السؤال:
- كيف أتعامل مع مشاعر الكراهية والنفور تجاه العلماء الذين نُسبت إليهم أقوال تُهين المرأة وتُحملهم مسؤولية واقعها المرير، رغم إدراكي لمكانتهم العلمية؟ وهل يُحاسبني الله على هذه المشاعر القهرية؟
- أشعر بغضب عارم وكراهية تجاه فئة تستغل الفضاء الرقمي لقذف المحصنات، وتبرير التحرش، والتحريض على زواج القاصرات، مستخدمين أقوالاً منسوبة للعلماء لتكريس المتعة الجنسية فوق كل اعتبار. يؤلمني قمع رأي المرأة بالشتائم الجاهزة مثل (ناقصة عقل، نسوية، مشروع زنا) للتهرب من الحجة والمنطق، وتشويه مفهوم (بنت الأصول) بجعلها من تصبر على الإهانة والضرب. لقد سلبوا منا حقوقنا الدينية ثم صنفونا كمتمردات، مما جعلني أفقد الأمل في الإصلاح، خاصة مع رفضهم حتى مناقشة صحة الروايات المفتراة؛ فكيف نرد على هذا المرض النفسي المستتر خلف رداء الدين؟ فهم يتعرضون له بشكل متكرر لأنه يُقدَّم بطريقة مسلية وجذابة وبأسلوب خفي، أشبه بـ “دسّ السم في العسل
- وهل رفضي لهذا المحتوي يجعلني “ملكة القصص الحزينة” أم هو وعي بخطورة “السم في العسل”؟
- أشعر بقلق عميق من تفشي ثقافة (الميمز)[1] الساخرة التي تستهدف أجساد النساء ومهنهن تحت غطاء المزاح، وهي في الحقيقة عنف رقمي يشكل وعي الأطفال والمجتمع. ما يحيرني ويجعلني أشك في نفسي هو تأييد بعض النساء لهذه الإهانات ودفاعهن عن روايات وتفسيرات تنتقص منهن، فهل أنا أبالغ في رد فعلي أم أن هناك خللاً في إدراكهن؟ كما يستفزني تشويه صورة المرأة العاملة واتهامها في أخلاقها لإجبارها على ترك العمل، ليس ديناً بل رغبة في إقصائها عن المنافسة والاستقلال، فكيف نواجه هذا التيار المتطرف الذي يسيء للجميع؟
- “أشعر بامتنان عميق لأنني بدأت أفهم ديني بشكل صحيح، مما غير نظرتي للزواج من السلبية إلى الشوق لبناء أسرة، لكنني في الوقت ذاته قلقة من الهجمات التي قد تطال هذا المنهج واتهامه بخدمة أجندات خارجية. يداهمني الحزن واليأس على حال أمتنا وكيف سيتربى الأجيال القادمة على هذه الأفكار المشوهة. أتساءل بحرقة: كيف سيصلح حالنا؟ وكيف وعد الله بحفظ دينه بينما نرى التحريف في الأحكام والتفسيرات والروايات يملأ الواقع؟ هل هناك فائدة حقاً من المحاولة؟
- أريد أن ينتشر موقعكم، لكنني خائفة من أن يهاجموكم؛ فيبدأ الناس بمهاجمة الموقع واتهامه بأنه يخدم أجندات غربية، وربما يبدأ بعض الشيوخ بالتحذير منه، والقول إن القائمين عليه يتبعون أهواءهم، وأنه وُجد فقط لإضلال الناس وإبعادهم عن طريق السنة والجماعة المزعومة. وشكرا لكم وآسفة مجددا على الإطالة، وأنتظر إجابتكم بفارغ الصبر وأحبكم في الله، وأسأل الله أن يبارك في علمكم وجهودكم، وأن يجعل ما تقدمونه في ميزان حسناتكم.
الجواب:
ندعو الله سبحانه وتعالى أن يثبتك بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة بثباتك على الحق والدفاع عنه، ففي رحلة البحث عن اليقين وسط ركام الزيف حينما تتلاطم أمواج الفتن، وتختلط أصوات البشر بقدسية الوحي، تجد النفس المؤمنة نفسها في حيرة من أمرها، ولكن الحق يظل شامخاً مهما تراكم فوقه غبار التأويلات البشرية مصداقًا لقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً، وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ، كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾ [الرعد: 17].
