 50] 

تأتي هذه الآية في سياق متصل بتذكير بني إسرائيل بسلسلة النعم التي أنعم الله بها عليهم، ودعوتهم إلى الوفاء بعهده والإيمان بما أنزله مصدقًا لما معهم. فبعد أن ذكّرهم بنعمه عليهم، وبما أولاهم من الهداية والكتب والرسل، ثم أنقذهم من الاستضعاف والاضطهاد الذي كانوا يتعرضون له في ظل فرعون، يذكّرهم الآن بنعمة أخرى عظيمة، هي إنجاؤهم من فرعون وإهلاك عدوهم أمام أعينهم.

وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ﴾ يذكّرهم بالحدث الذي جعل البحر طريقًا لنجاتهم، بعد أن كانوا مطاردين من فرعون وجنوده. ففرق الله بهم البحر، أي فتح لهم فيه طريقًا، فصار ما كان في الأصل مانعًا من العبور سببًا للنجاة. وقد جاء بيان ذلك بصورة أوضح في قوله تعالى لموسى: ﴿أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ . فَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ . وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ . وَأَنْجَيْنَا مُوسَىٰ وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ . ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ﴾ (الشعراء 52-66).

ثم يقول سبحانه: ﴿فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ﴾، فيقابل بين مصير الفريقين: نجاة المستضعفين وإهلاك من مارس عليهم الاستبداد والاضطهاد. وقد وصف القرآن فرعون وأتباعه بأنهم من المفسدين، فقال: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ﴾ (القصص 4). وفي موضع آخر قال تعالى: ﴿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾ (الأعراف 136).

أما قوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾، فيزيد المشهد قوةً وتأثيرًا؛ إذ يذكّرهم بأنهم لم يسمعوا خبر هلاك فرعون فحسب، بل شهدوا بأعينهم ما وقع لعدوهم بعد أن نجّاهم الله منه. ولذلك كان هذا الحدث من الآيات العظيمة التي أظهر الله بها قدرته ونصره للمستضعفين، وأهلك بها من طغى واستكبر.

وهذه الوقائع المتتابعة في سياق السورة ليست مجرد استعراض لأحداث تاريخية، وإنما هي تذكير بالمنن الإلهية التي تقتضي الشكر والوفاء بالعهد والاستجابة للهداية. فقد أنعم الله عليهم بالرسل والكتب، ورفع عنهم الاستضعاف، وأنجاهم من فرعون، وأهلك عدوهم، وأراهم من آيات قدرته ما يحمل على الاعتبار. ومن ثمّ يأتي هذا التذكير في سياق دعوة بني إسرائيل إلى ألا يقابلوا تلك النعم بنقض العهد أو كتمان الحق أو الإعراض عن الكتاب الذي جاء مصدقًا لما معهم.

وقد تكرر ذكر نجاة بني إسرائيل وإغراق فرعون وجنوده في مواضع متعددة من القرآن، منها: الأعراف (136)، والأنفال (54)، ويونس (90-92)، والإسراء (103)، وطه (77-79)، والشعراء (63-66)، والزخرف (55)، والذاريات (40). ويؤكد تكرار القصة أن المقصود ليس مجرد سرد الواقعة، بل استخلاص العبرة من سنن الله في عاقبة الظلم والطغيان، ومن نصره لمن آمن به واتبع هداه.

﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ﴾ [البقرة: 51] 

تواصل هذه الآية السياق السابق الذي يذكّر بني إسرائيل بنعم الله عليهم ومواقفه العظيمة من إنقاذهم وهدايتهم؛ فبعد أن ذكّرهم الله بإخراجهم من استضعاف فرعون، ونجاتهم من البحر، وهلاك عدوهم أمام أعينهم، ينتقل إلى موقف آخر يكشف ما صدر منهم بعد تلك النعم، حين اتخذوا العجل معبودًا في فترة غياب موسى عليه السلام. ويظهر من هذا الانتقال التباين بين تتابع النعم والآيات الإلهية من جهة، وبين ما قابلها به بعض بني إسرائيل من إخلال بالعهد والوقوع في الشرك من جهة أخرى.

