حبل الله
الشيعة والتشيع في ميزان القرآن الكريم

الشيعة والتشيع في ميزان القرآن الكريم

الباحث: د. جمال نجم

مقدمة:

الشيعة واحدة من الفرق الإسلامية التي ظهرت معالمها وتمايزت عن غيرها بقدر بعدها عن القرآن الكريم ومنهجه، وهي تشترك مع باقي الطوائف الإسلامية بذات صفة البعد عن كتاب الله تعالى.

والتشيع ظاهرة طارئة في المجتمع الإسلامي، نتيجة لأحداث وتطورات سياسية واجتماعية معينة، أدت إلى تكوين فكري ومذهبي خاص لجزء من ذلك الجسم الكبير، ثم اتسع ذلك الجزء بالتدريج[1].

ولم يكن مصطلح الشيعة والتشيع موجودا في حياة النبي صلى الله عليه وسلم. ويبرر علماء الشيعة عدم وجوده بقولهم: “بأن ولادة الأسماء والمصطلحات شيء ونشوء المحتوى وواقع الاتجاه والأطروحة شيء آخر، فإذا كانت كلمة (الشيعة) غير موجودة في اللغة السائدة في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، أو بعد وفاته، فلا يعني هذا أن الأطروحة والاتجاه الشيعي لم يكن موجودا”[2].

ويزعم بعض علماء الشيعة أن التشيع بمصطلحه كان موجودا حتى في حياة النبي عليه السلام، اعتمادا على نقول ومرويات يستندون إليها، لكنهم لا يجيبون كيف يمكن أن يكون هناك تشيع لعلي بن أبي طالب بوجود من هو أولى منه بالاتباع أي النبي عليه السلام.

الأمة الإسلامية التي أرادها الله تعالى

أرسل الله تعالى نبيه الخاتم بالقرآن الكريم الذي قرر أن هذه الأمة أمة واحدة، ثم وضع الضمان لبقائها واحدة ألا هو تمسكها بالكتاب، الذي جمع المتفرقين وألف بين قلوب المتخاصمين، وقد قرر أن الابتعاد عنه يؤدي حتما إلى الفرقة والاختلاف كالحاصل بين طوائف المسلمين ومذاهبهم. يقول الله تعالى:

﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً ‌وَاحِدَةً ‌وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ. وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ ﴾ (الأنبياء: 92-93)

﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً ‌وَاحِدَةً ‌وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ. فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ﴾ (المؤمنون: 52-53)

ثم نهى عن التشيع في الدين، أي التحزب القائم على تقديم شخص أو جماعة أو فكرة على كتاب الله تعالى:

﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا ‌شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ، إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [الأنعام: 159]

ثم اعتبر ظهور الشيع والجماعات الدينية المختلفة دليلا على البعد الجماعي عن الحق الموجود حصرا في كتاب الله تعالى، ثم اعتبر نتائج هذا البعد من التمزق والعداوة عقوبة مستحقة:

﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ ‌شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ ﴾ [الأنعام: 65]

الأسباب التي أدت إلى ظهور الطوائف الدينية

إن اختلاف هذه الأمة إلى طوائف ومذاهب شتى له سبب رئيس هو البعد عن كتاب الله تعالى، ولما كان القرآن الكريم لا يوفر المبررات المطلوبة لترسيخ التشيع والطائفية والمذهبية كان لا بد من اختراع مصادر جديدة للدين يمكن من خلالها تكريس دين مواز يقدم الشرعية الدينية لرغبات كل طائفة وميولها السياسية والاجتماعية[3].

وقد اتبعت الطوائف لا سيما الشيعة الأساليب التالية لتكريس تواجدها وتعزيزه باعتبار أنهم يتمثلون دين الله تعالى:

الأول: التفسير المحرف للآيات

وذلك بتجاوز أصول التفسير التي وضعها الله تعالى لتفصيل كتابه الكريم، التي منها رد المحكم إلى المتشابه، وإيجاد المناسبات بين الآيات، ومراعاة اللسان العربي المبين، وبدلا من ذلك تم اللجوء لتفسير كتاب الله بناء على نقول ومرويات نسبت زورا إلى النبي صلى الله عليه وسلم لتناسب المعتقدات الجديدة، كما تم الكذب على أئمة الشيعة وعلمائهم، حيث تختلف كل طائفة عن المقبول والمرفوض من تلك النقول. وسنأتي على ذكر أمثلة على تلك التفاسير التي تحرف الكلم من بعد مواضعه عند الحديث عن الأدلة التي استدل بها الشيعة في إثبات معتقد الإمامة.