أزمة الثقة بـ “رجال الدين” والمشاعر تجاههم
تتساءلين بحرقة: كيف أتعامل مع مشاعر النفور تجاه من نُسبت إليهم أقوال تُهين المرأة؟ وهل يُحاسبني الله على بغضهم؟
يجب علينا أن ندرك أن المكانة العلمية لا تُمنح بناءً على المنصب أو الشهرة، بل إن العالم الحقيقي هو من يخشى الله ويصدق في البلاغ عنه، أما من يتصدر للفتوى محرفاً الكلم عن مواضعه ليوافق أحكاماً جاهلية بُنيت على أهواء ذكورية، فهم الذين حذرنا القرآن من صنيعهم:
﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: 78]
وهم الذين فضلوا الانسياق للفرق والشيع التي قسمت الدين وجعلت كلمته العليا لذكورهم والكلمة السفلى لإناثهم، متناسين أن:
﴿كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَىٰ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا﴾ [التوبة: 40]
فهؤلاء ومن وافقهم لسنا منهم في شيء امتثالاً لقوله:
﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [الأنعام: 159].
ولذا، فإن مشاعرنا الحالية هي رد فعل طبيعي على “ظلم” واقع عبر القرون، والله سبحانه لا يؤاخذ الإنسان على ما لا يملك (كالخوف أو النفور) طالما لم يتحول ذلك إلى اعتداء بالفعل أو القول الظالم، بل إن بغض من فرّقوا الدين وجعلوه شيعاً تخدم مصالحهم على حساب عدل الكتاب هو من صميم الفطرة ومن علامات الإيمان الحق، خاصة تجاه من حاد عن منهج الله ورسوله مصداقًا لقوله تعالى:
﴿لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ، أُولَٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ﴾ [المجادلة: 22]
فالله تعالى الذي سمح للمظلوم أن يجهر بالسوء تعبيراً عن ألمه:
﴿لَّا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَن ظُلِمَ﴾ [النساء: 148]
فلن يؤاخذكِ على نفورٍ سببه الغيرة على عدله ورحمته.
الوعي أمام سلاح الميمز (المنشورات الساخرة) وقذف المحصنات
تتوجسين خيفة: هل رفضي لثقافة السخرية يجعلني (دراما كوين)؟ وكيف نواجه من يسلب حقوقنا ثم يصفنا بالمتمردات؟
إن هذه المنشورات الساخرة التي تطال أجساد النساء ومهنهن، تسخر في الحقيقة من قيم المجتمع وثوابته؛ لذا يجب علينا ألا ننشرها بزيادة مشاهديها؛ لأن بنشرنا لها نمنحها أهمية وانتشاراً لا تستحقه، ويكفي هؤلاء وعيده سبحانه لمن يتخذ آيات الله ومقاصد خلقه هزواً:
﴿وَلَئِن سأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ، قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ [التوبة: 65] فالسخرية والاستهزاء هي دائماً حجة الضعيف الذي يدرك في قرارة نفسه ضعف موقفه وحجته، تماماً كما فعلت الأقوام السابقة مع الأنبياء:
﴿وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ، قَالَ إِن تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ﴾ [هود: 38]
فالسخرية هي نوع من “الوهن الفكري”، فالذي يملك الحجة لا يحتاج للاستهزاء، وما يسمى بالمزاح الرقمي هو في حقيقته “دس للسم في العسل” هدفه تطبيع الإهانة لتصبح جزءاً من وعي الشباب والمجتمع، رفضكِ لهذا المحتوى ليس “دراما”، بل هو وعي بحرمة الاستهزاء؛ ولكن إدراكنا بأن ما يحدث ليس أمرًا جديدًا بل هو ديدنهم منذ القدم كما بيّن لنا تعالى:
﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام: 112]
وهذا بالضبط يجعلنا نتيقين أننا على الحق.
