حبل الله
استعمال الألفاظ المشكلة من جهة المعنى

استعمال الألفاظ المشكلة من جهة المعنى

السؤال:

دار بيني وبين أحد أصدقائي حديث عن فيلم The Godfather، فذكرت اسمه باللغة الإنجليزية، فقال لي: لا يجوز أن تقول هذه الكلمة؛ لأنها تعني “الأب الإله”. فأجبته بأن المقصود في الثقافة الغربية ليس “الإله” ولا يقصدون بها نسبة الألوهية إلى أحد، وإنما هو لقب يطلق على زعيم العائلة أو عرّاب الطفل ونحو ذلك، وليس في ذلك تعظيم لغير الله. فقال لي: هذه أمور لا يجوز المزاح فيها، والقرآن واضح في هذا الباب، فالأولى ترك هذه الكلمة. فما الحكم في ذلك؟

الجواب:

الأصل في ألفاظ المسلم أن تكون واضحة سليمة، بعيدة عن كل ما يوهم معنى باطلاً أو يوقع في اللبس والاشتباه، وهذا أصل قرآني دلَّ عليه قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا وَاسْمَعُوا﴾ [البقرة: 104].

فقد نهى الله تعالى المؤمنين عن استعمال لفظة “راعنا” مع أن لها في العربية معنى صحيحًا، وهو: راعِ أحوالنا أو انتظرنا، إلا أن جماعة من المنافقين كانوا يستغلون هذا اللفظ ويحرفونه إلى معنى فاسد يقصدون به الانتقاص من رسول الله ﷺ، فسدَّ القرآن هذا الباب، وأرشد إلى لفظ آخر يؤدي المعنى السليم نفسه، وهو قوله تعالى: ﴿وقولوا انظرنا﴾، لأنه أبعد عن الاحتمال وأسلم من سوء الفهم والاستغلال.

ومن هنا استنبط العلماء قاعدة مهمة، وهي أن المسلم يُستحب له اجتناب الألفاظ المحتملة إذا كانت قد توهم معنى باطلاً أو ارتبطت بعقيدة فاسدة، ولو كان هو لا يقصد ذلك المعنى؛ لأن الشرع لا يراعي مجرد قصد المتكلم فحسب، بل يراعي أيضًا دلالة اللفظ وما قد يترتب عليه من لبس أو سوء فهم، ولهذا يرى الفقهاء أن سد الذرائع وترك الألفاظ المشكلة من محاسن الشريعة.

وبالرجوع إلى السؤال، فإن لفظ “Godfather” في الاستعمال الإنجليزي المعاصر لا يُراد به غالبًا “الأب الإله”، وإنما يطلق في الأصل على الكفيل الروحي للطفل في بعض الطقوس الكنسية، ثم اتسع استعماله حتى أصبح يطلق مجازًا على زعيم جماعة أو شخصية نافذة، ومن هنا جاءت تسمية الفيلم المشهور. ولذلك فمن جهة قصد المتكلم لا يلزم من ذكر اسم الفيلم الإقرار بعقيدة النصارى أو اعتقاد ما يتضمنه اللفظ في أصله اللغوي.

ومع ذلك، فإن هذا المصطلح مرتبط تاريخيًا بالبيئة الدينية النصرانية، وكلمة “God” هي اسم يطلق في اللغة الإنجليزية على الإله، ولذلك فقد تستشكل هذه التسمية عند كثير من المسلمين، ولا سيما إذا تُرجمت حرفيًا إلى “الأب الإله”. ولهذا فإن ترك هذا التعبير، أو الاكتفاء بقول: فيلم العراب أو The Godfather دون ترجمته إلى العربية، أولى وأحوط، خروجًا من مواضع الاشتباه، وامتثالًا لهدي القرآن في اختيار الألفاظ الأبعد عن الإيهام.

ولا ينبغي في المقابل التشديد على الناس والحكم بالتحريم لمجرد نطق اسم الفيلم إذا كان القصد مجرد التعريف به، ولم يكن في ذلك تعظيم لعقيدة باطلة أو رضا بها؛ إذ إن الأحكام الشرعية تبنى على دلالة الألفاظ وسياقها ومقاصد المتكلمين، لا على مجرد الاشتراك اللغوي بين الكلمات.

فالذي يظهر – والله أعلم – أن ذكر اسم الفيلم للتعريف به لا يُعد في ذاته محرمًا، لكن الأولى والأكمل للمسلم أن يختار من الألفاظ ما يسلم من الإشكال، وأن يبتعد عما قد يوهم معنى فاسدًا أو يرتبط بعقائد تخالف الحق، امتثالًا لقوله تعالى: ﴿وقولوا للناس حسنًا﴾ [البقرة: 83]، وقوله سبحانه: ﴿وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن﴾ [الإسراء: 53]. فكلما كان اللفظ أبعد عن الالتباس وأقرب إلى سلامة الاعتقاد وحسن البيان، كان أولى بالاختيار، والله تعالى أعلم.

أضف تعليقا

تصنيفات

Your Header Sidebar area is currently empty. Hurry up and add some widgets.