الثاني: إنشاء منظومة حديثية خاصة بكل طائفة حيث تزعم كل واحدة منها أن ما لديها من الحديث صحيح بجملته وما لغيرها يغلب فيه الكذب والوضع. وهم بذلك تمثلوا قول الله تعالى في اليهود والنصارى:

﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى ‌عَلَى ‌شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ ‌عَلَى ‌شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ، كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ، فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ (البقرة: 113)

الثالث: تعتقد كل طائفة أن منظومتها الحديثية تحظى بالقدسية الكاملة التي توازي قدسية القرآن الكريم، ثم تجعل منها مصدرا منفصلا للتشريع باعتبارها الوحي الثاني الذي تلقاه نبينا الكريم من غير أن يكون متلوا، وقد اتفقت الطوائف على هذا بالرغم من أن آيات القرآن الكريم لا تتحدث إلا عن وحي واحد أوحاه الله تعالى إلى نبينا الكريم كغيره من أنبياء الله تعالى الذين لم يتلقوا رسالة غير الموجودة في الكتاب المنزل، يقول الله تعالى مخاطبا نبيه الخاتم:

﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ‌كَمَا ‌أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ، وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ، وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ (النساء: 163)

ولم ينزل على نبينا رسالة غير القرآن، ولو قرأنا الآيات المتعلقة بالوحي إلى خاتم النَّبيِّين (الذي بمعنى إنزال الرسالة) نجد أنَّه مخصوصٌ بالقرآن دون غيره، كقوله تعالى:

﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ (الأنعام، 19)

﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ (يوسف، 3)

﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ (الشورى، 7)،

لذلك لا يصحُّ أن يُطلق الوحي _بهذا المعنى_ على غير القرآن الكريم.

والمسلم غير مكلف إلا بما أوحاه الله تعالى لنبيه في القرآن، لأنه الكتاب الذي سيحاسب الناس يوم القيامة بناء على ما جاء فيه، أما ما أوحاه الله إلى الأنبياء من غير ما ورد في الكتاب فليس له صفة الرسالة التي يُكلف بها العباد، وإنما هو توجيه للنبي لفعل شيء يعينه على تبليغ الرسالة أو أداء مهمة معينة، ولا يجب على المسلم تقصي هذا النوع من الوحي أو الوقوف على حيثياته واستنباط الأحكام منه، لأنه ليس محلا للتكليف أصلا، ولأن منهج القرآن النهي عن أن يسأل المسلم عن التفاصيل التي لم تُطلب منه مباشرة:

﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ ‌أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ، وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا، وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ. قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ ﴾ (المائدة 101-102)

فالمسلم يقوم بالمطلوب منه ولا يبحث عما وراء ذلك مما سكت عنه القرآن ولم يبينه، لأن تكليف المسلم بالبحث عما وراء ما جاء في الكتاب فيه من الحرج الشيء الكثير، والحرج مرفوع عن المسلمين بالجملة. قال الله تعالى:

﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ ‌مِنْ ‌حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ ﴾ (الحج: 78)

دور المنظومة الحديثية في تشكل الطائفة الشيعية

لقد شكلت المنظومة الحديثية دينا جديدا يحتوي الحق والباطل معا، لكن الباطل فيه يغالب الحق، لقد اعتبرت الرواية عند كل الطوائف والمذاهب المصدر الذي لا غنى عنه لفهم القرآن وشرحه وبيانه، وتعاظمت مصادر التشريع للدرجة التي صار من المستحيل الوقوف على تفاصيلها، وصار المسلمون يشعرون بالعجر أمام كمِّ التكاليف الهائلة الملقاة على عاتقهم وذلك بعدما كان المسلم في عصر النبي يعرف الذي له والذي عليه بمجرد قراءة القرآن الكريم.

لقد تغولت كتب الرواية والتفسير والفقه عند المذاهب على كتاب الله تعالى، ولولا أن الله تعالى تكفل بحفظ كتابه الأخير لما بقيت إمكانية للرجوع إلى الحق بعد تغول الباطل. لقد تحول الناس من دين مصدره كتاب الله تعالى إلى دين مصدره الرواية التي نقلها الناس واختلفوا فيها اختلافا شديدا.

يعترف التراثيون من أهل السنة والشيعة أن الروايات التي صحت لديهم عن نبينا الكريم قد ثبتت بالظن وليس باليقين، وبالرغم من أن القرآن ينهى عن اتباع الظن إلا أنهم يصرون على اعتبار هذا الظن مصدرا مستقلا للتشريع حيث يعطونه سلطة لتفسير النص القرآني وتخصيص عامه وتقييد مطلقه، بل وتشريع الأحكام دونه، وهؤلاء الذين يتبعون الظن يبررون ذلك بأن القرآن مجمل يحتاج إلى ما يفصله وقد قال منزله:

﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا﴾  الأنعام (١١٤)

وأنه ناقص يحتاج ما يكمله، وتناسوا قوله:

﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ المائدة (3)

وأنه صعب يحتاج إلى شرح وبيان، بالرغم من تكفل الله تعالى ببيانه:

﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ القيامة (19)

وما بقي إلا أن يقولوا بأن القرآن الكريم كتاب أعجمي مليء بالطلاسم، والله تعالى يكرر قوله:

﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ القمر (17)

والآية التالية تنفي كل مزاعمهم جملة وتفصيلًا:

﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (النحل 89)

ثم نفى أن للقرآن مُفصِّلا إلا رب العالمين حين قال:

﴿الر، كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ (هود 1)

ثم بيّن السبب مباشرة :

﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ، إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ﴾ (هود 2)

إن قبول تفسير غير الله تعالى للقرآن يعني قبول غير الله تعالى شريكا له في كتابه، لهذا تولى سبحانه مهمة تفصيل كتابه بنفسه.

ولكن أغلب المسلمين تركوا تفصيل الله تعالى لكتابه، واتخذوا من دون الله تعالى شركاء له في كتابه متمثلين في علماء الطوائف والمذاهب والجماعات. يقول الله تعالى:

﴿اتَّخَذُوا ‌أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ (التوبة: 31)

هذه الآية وإن كانت في سياق توصيف الحالة الدينية عند النصارى إلا أنها عامة في كل الملل.

إن المسلم الحق يرفض الانتماء لأي مذهب أو حزب امتثالًا لأمر الله تعالى لرسوله:

﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ، إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ (الأنعام 159)

التسمية الوحيدة التي يرتضيها المسلم لنفسه هي تسمية الله تعالى له:

﴿هُوَ ‌سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ (الحج 78)

لم تُخضع الطوائف والمذاهب ذخيرتها الروائية لكتاب الله تعالى ورفضت عرضها عليه بالجملة، بحجة أنها وحي مباشر للنبي فلا حاجة لعرضها على كتاب الله تعالى متناسين أن إلزامية عرضها على الكتاب نابعة من التثبت من صحة نسبتها لنبينا الكريم، فقد تناقل الناس ميراث النبي في تطبيق الوحي لكن منهم من صدق ومنهم من كذب ومنهم من فطن ومنهم من نسي. والحق أن سبب الرفض هو علمهم أن منظومتهم ستنهار أمام الحق الذي سيبطل جميع الروايات التي ابتعدت بالمسلمين عن كتاب ربهم لتشكل أساسا للطائفة أو المذهب.

الرابع: تقديس الأشخاص لا سيما الذين يدور المذهب عليهم، وهنا برز الشيعة أكثر من غيرهم لما زعموا العصمة لأئمتهم وأنهم يملكون من الصفات ما يفوق صفات الأنبياء، حيث زعموا أنه لم يذهب واحدٌ منهم إلى معلم، ولم يتتلمذ أحدهم على أستاذ، ولا إلى مدرسة ليدرس فيها، ومع ذلك إذا وُجّه إلى أحدهم سؤال أجاب فورا بإجابة صحيحة، ولم يحدث أن تأخر أحدهم بإجابة سؤال أو تمهل فيه، كما أنه لم يصدر منهم أبدا كلمة “لا أدري”[4].

كما زعموا “أنَّ الإمامَ كالنَّبيِّ يجب أن يكون معصوماً من جميع الرَّذائل والفواحش ما ظهر منها وما بطن، من سنِّ الطُّفولة إلى الموت، عمداً وسهواً كما يجب أن يكون معصوماً من السَّهو والخطأ والنِّسيان، لأنَّ الأئمَّة حفظةُ الشَّرع والقوَّامين عليه، حالُهم في ذلك حالُ النَّبيِّ، والدَّليل الذي اقتضى الاعتقاد بعصمة الأنبياء هو نفسه يقتضي الاعتقاد بعصمة الأئمَّة، بلا فرق”[5].

ما ادعاه هؤلاء لا يقبله عاقل، فوصف إنسان أنه صاحب علم مطلق، وأنّه يعلم دون أن يتعلم إنّما هو قفز على حقائق الأشياء، إن هذه الخصوصية لم تكن لأحد من الأنبياء. يقول الله تعالى مخاطبا خاتم أنبيائه:

﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ، فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (الكهف: 110).

﴿قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا. قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا. إِلَّا بَلَاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ (الجن: 21 – 23).

القرآن يتحدث أن النبي ينسى:

﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا ‌نَسِيتَ﴾ (الكهف: 24)

وأنه يخطئ:

﴿‌عَفَا ‌اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾ (التوبة: 43)

﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ ‌لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (الأنفال: 68)

وبالرغم من هذا فإن الشيعة ينفون هذا عن أئمتهم.

الخامس: زعم الشيعة بأن الإمامة تكون بالنص الديني.