قوله تعالى: ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَىٰ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ يشير إلى الميقات الذي حدده الله لموسى عليه السلام، والذي كان أربعين ليلة. وقد جاء تفصيل ذلك في قوله تعالى: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَىٰ ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ (الأعراف 142). وكان هذا الميقات مرحلةً من مراحل تلقي موسى ما آتاه الله من الكتاب والهدى والأحكام، كما قال تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ (الأعراف 145).

ثم يقول تعالى: ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ﴾. ولفظ ﴿ثُمَّ﴾ في الآية يفيد الانتقال من حدث إلى حدث في سياق القصة، مع إفادة الترتيب والتراخي بحسب المقام، ولا يصح حمله هنا على معنى «فما إن» الذي ينفي التراخي؛ فالآية نفسها تصف اتخاذ العجل بأنه وقع ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾، أي بعد ذهاب موسى إلى ميقاته. وتفصل سورة الأعراف أن الميقات كان ثلاثين ليلة ثم أتمّه الله بعشر، وفي أثناء غيابه وقع ما وقع من قومه.

ويبيّن القرآن في سورة طه تفاصيل الحادثة، فيذكر أن القوم اتخذوا من حليهم عجلًا جسدًا له خوار، وأن السامري دعاهم إلى عبادته، فقالوا: ﴿هَٰذَا إِلَٰهُكُمْ وَإِلَٰهُ مُوسَىٰ فَنَسِيَ﴾ (طه 88). ثم واجههم موسى عليه السلام عند عودته، وذكّرهم بانحرافهم عن التوحيد، ودعاهم إلى التوبة.

أما العجل الذي اتخذوه، فالقرآن يثبت أنه صُنع من حليّهم، فقال تعالى ﴿كذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ . فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ﴾   (طه 87-88). ومن هنا يمكن فهم ارتباط الحادثة بالموروث الديني والبيئة التي عاش فيها بنو إسرائيل في مصر، حيث كانت عبادة العجول والأبقار معروفة في الحضارة المصرية القديمة. وقد يكون هناك علاقة بين عجل بني إسرائيل وبعض الرموز الدينية المصرية، ومن بينها أبيس، غير أن القرآن لا يسمّي هذا العجل «أبيس»، ولذلك لا ينبغي الجزم بأن العجل المذكور في القصة كان تمثال أبيس بعينه.

والأهم في السياق القرآني ليس تحديد الاسم التاريخي لذلك العجل، وإنما بيان أن بني إسرائيل، بعد ما شاهدوه من الآيات الكبرى ونجّاهم الله من فرعون، عاد بعضهم إلى اتخاذ صنمٍ مصنوعٍ بأيديهم معبودًا من دون الله. وهذا هو وجه التوبيخ الذي تقصده الآية.

والفعل ﴿اتَّخَذَ﴾ في قوله تعالى ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ﴾ من الأفعال التي قد يتعدى معناها إلى مفعولين، كما في قوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ (النساء 125)، وقوله: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ﴾ (الجاثية 23). وفي قصة العجل يصرح القرآن في موضع آخر بالمقصود، فيقول: ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ (البقرة 55)، ويقول عن العجل: ﴿فَقَالُوا هَٰذَا إِلَٰهُكُمْ وَإِلَٰهُ مُوسَىٰ﴾ (طه 88)، مما يبين أن الأمر لم يكن مجرد صناعة تمثال أو اقتنائه، وإنما تجاوز ذلك إلى اتخاذه إلهًا ومعبودًا.

وهذا التفريق مهم؛ فصناعة العجل من الحلي تمثل جانبًا من الفعل، أما اتخاذه إلهًا فيمثل الانحراف العقدي الذي بلغوه. وقد صوّر القرآن موقفهم بوضوح حين قال: ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَىٰ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ﴾ (الأعراف 148).

ولهذا ختمت الآية بقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ﴾؛ لأن اتخاذ العجل إلهًا كان ظلمًا عظيمًا، إذ وضعوا العبادة في غير موضعها، وعدلوا عن توحيد الله بعد ما شهدوا بأعينهم من آياته ونصره ما كان ينبغي أن يزيدهم يقينًا وثباتًا.