أما أولئك الذين يهربون من الحجة بالطعن في الشرف ووصف المرأة بـ “ناقصة عقل” أو “مشروع زنا”، فهم يرتكبون جريمة “قذف المحصنات” التي طردهم الله بسببها من رحمته:
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: 23]
والخلل ليس في إدراككِ بل في إدراك من “زُيّن لهم سوء عملهم”، فتحولت الإهانة لديهم إلى “ثقافة” والظلم إلى “رجولة” فهؤلاء اختاروا أن يكونوا من الذين يضلون الناس:
﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [النحل: 25].
شيطنة المرأة العاملة ومفهوم “بنت الأصول” الزائف
تتحير الأخت السائلة من نساء يدافعن عن ذُلّهنّ: هل هنّ طبيعيات؟ وتتساءل كيف نواجه تهمة الشيطنة للمرأة العاملة؟
إن هؤلاء الذين يهاجمون المرأة العاملة ويصفونها بأوصاف مهينة، هم في الحقيقة لا يشيطنون المرأة فحسب، بل يتهمون بهذه الشيطنة كلام الله ومنهجه العدل، فالجدال الذي يهدف للإساءة وإهدار الحقوق هو من وحي الشياطين لأوليائهم ليفتنوا الناس عن دينهم:
﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىٰ أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: 121]
وقد توعد الله كل من سلك هذا المسار من الإنس والجن بالحشر جثياً حول جهنم:
﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا﴾ [مريم: 68]
بينما المنهج الإلهي أكد قيمة العمل للجنسين وسوّى بينهما في العمل والجزاء:
﴿أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ﴾ [آل عمران: 195].
موقف النساء المستلبات فكرياً
أما عن هؤلاء النساء اللاتي يدافعن عن إذلالهن باسم الدين، فالحق أن أكثرهن يستحقن الشفقة لا الهجوم؛ فقد اعتدن القبح حتى ظنن أن إغلاق أبواب الجنة في وجوههن هو أمر إلهي، بينما هو في الحقيقة “أمر فقيه ومذهب” قرر لها أن لا تفقه دينها لئلا تطالب بحقها ورسخ في وجدانها أن مفهوم “بنت الأصول” يعني قبولها الذل والإهانة الذي سيوصلها إلى رضا ربها سبحانه الذي: ﴿َلَا يَرْضَىٰ لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ ﴾ [الزمر: 7] والرضا بالظلم ليس شكرًا لله تعالى.
نحن نتحدث هنا عن اللائي لا يملكن وسيلة للوعي من: ﴿الْمُسْتَضْعَفِينَ… لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ [النساء: 98]
ولكن من حفظن القرآن باللسان ولم يتدبرن ما حفظنه، واخترن الانسياق بإراداتهن الحرة للضاربين بعرض الحائط كل آيات الله البينات في كتابه الذي لم يجعل الصبر على الإهانة والضرب فضيلة، بل جعل السكينة والمودة والرحمة هي أصل العلاقة، ومن اعتدى بالضرر فقد ظلم نفسه وتعدى على حدود ربه واتخذ آياته هزوًا مصداقًا لقوله تعالى:
﴿وَلَا تُمْسكُوهُنَّ ضِرَارًا لِّتَعْتَدُوا وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ [البقرة: 231]
فهؤلاء ينطبق عليهن وعلى من ظلمهن باسم الدين بأنهم من الأخسرين أعمالاً ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: 104]
إذ أنه لو اتبعت المرأة فطرتها وانتصرت لحقوقها وحقوق غيرها من النساء المعنّفات لسمعها الله تعالى من فوق سبع سماوات كما استجاب لمن قبلها، وأعانها على نيل حقوقها فـــ ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11]
عن الموقع وحفظ الدين ومستقبل الأمة
تعبرين عن خوفكِ: أريد انتشار الموقع ولكنني أخشى عليكم من تهم الأجندات الغربية والأهواء..