يقول محمد رضا المظفر: “إنَّ الإمامةَ لا تكون إلَّا بالنصَّ من الله تعالى على لسان النَّبيِّ أو لسان الإمام الذي قبله، وليست هي بالاختيار والانتخاب من النَّاس، فليس لهم إذا شاءوا أن يُنصِّبوا أحداً نصَّبوه، وإذا شاءوا أن يُعيِّنوا إماماً لهم عيَّنوه” [6]

هناك آلاف الروايات  التي تتحدث بإسهاب عن مسألة الإمامة، فتبدي ما للأئمة من علوم شمولية وقدرات خارقة لم تعرف حتى للنبي عليه الصلاة والسلام، فمثلاً عقد الكليني في الكافي فصلا أطلق عليه (كتاب الحجة) ويحوي أكثر من ألف حديث يفيد هذا المعنى[7].

والإمام عند الشيعة واجب الطاعة وأقواله تنزل منزلة النص الديني، يقول المظفر:

“أنّ أمرَهم أمرُ الله تعالى، ونهيَهم نهيُه، وطاعتَهم طاعتُه، ومعصيتَهم معصيتُه، ووليَّهم وليُّه، وعدوَّهم عدوُّه، ولا يجوز الردُّ عليهم، والرادُّ عليهم كالرادِّ على الرَّسول والرادُّ على الرسول كالرادِّ على الله تعالى. فيجب التسليم لهم والانقياد لأمرهم والأخذُ بقولهم”[8].

ومَنْ يُحقِّقُ في دعاوى الشِّيعة في هذا الصَّدد فلنْ يجدَ آيةً واحدة تؤيد دعواهم، بل إنَّ قولَهم هذا مُنافٍ للمنطق ومُخالِفٌ للفِطرة. فكان من الضروري لهم اختراع مصادر دينية جديدة لتمرير معتقداتهم، كـ (أقوال النبي) المزعومة و (أقوال الإمام) الذي هو بمقام النبي عندهم أو أرفع. و(القياس) الذي بموجبه يقيس مقام الولي على مقام النبي ، ثم يدعي العصمة للنبي التي ليس عليها دليل من كتاب الله تعالى[9] ويقيس عليها عصمة الولي.

يقول التستري: “الإمام قائم مقام النبي و له الولاية العامة في الدين و الدنيا و ساد مسده ، فكما أنه شرط في النبي اتفاقاً فكذا في الإمام إلزاما”[10].

و قد برر الخميني الاعتقاد بعصمة الأئمة بقوله: “لأن عصمة المعصوم إنما كانت بسبب المنزلة العالية و المقام المحمود الذي لا يبلغه ملك مقرب و لا نبي مرسل، و أيضاً بسبب خلافته التكوينية التي تخضع لولاياتها و سيطرتها جميع ذرات هذا الكون”[11].

وليس كل الشيعة يعدون الأئمة معصومين، فهناك من يعتبرهم علماء أبرار افترض الله طاعتهم مع عدم الاعتقاد بعصمتهم[12].

وإن كان هذا الرأي أهون من سابقة إلا أن زعم طاعتهم دون تقييده بالمعروف فيه تجاوز لحقيقة قرآنية ثابتة، وهي أن الطاعة المطلقة لا تصح إلا لله تعالى ولكتابه، وقد أوجب الله تعالى طاعة رسوله فيما يبلغ من شريعة الله مطلقا لأن طاعته عندئذ هي طاعة لله تعالى، قال الله تعالى:

﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ (النساء،80).

أي من يطع الرسول فيما يبلغ عن الله من القرآن فقد أطاع الله، أو من يطع ما تقتضيه الرسالة (القرآن) فقد أطاع الله، لأنَّه يتعذَّر معرفة أوامر الله تعالى ونواهيه بدون الرِّسالة وهي لا تأتينا إلا عبر الرَّسول. والرَّسولُ لا يزيد ولا ينقص في كلام الله. قال تعالى:

﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ. لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ. ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ. فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ (الحاقه 44-47)

وعندما تتحدَّث الآيات عن محمَّد صلى الله عليه وسلم بوصفه نبيَّا تقيِّد وجوب طاعته بالمعروف، كما جاء في قوله تعالى:

﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (الممتحنة، 12)

قيَّدت الآية وجوب طاعة النَّبي بالمعروف لأنَّه بهذه الصفة قد يخطئ لأنَّه بشر،  وقد وردت كثير من الآيات تعاتب النَّبي على بعض الأخطاء. والآيات التي  تُبيِّن خطأه لا تستخدمُ كلمةَ رسول أبداً. فقد جاء في حقِّ أسرى بدر قوله تعالى:

﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ. لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (الأنفال 67-68)

لقد أراد زيد بن حارثة أن يطلق زوجته زينب، وقد خشي نبينا أن يأمره الله تعالى بالزواج منها في حال طلاقها، لأنه سيكون القدوة في انهاء اعتبار المتبنى كالابن الحقيقي، ذلك أنه كان من غير المقبول في مجتمع النبي أن يتزوج  الرجل من زوجة متبناه المطلقة، حيث كان الابن والمتبنى يعتبران نفس الشيء.