وهكذا يأتي ذكر هذه الحادثة في سياق السورة ليكشف أن النعمة وحدها لا تكفي لإصلاح الإنسان ما لم يقابلها بالشكر والوفاء والطاعة. فقد أنجاهم الله من فرعون، وفلق لهم البحر، وأغرق عدوهم، ثم واعد موسى ليتلقى الكتاب؛ ومع ذلك وقع بعضهم في عبادة العجل أثناء غيابه. ولذلك كان تذكيرهم بهذه الوقائع مقدمةً لتذكيرهم المتكرر بالعهد وبضرورة الاستجابة لهدى الله.

﴿ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ [البقرة: 52] 

تأتي هذه الآية مباشرةً بعد ذكر اتخاذ بني إسرائيل العجل، فتبيّن جانبًا آخر من النعمة الإلهية عليهم؛ فمع عظم ما وقعوا فيه من انحراف، لم يغلق الله في وجوههم باب الرحمة، بل عفا عنهم من بعد ذلك، وأتاح لهم فرصة الرجوع إلى الحق وإصلاح ما أفسدوا. ومن ثمّ لا يقتصر سياق الآية على تذكيرهم بما وقع من الخطأ، وإنما يذكّرهم كذلك بنعمة العفو بعد الذنب.

وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَٰلِكَ﴾ يدل على أن العفو جاء بعد وقوعهم في هذه المخالفة، وهو من تمام النعم التي ساقها الله في هذا السياق. وقد فصّل القرآن في مواضع أخرى جانبًا من قصة العجل وما ترتب عليها، فقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَىٰ بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (البقرة 54). كما يرد ذكر الحادثة في الأعراف (148-153) وطه (83-98).

ولا ينبغي فهم الشكر المذكور في قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ على أنه مجرد التلفظ بالحمد أو الاعتراف اللفظي بالنعمة، بل الشكر في مفهومه القرآني أوسع من ذلك؛ فهو إدراك النعمة ومعرفة فضل المنعِم، ثم استعمالها في الوجه الذي يرضيه، والقيام بما يترتب عليها من طاعة وامتثال. ولذلك يرتبط الشكر في القرآن بالعمل، قال تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ (سبأ 13).

وعليه، فإن شكر بني إسرائيل لله على عفوه عنهم يقتضي ألا يجعلوا العفو ذريعةً للعودة إلى الخطأ، وإنما أن يظهر أثر هذه النعمة في سلوكهم؛ بالاستقامة على التوحيد، والوفاء بالعهد، والاستجابة لما أنزل الله إليهم من هدى وأحكام.

ويكشف ترتيب الآيات عن ترابط واضح بين النعمة والمسؤولية؛ فقد ذكّرهم الله بنعمه عليهم، ثم ذكّرهم بعهده، ثم عرض نماذج من مواقفهم التي خالفوا فيها مقتضى ذلك العهد، ومنها اتخاذ العجل، ثم أعقب ذلك بذكر عفوه عنهم. فكأن السياق يعلّمهم أن الخطأ لا يعني إغلاق باب التوبة، وأن العفو الإلهي ليس مجرد إسقاط للعقوبة، بل نعمة تفتح للإنسان طريق الإصلاح والرجوع.

ومن هنا جاء قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾؛ أي ليكون العفو سببًا يحملكم على معرفة قدر هذه النعمة والاستجابة لله بالطاعة. فكما أن النعمة الأولى، وهي النجاة من فرعون، تستوجب الشكر، فإن نعمة العفو بعد الوقوع في الذنب تستوجب شكرًا من نوع آخر، يتمثل في التوبة والاستقامة والوفاء بالعهد.

وهكذا يستمر السياق القرآني في بناء معنى متكامل: تتوالى نعم الله، ويقابلها الإنسان بالمسؤولية؛ وإذا زلّ ثم رجع، وجد باب التوبة والعفو مفتوحًا، فإذا نال العفو كان الواجب عليه أن يجعل منه دافعًا إلى الاستقامة، لا سببًا للغفلة والعودة إلى المخالفة.

﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: 53] 

ثم آتينا موسى ذلك الكتاب، وجعلناه فرقانًا يميز الحق من الباطل، ويفصل بين الهدى والضلال، لكي تهتدوا به إلى الطريق المستقيم، وتصححوا مساركم بالرجوع إلى ما أنزل الله من الهدى والبيان.