إن الدفاع عن عدل الله عز وجل في خلقه هو أسمى أجندة ربانية نفخر بالانتساب إليها، ومن يرى أن المطالبة بالعدل (غربية) فقد أساء لشمولية الإسلام وعالميته: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ﴾ [ص: 87]
فاطمئني، فإن الهجوم هو ضريبة الصدع بالحق، وقد أنبأنا به الله تعالى به قبل أن نبدأ:
﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا﴾ [آل عمران: 186]
فقد منحنا سبحانه وتعالى القوة ألا نجزع من اتهامهم، فكل من دعا إلى تحكيم الوحي وحده واجه التهم ذاتها؛ والحق أن هؤلاء هم الذين ينبغي عليهم الخوف على أنفسهم مصداقًا لقوله:
﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا، فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: 81]
كيف حفظ الله دينه وسط هذا الركام؟
هنا يجب التفريق بين الدين والتدين والتمييز بين الوحي المقدس وبين التأويلات البشرية التي قد تخطئ وتصيب، أو تتأثر بالأعراف الاجتماعية؛ فإن الله تعالى تعهد بحفظ “الذكر” في قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: 9] وحفظ الذكر ليس حفظاً لأفهام البشر أو رواياتهم، وإنما حفظه ليبقى مهيمناً وكاشفاً لزيفهم فيكون المرجع والمهيمن الذي نستطيع في كل عصر أن نعود إليه لننفض عنه غبار التحريف البشري، فالحفظ يكمن في بقاء الأصل نقياً متاحاً لكل باحث عن الحق “مهيمناً” ليصحح ما قبله وما طرأ بعده من تحريف.
أما عن سؤالكِ: هل هناك فائدة من المحاولة؟
ينبغي ألا نترك لليأس منفذاً إلى قلوبنا؛ فالتغيير الحقيقي لا يهبط من السماء بلا مقدمات، بل يبدأ من تلك البذرة التي نغرسها في أعماقنا وعقولنا أولاً، فالتحول في واقع الأمة مرهون بتحول المفاهيم المستقرة داخل النفوس: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11] وما دورنا إلا إقامة الحجة والبلاغ المبين: ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [النور: 54] تاركين النتائج لمدبر الأمور وحده، وعلينا أن نوقن بأن كل جهد في طريق الإصلاح هو جهدٌ محفوظ ومثمن عند الله تعالى ولا يضيع سدىً مهما بدا أثره في أعيننا ضئيلاً أو بعيد المدى، فالله عز وجل لا يغفل عن إخلاص المصلحين مصداقًا لقوله: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾ [الأعراف: 170]
وكذلك فإن الفائدة تكمن في أنكِ لستِ مسؤولة عن جميع الأمة، بل عن أمتكِ الخاصة؛ فكل أمة تدعى إلى كتابها: ﴿كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَىٰ إِلَىٰ كِتَابِهَا﴾ [الجاثية: 28] فلا تبتئسي من كثرة المضللين، فالله تعالى قد أنبأنا أن أكثر الناس قد لا يعقلون: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: 103] لكن الحق يبقى كالشجرة الطيبة أصلها ثابت و ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾.
شفاء الصدر والتحرر بالعلم
إن تخلصنا من هذه المشاعر المزعجة لا يكون بالقهر، بل بالعلم الذي يثبت لنا أن القرآن بريء من تحقير المرأة، هذا الوعي سيحول نفورنا إلى استغناء تام عن آراء البشر الخاطئة، والتمسك بالوحي الذي يمنحنا السلام النفسي؛ فقد قال الله سبحانه وتعالى مؤكداً أن القرآن هو المرجع الشامل لكل تساؤلاتنا: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: 89]
وتذكري نهيه تعالى عن هذا الحزن الذي يقعدكِ عن العمل: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 139]
منهجكِ في المواجهة
ليس عليك مواجهة هؤلاء أو الدخول في صراعات لا تنتهي معهم، فأكثرهم يحذرون من الحق متبعين موروثاتهم، ولكن هذا لا يمنعنا من تذكيريهم متى سنحت الفرصة:
﴿فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ، وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ﴾ [القصص: 50]
فما علينا إلا البلاغ وتقديم الحجة من كتاب الله تعالى، ثم الترفع عن جهلهم:
- فهؤلاء لا يرد عليهم بنفس الأسلوب البذيء والتنابز بالألقاب، وإنما بالإعراض عنهم ووعظهم بالقول البليغ امتثالًا لأمره تعالى:
﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ [النساء: 63]
- فالمؤمن الحق مبتلى بسماع كلمات الانتقاص والتشبيهات المسيئة، وهذا اختبار للثبات؛ فليس من قبيل المصادفة أن يقول الله تعالى: ﴿لَن يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى﴾ [آل عمران: 111] مباشرة عقب قوله عن خيريّة هذه الأمة التي تدعو إلى المعروف وتنهى عن المنكر: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: 110]
مما يعني أن القيام بهذا الواجب قد يتبعه أذى لفظي، لكنه لن يضركِ في جوهركِ، ولذا، علينا أن نتمسك بالصبر ودفع السيئة بالحسنة امتثالاً لأمره سبحانه: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: 34]
فإذا مررتِ بتلك الصفحات المسيئة، فاعلمي أن أغلب متابعيها يعملون السوء بجهالة. نصحكِ قد يكون طوق نجاة لواحدة منهن لتفهم أن الله لا يرضى لها الظلم: ﴿وَلَا يَرْضَىٰ لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ [الزمر: 7].