لقد حاول نبينا منع زيد من طلاق زوجته لكن زيدا لم يصغ له ومضى بتطليقها، وقد حصل ما خاف منه النبي وهو أن الله تعالى زوجه من زينب، علمنا هذا من قوله تعالى:

﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ، وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ، وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ ، فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا، وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ (الأحزاب 37)

لم يطع زيد بن حارثة أمر النبي بإمساك زينب، لأن الطاعة له لا تكون إلا بالمعروف، وأمر النبي إياه بإمساك زينب لم يوافق المعروف، لأن الطلاق مشروع في كتاب الله تعالى وهو حق الرجل في انهاء الحياة الزوجية بعد تعذر الحياة بين الزوجين، لهذا فإن الآية لم تعتبر زيدا عاصيا، بالرغم من عدم طاعته للنبي، فإذا كانت الطاعة المطلقة لا تجوز للنبي صلى الله عليه وسلم فكيف تصح لمن دونه؟!

إن التناقض الذي تحمله عقيدة الطاعة للمعصوم عند الشيعة لا يمكن تبريرها إلا بالروايات المنسوجة على قدر المسألة، لأن كتاب الله تعالى لا يسعفهم أبدا فيما ذهبوا إليه من عصمة الأئمة ووجوب طاعتهم.

عقيدة الولاية عند الشيعة الإمامية

الولاية عند الشيعة الإمامية جُعلت أصلاً من أصول الإسلام و جزءاً أساسيا من عقيدته محتجين بأنه ليس في الإسـلام أمراً أهـم من تعيين الإمام، و لم يكن للنبي – حسب زعمهم – أن يفارق الدنيا قبل أن يحسم هذا الأمر، ذلك أن الإمامة نص من الله تعالى وهي ليست بالاختيار و الشورى بين أهل الحل و العقد كما هي عند أهل السنة والجماعة.

يزعم الشيعة أن عدد الأئمة المنصوص على إمامتهم اثني عشر إماما ، لكن التبرير الذي يسوقونه للتعيين يتناقض مع مبدأ العدد المحدود، فإن كان الدين لا تقوم له قائمة بغير الإمام المعين فمن الطبيعي أن نسأل ما مصير الدين بعد انقضاء زمن الأئمة المعينين؟ هذا التساؤل المحق لا يمكن أن يجاب عليه بطريقة منطقية مقنعة إلا بالاعتراف بسقوط مبدأ التعيين من أساسه.

وقد لجأ علماء الشيعة عبر تاريخهم إلى استخدام بعض النصوص القرآنية وتكييفها بما يناسب فكرتهم المتعلقة بعقيدة الإمامة وعصمة الأئمة، ومن ذلك:

1- قوله تعالى : ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ (البقرة 124) .

حاول الشيعة الاستدلال بهذه الآية على أن إمامهم لا يكون إلا معصوماً ، لأن الله تعالى – بحسب زعمهم – لا يعطي عهده لظالم الذي هو الإمامة أي الإمامة العظمى .

و غير المعصوم لا بد و أنه ظالم لنفسه و لغيره و الله سبحانه عصم اثنين أن يسجدا لصنم و هما محمد وعلي رضي الله عنه ، فنال محمدٌ الرسالة و عليٌ رضي الله عنه الإمامة[13]

ولا وجه لتفسير قول إبراهيم بما ذهب إليه الإمامية، والآية لا علاقة بفكرة الإمامة بالمعنى الذي أرادوا، لأن كل من التزم أمر الله تعالى ودعا إلى دينه واقتدى به الناس فهو إمام في الدين، ولا وجه لحصر هذا المفهوم بعلي بن أبي طالب وبالأئمة الاثني عشر حيث لا ذكر لهم صراحة ولا ضمنا في الآية ولا في غيرها في القرآن الكريم.

أما الرسالة لمحمد فلا يختلف عليها اثنان، فقد نزلت عليه وأمره الله تعالى بتبليغها، أما الولاية لعلي فلا يوجد آية واحدة تذكر ذلك صراحة ولا ضمنا، وكل آية يوردها علماء الشيعة بهذا الخصوص إنما يفسرونها بحسب تصورهم لا بحسب أصول تفسير الكتاب، وهم بذلك يصدق فيهم قوله تعالى:

﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ ‌زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ﴾ (آل عمران 7)

أي ما تشابه من الكتاب بما يعتقدون، بأن يأخذ كلمة أو اثنتين من آية ثم يعطونها معنى ثم يبنون على المعنى تصورا ومعتقدا.