وتأتي هذه الآية في السياق نفسه بصورة متسلسلة؛ فبعد أن ذكّر الله بني إسرائيل بنجاتهم من فرعون، ثم بموعد موسى عليه السلام، وما وقع منهم بعده من اتخاذ العجل، أعقب ذلك بذكر عفوه عنهم، ثم ذكّرهم بأنه آتى موسى الكتاب والفرقان ليكون لهم مصدر هداية، ومرجعًا يصححون به ما انحرفوا عنه. وهكذا لا تأتي النعمة في القرآن مجرد تذكير بالماضي، وإنما ترتبط دائمًا بمسؤولية الإنسان عن موقفه منها.

والفرقان هو ما يَفصل ويميز بين الأشياء، ومنه تمييز الحق من الباطل، والهدى من الضلال، بحيث يتبين للإنسان ما ينبغي اتباعه وما ينبغي اجتنابه. وقد وصف القرآن الوحي بهذا المعنى في مواضع متعددة، فقال تعالى: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ . مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ﴾ (آل عمران 3-4)، وقال في شأن موسى وهارون: ﴿وَآتَيْنَا مُوسَىٰ وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ﴾ (الأنبياء 48).

وعليه، فإن اقتران «الكتاب» بـ «الفرقان» يبرز جانبًا من وظيفة الوحي؛ فالكتاب هو ما أنزله الله من هدى وبيان، والفرقان هو ما يتضمنه هذا الوحي من قدرة على إظهار الفارق بين الحق والباطل، وبيان الطريق الذي ينبغي للإنسان أن يسلكه. ولا يلزم من ذلك أن يكون «الفرقان» كتابًا آخر مستقلًا عن الكتاب، بل يمكن أن يكون وصفًا له من جهة وظيفته وأثره في التمييز والهداية، وهو ما ينسجم مع استعمال القرآن لكلمة الفرقان في وصف الوحي.

وهذه الخاصية ليست مقصورة على كتاب موسى؛ فالكتب الإلهية جميعها جاءت بالهدى والبيان وإقامة الحجة، ولذلك قال تعالى عن القرآن: ﴿هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ﴾ (البقرة 185). فالوحي لا يكتفي بإعطاء الإنسان معلومات، وإنما يضع أمامه معيارًا يستطيع به أن يميز الهدى من الضلال، والحق من الباطل.

وهذه الآية ترتبط بما قبلها ارتباطًا وثيقًا؛ فقد بدأت السلسلة بذكر النعم والنجاة من فرعون، ثم وقع الانحراف باتخاذ العجل، ثم جاء العفو الإلهي، ثم أعقب ذلك بإيتاء موسى الكتاب والفرقان. وهذا التسلسل يبين أن العفو ليس غاية في ذاته، وإنما يفتح للإنسان باب الإصلاح والرجوع إلى الهدى.

ومن هنا ختم الله الآية بقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾؛ أي إن إيتاء الكتاب والفرقان إنما كان ليكون سببًا في اهتدائكم وتصحيح طريقكم. فالنجاة من البلاء أعقبتها نعمة، والوقوع في الخطأ أعقبه العفو، ثم جاءت الهداية بالكتاب الذي يبين الحق ويفصل بينه وبين الباطل. وبذلك يظهر أن النعمة والعفو والهداية حلقات مترابطة في تربية الإنسان: يُنقذ من البلاء، ويُمهل بعد الخطأ، ثم يُزوَّد بالهدى ليصحح مساره ولا يعود إلى الانحراف.

وقد أشار القرآن إلى إيتاء موسى الكتاب في مواضع متعددة، منها: الأنعام 87، 154؛ هود 110؛ الإسراء 2؛ الأنبياء 48؛ المؤمنون 49؛ الفرقان 35؛ القصص 43؛ غافر 53؛ فصلت 45.

وبهذا يتضح أن قوله تعالى ﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ﴾ ليس مجرد تذكير بنعمة ماضية، بل تذكير بمصدر الهداية الذي كان ينبغي أن يحتكموا إليه بعد ما وقع منهم من انحراف؛ فالغاية من الكتاب أن يهدي، ومن الفرقان أن يميز، ومن الهداية أن تقود الإنسان إلى الاستقامة والعمل بمقتضى الحق.

أضف تعليقا

تصنيفات

Your Header Sidebar area is currently empty. Hurry up and add some widgets.