حبل الله
الفرق بين كلمتي “القلب” و“الفؤاد” في القرآن الكريم

الفرق بين كلمتي “القلب” و“الفؤاد” في القرآن الكريم

السؤال:

ما الفرق بين الفؤاد والقلب؟ فقد ذكر الله في سورة القصص الكلمتين في آية واحدة: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ ‌أُمِّ ‌مُوسَى فَارِغًا، إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [القصص: 10] 

ونجد آيات كثيرة عن الفؤاد يفسرونها أنها القلب، ولكن كان بالإمكان أن يقول الله: قلب أم موسى؟ فما قولكم في هذه المسألة؟.

الجواب:

ورد في القرآن الكريم لفظا القلب والفؤاد في مواضع متعددة، منها قوله تعالى في قصة أم موسى عليه السلام:

﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ ‌أُمِّ ‌مُوسَى فَارِغًا، إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [القصص: 10] 

وقد يُشكل على الناظر: ما وجه التفريق بين اللفظين مع أن كليهما يطلق في اللغة على محل الإدراك والشعور؟

أولًا: أصل المعنى اللغوي

ذكر أهل اللغة أن القلب من التقلب، وهو التغير والتحول، وسمي كذلك لكثرة تقلبه بين الاعتقادات والإرادات والخواطر، فهو محل الإيمان واليقين والشك.

أما الفؤاد فمن الفأد، وهو شدة الحرارة والاشتعال، ويطلق على القلب إذا اشتدت فيه الأحاسيس وبلغت الغاية في التأثر والانفعال. وعليه، فبين الكلمتين عموم وخصوص من وجه، مع تداخل في الأصل الدلالي.

ثانيًا: استعمال القرآن الكريم لكملة القلب

وردت كلمة “القلب” في القرآن في سياقات تتعلق غالبًا بالإيمان والكفر، والهداية والضلال، الطمأنينة والقسوة، والثبات والانحراف. قال تعالى:

﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28]

﴿‌وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ ﴾ [الأنفال: 11] 

﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى ‌الْقُلُوبِ ﴾ [الحج: 32] 

﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ﴾ [البقرة: 7]

﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى ‌الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ﴾ [الحج: 46] 

فدل ذلك على أن القلب في الاستعمال القرآني هو مركز اتخاذ القرار ومحل الثبات العقدي والإرادة الباطنة.

ثالثًا: استعمال القرآن لكلمة الفؤاد

وردت كلمة “الفؤاد” في القرآن غالبًا في سياقات الانفعال النفسي الشديد، والخوف والحزن، الإدراك الحسي العميق، والوجدان المتأثر بالمشهد. قال تعالى:

﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم: 11]

﴿مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴾ [إبراهيم: 43] 

﴿فَاجْعَلْ ‌أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾ [إبراهيم: 37] 

﴿نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ. الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى ‌الْأَفْئِدَةِ ﴾ [الهمزة: 6-7] 

فيستفاد من مجموع الاستعمال أن الفؤاد يُلاحظ فيه جانب الوجدان والانفعال والإدراك الحسي الباطني.

رابعًا: تطبيق ذلك على الآية في قصة أم موسى

قوله تعالى: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَىٰ فَارِغًا﴾ يفيد أن حالها كان حال اضطراب وجداني شديد وانشغال عاطفي كامل، حتى كأن مشاعرها لم تعد تستقر على شيء إلا ابنها. ثم قال سبحانه: ﴿لَوْلَا أَن رَّبَطْنَا عَلَىٰ قَلْبِهَا﴾، فأسند الربط إلى القلب، لا إلى الفؤاد، للدلالة على أن محل الثبات والإيمان وضبط الإرادة هو القلب، وأن الله تعالى ثبّتها من جهة الإيمان والعزيمة حتى لا يظهر منها ما يفسد أمر موسى عليه السلام.

فاجتمع في الآية اضطراب المشاعر حيث عبر عنه بالفؤاد، وثبات الإيمان والإرادة الذي عبر عنه بالقلب.

وهذا ليس تفريقًا تشريحيًا حسيًا، وإنما هو تفريق دلالي بحسب السياق.

الخلاصة

يتبين من مجموع الاستقراء القرآني واللغوي أن:

  • القلب: هو محل الإيمان والإرادة والثبات، ويُذكر في سياقات الهداية والطمأنينة والربط والختم.
  • الفؤاد: هو القلب من جهة اشتداد الوجدان والانفعال والإدراك الباطني العميق، ويُذكر في سياقات الخوف والحزن والرؤية والإحساس الشديد.
  • قوله تعالى في قصة أم موسى عليه السلام جاء في غاية الإحكام البلاغي، إذ عبّر بـ“الفؤاد” لحال الاضطراب العاطفي، وبـ“القلب” لحال الثبات الإيماني، فكان كل لفظ في موضعه الذي لا يقوم غيره مقامه.
  • هذا الفهم ليس نصًا قاطعًا يجب الجزم به، لكنه استقراء قوي للاستعمال القرآني، وتؤيده دلالة اللغة وسياق الآيات، ولذلك نراه من أوجه التدبر الحسنة التي تنسجم مع البيان القرآني دون تكلف أو تحميل للنص ما لا يحتمل.

أضف تعليقا

تصنيفات

Your Header Sidebar area is currently empty. Hurry up and add some widgets.