2- قال تعالى : ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ (المائدة 55) .

استدل الشيعة بهذه الآية الكريمة على أحقية علي بالإمامة بعد الرسول حيث اعتبروا أن هذه الآية تدل على شرعية إمامة علي رضي الله عنه بعد النبي [14] وقد ادعوا الإجماع على ذلك، يقول ابن المطهر الحلي : (اتفق المفسرون و المحدثون من العامة و الخاصة أنها نزلت في علي لما تصدق على المسكين بمحضر من الصحابة…) [15].

والحق أن هذه الآية لا تثبت شيئاً مما يدعيه الشيعة، لأنها تخاطب مجموع المؤمنين و ليس علياً على وجه الخصوص.

والآية التالية تبين أن المؤمنين جميعا بعضهم أولياء بعض:

﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ ‌أَوْلِيَاءُ ‌بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (التوبة: 71)

وهكذا يبطل تخصيص آية الولاية (المائدة 55)  بعلي رضى الله عنه دون غيره من المؤمنين.

3- قوله تعالى : ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ ‌الرِّجْسَ ‌أَهْلَ ‌الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ (الأحزاب: 33)

زعم الشيعة أن لفظ أهل البيت في الآية مقصور على النبي و على علي بن أبي طالب و فاطمة و الحسن و الحسين ليصلوا بعد ذلك إلى أن الأئمة معصومين من جميع القبائح بحسب منطوق واستدلال الآية السالفة ، فالآية تقتضي المدح و التعظيم في ثبوت عصمة آل البيت و منهم الأئمة من جميع القبائح و الذنوب و الخطايا  [16] .

والحق أن هذه الآية لا علاقة لها بعلي وأبنائه أصلا[17]، لأنها تتحدث عن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وواجبهن في تبليغ الكتاب والحكمة. سياق الآية كما يلي:

﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا. وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ ‌الرِّجْسَ ‌أَهْلَ ‌الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا. وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا ﴾ (الأحزاب: 32-34)

ولإبطال دلالة الآية على أزواج النبي كان لا بد من اختراع أحاديث تبطل دلالة الآية في أذهان الأتباع، فاخترع الكثير منها كحديث الكساء[18] الذي ترويه كتب الشيعة وأهل السنة على السواء.

عقيدة المهدي عند الشيعة

عقيدة المهدي عند الشيعة تتمثل بالاعتقاد بعودة الإمام الثاني عشر الذي اختفى في طفولته ليظهر في آخر الزمان، ويقول الشِّيعة الإماميَّة أنَّ المهدي عندما يجيء في آخر الزَّمان سوف يحكم الأرض كلَّها ويصبحُ جميع النَّاس في عصره مسلمين صالحين، ويحاولون إثبات هذا من خلال بعض الآيات كقوله تعالى:

﴿‌هُوَ ‌الَّذِي ‌أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا ﴾ [الفتح: 28]

والحق أن هذه الآية لا علاقة لها بما ادعوه، وليس في كتاب الله تعالى آية واحدة تؤيد دعواهم ولو ضمنا.

إن ظهور المهدي في آخر الزَّمان كما يعتقده عموم المسلمين لا سيما الشِّيعة لا أصل له، وهو تقليد أعمى لضلال أهل الكتاب في انتظار المسيح، وهذا تضليلٌ مؤدَّاه إلهاء المسلمين عن الأخذ بالكتاب الذي أتمَّ الله دينَه به وجعل الهداية في الأخذ به وإعماله في الحياة، ذلك أنَّ العداء لهذا الكتاب ظهر مبكِّرا في عهد التَّنزيل، كما أورده قولُه تعالى:

﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ، قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي، إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ، إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾  (يونس 15).

إنَّ صدَّ النَّاس عن الكتاب هو دَيْدن أعداء الله تعالى؛ لعلِمهم أنَّ تمسُّك المسلمين به سيؤدِّي بهم إلى سيادة العالم كلِّه، وهذا وعد الله تعالى لكلِّ أمَّة تأخذُ بهذا الكتاب منهجا، وهذا معنى قوله تعالى:

﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ (التوبة 33).

﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ. إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾ (الأنبياء 105- 106).

فمن أراد الهداية فهي في كتاب الله تعالى الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. أمَّا انتظار الهداية من غيرِه فهو انتقاصٌ له وتكذيبٌ لوعد الله المرقوم فيه، كما أنَّه مضيعة للوقت في انتظار وهْمٍ صنَعه أعداءُ هذا الدِّين وانطلى _مع الأسف_ على كثيرٍ من المسلمين.