- فإن استطعتِ تحمل الأذى، فانصحي لعل الكلمة تقع في قلب يترقب النور: ﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [لقمان: 17].
- وإن تجاوز الوضع حدود تحملكِ، فالإعراض بسلام: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان: 63].
- وتذكري أننا جميعاً كنا في غفلة: ﴿كَذَٰلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: 94].
وفي الختام:
عليك بالتخلص من الحزن القاتل واليأس من الأمة، إلى العمل المثمر بالصبر والتقوى، فإن تمسككِ بالكتاب هو العاصم، وكيدهم سيظل ضعيفاً أمام ثباتكِ: ﴿وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ [آل عمران: 120] فالأمة لن تضيع ما دام فيها من يرفض الذل باسم الدين، ويؤمن أن الله هو العدل الذي لا يرضى لعباده إلا الكرامة.
لا تسمحي لهم بتشكيككِ في فطرتكِ السليمة التي تنبذ الباطل؛ فرفضكِ لإهانة المرأة هو استجابة لأمر الله بالعدل، وليس دراما كما يزعمون..
إن إنكاركِ للباطل ولو كان مزاحاً هو استجابة لفطرتكِ التي كرمها الله، والخلل ليس فيكِ، بل فيمن اعتاد القبح حتى رآه طبيعياً؛ ولذا، علينا أن نواجه هذا الكيد بالصبر والتقوى، واثقين بأن كيدهم لن يضرنا راجين أن يجعلنا الله تعالى وإياكِ من ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ. فَانقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ [آل عمران: 173-174].
الباحثة: شيماء أبو زيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] الميمز: مفهوم أطلقه ريتشارد دوكينز عام 1976، ويشير إلى أن الثقافة يمكن أن تنتقل وتتطور عبر الأجيال بشكل مشابه لنقل الجينات، ويقترح دوكينز وجود عنصر ثقافي يشابه في وظيفته «الجين» في علم الأحياء، فالجين ينقل الصفات الوراثية بين الأجيال المتعاقبة، بينما ينقل «الميم» الأفكار أو الأساليب أو العادات داخل النظم الثقافية المتوارثة. أن تملك الثقافة هذه الحتمية والجبرية مثل الحتمية والجبرية الجينية، فهذا يدل على سطوة الثقافات السائدة، وبذا يسهل فهم الآية الكريمة بوضوح: «بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ. انظر د. طاهرة اللواتية https://www.omandaily.om/أعمدة/na/ثقافة-الميمز


هذا الموقع يتميز بالمصداقية و الشفافية، و أصدق ما فيه أنه لا يتبع الأهواء، و أميز ما فيه أن القائمين عليه يتبعون الآيات القرآنية لتثبيت المعاني والمفاهيم والشرح والتوضيح. بسم لله الرحمن الرحيم (إن الله يدافع عن الذين آمنوا). وفقك الله أستاذتي الغالية و ثبتك ووفق موقعك.
لا حرمنا الله من عطائك المستمر وتوجيهاتك القيمة أستاذة شيماء، وسأعمل على تطبيقها والالتزام بها بإذن الله وشكرا لك من القلب 💗