والزَّعم القائل أنَّ النَّاس سيصبحون في زمان المهديِّ مسلمين مردودٌ بقوله تعالى:

﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ. إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ، وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ، وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ (هود 119)

عهد الله إلى الأنبياء السابقين

ما بعث الله من نبي إلا وعهد إليه أن يؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم إذا بعث في زمانه، وقد أخذ الأنبياء العهد على أقوامهم أن يؤمنوا بخاتم النبيين عند بعثته.

قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ (آل عمران، 81) الإصر: هو عَقْدٌ ليُحْبَس به ويقال للشيء الذي تعقد به الأَشياء الإِصارُ.

والإِصْرُ العَهْد الثقيل يقال: أَخَذْت عليه إِصْراً وأَخَذْتُ منه إِصْراً أَي مَوْثِقاً من الله تعالى[19] ، وهذا الميثاق قد أخذه الله على النبيين جميعا، وقد أخذ به الأنبياء، وأخذوه على أقوامهم، فكان ذلك عهد الله إليهم فقبلوه، فالإصر هو العهد الذي أخذه الله على النبيين وأقوامهم باتباع خاتم النبيين محمد صلى الله عليه وسلم، ولن يتحللوا من هذا الإصر إلا باتباعه.

فالمهدي الذي بشَّر به جميع الأنبياء هو محمّد صلى الله عليه وسلم، ذلك أنَّ الله تعالى خاطبه في كتابه بقوله:

﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا، مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ، وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا، وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (الشورى، 52)

ولا يمكن أن يكون هاديا بالكتاب إلا أن يكون مهديَّا به. وإن كلَّ من تمسَّك بكتاب الله تعالى فإنَّه مهديٌّ كذلك، ذلك أنَّ الله تعالى يقول:

﴿الم. ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ (البقرة 1-2).

ولم يغفل المسيح ابن مريم عن تذكير قومه باتباع النبي الخاتم وتبشير قومه به. قال تعالى:

﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ (الصف، 6)

وقد عرف اليهود خاتم النبيين قبل بعثته لذكره في كتبهم[20]، قال تعالى:

﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ (البقرة، 89)

فاليهود كانوا يعلمون هذا النبي وينتظرونه؛ لأن الله وعدهم بالنصر على عدوهم إن آمنوا به ونصروه، وقد روي عن ابن عباس في تفسير قوله تعالى: (وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا)، يقول: كان أهل الكتاب يستنصرون بخروج محمد صلى الله عليه وسلم على مشركي العرب، فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم ورأوه من غيرهم، كفروا به وحسدوه[21].

قال الله تعالى في وصف من آمن بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم من أهل الكتاب: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ (الأعراف، 157)

كون النبي محمد خاتم النبيين يقتضي عدم تكليف أتباعه بالإيمان بنبي بعده، كالإيمان بعودة المسيح عليه السلام أو ظهور المهدي، لذا فإن خاتم النبيين لا إصر على أمته، وقد علمنا ربنا هذا الدعاء لنتذكر عدم تكليفنا بالإيمان بنبي قادم:

﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ (البقرة، 286)

يجادل الذين يؤمنون بظهور المهدي بأنه ليس نبيا بالرغم من أنهم يعطونه من الأوصاف ما يزيد عن أوصاف النبي، ويدفعهم لإنكار كونه نبيا تصريح القرآن بأن محمدا هو خاتم النبيين [الأحزاب: 40]، فهم يثبتون له كامل أوصاف النبي التي من أبرزها الاصطفاء والاختيار ورفع المكانة، وهذا تناقض في المعتقد، وهذا التناقض لازم لكونه ليس من عند الله تعالى، وصدق الله إذ يقول:

﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ ‌اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: 82]

لقد كانت بعثة النبي محمد صلى الله عليه وسلم ضرورية لتجديد رسالة الله إلى الخلق، وببعثته قد اكتمل الدين. قال تعالى:

﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (المائدة،3)

فما كان ضروريا قبل بعثته صلى الله عليه وسلم انتفى بعد بعثته.

اليهود لم يؤمنوا بالمسيح عند بعثته، لذا فإنهم ينتظرونه إلى يومنا هذا، أما النصارى فينتظرون عودة المسيح للدينونة، أما عموم المسلمين فينتظرون عودة المسيح وظهور المهدي، ولا شك أن المسلمين أكثر ضلالا في هذه المسألة من اليهود والنصارى.

بعد هذا البيان نخلص إلى ما يلي:

1_ إنّ ما عُهد إلى أتباع الأنبياء السابقين هو الإيمان بخاتم النبيين محمد صلى الله عليه وسلم، ولا يتحقق لهم التحلل من الإصر إلا باتباعه.

2_ لم يُكلف أتباع النبي محمد صلى الله عليه وسلم بالإيمان بنبي بعده، وذلك لتمام رسالته، ولأنه خاتم النبيين فلا نبي بعده بأي صفة كان.

3_ يتحقق الخير للبشرية بالعمل برسالة القرآن والتزامها، وليس بانتظار أنبياء جدد؛ قد صرح القرآن أنه لا وجود لهم بعد خاتم النبيين.

والقرآن الكريم بوصفه آخر الكتب نزولا، اقتضى أن يتميز بما يجعله كتاب هداية حتى قيام الساعة، وقد ظهر تميزه بما يلي:

1_ حفظه من التحريف والتبديل، قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر، 9)

2_ القرآن الكريم هو آية صدق على أنه كتاب الله، فكل آياته وسوره تنطق بالحق، وفيها الدليل على أنه ليس من تأليف الإنس أو إيحاء الجن، قال تعالى:

﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ (النساء، 82)

والتحدي به ما زال قائما وإلى قيام الساعة. قال تعالى:

﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ (الإسراء، 88)

3_ قراءة آيات القرآن وتدبرها ومعرفة المناسبات بين الآيات، وربط آيات الكتاب بآيات الكون هو سبيل السعادة في الدارين، وقد أشار القرآن إلى هذا المنهج في أكثر من مناسبة حيث دعا إلى النظر في الكون وما فيه من بديع صنع الخالق. قال تعالى:

﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ (الأعراف، 185)

4_ كلما تقدمت المعارف والعلوم وجدت القرآن متقدما عليها، قال الله تعالى:

﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ (الفرقان، 33)

5_ ما ورد في القرآن من أصول وقواعد وأحكام يصلح لكل زمان ومكان، قال تعالى:

﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ (الإسراء، 9)،

هذا الكتاب يهدي للتي هي أقوم، وإيراد صيغة التفضيل في هذا السياق للتأكيد على أن هذا الكتاب منفرد في هداية الخلق لما فيه الخير في الدنيا والآخرة، فكل نظام غيره قد يقود إلى بعض الخير في الدنيا لكنه قاصر عن تحقيق الخير لصاحبه في الآخرة، فاستحق القرآن وصف الخيرية بصيغة التفضيل مطلقا.

6_ الرسالة الأخيرة المصدقة لما قبلها احتوت مقومات البقاء جميعها. وقد تكفّل الله جل شأنه بأن يظهر هذا الدين على الدين كله في مواضع متعددة من كتابه فقال تعالى:

﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ (التوبة، 33)

﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ (الفتح، 28)

﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ (الصف، 9).

الخلط بين المهمة الدينية والولاية السياسية

يزعم الشيعة أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يمكن أن يترك أمته دون وصي وإمام يقودها ويقيم شرع الله فيها، وهم يرون أن هذه المهمة كفيلة بحفظ الدين من الضياع والاندثار، وكأن الدين لا تقوم له قائمة إلا بدولة ترعاه وتلزم الناس به، يقولون هذا بالرغم من أن الأنبياء جميعا لم يسع أحد منهم إلى السلطة أو الملك ، ولم تكن تلك مهمة أحدهم.

لقد عرض على خاتم النبيين أن يكون ملكا للعرب في بداية البعثة، لكنه رفض، بالرغم من إمكانية أن يبدأ الدعوة وهو ملك.

إن مهمة الأنبياء الأساسية هي تبليغ رسالة الله تعالى إلى البشر دون إكراه أو إغراء بثراء أو مكانة، ولا شك أن النبي المتجرد عن السلطة والملك تتحقق له الدعوة المجردة عن المنافع، لذا لم يُطلب منهم أن يكونوا ملوكا وقادة لأممهم، ولم ينازع أحد منهم ملكا في ملكه، بل كان عنوان دعوتهم:

﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ ‌عَلَيْهِ ‌مِنْ أَجْرٍ ﴾ الفرقان 57، الشعراء 109، 145، 174، 180، الأحزاب 19)

إلا إذا بايعهم الناس على السمع والطاعة بمحض إرادتهم وسعي منهم، حتى إن غالبية الأنبياء والرسل لم يتولوا مهمة الرئاسة ولم يعرف عن نبي أنه سعى إليها.

ومن الشواهد على ذلك أن الله تعالى أرسل موسى وهارون عليهما السلام إلى فرعون لأجل الإصلاح فحسب، وليس للانقلاب عليه، قال الله تعالى:

﴿اذْهَبْ أَنْتَ ‌وَأَخُوكَ ‌بِآيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي. اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى. فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ (طه: 42-44)

وقد عمل يوسف عليه السلام تحت إدارة ملك مصر عندما رشحه الملك لمنصب الوزارة بالرغم من أنه نبي مبعوث من قبل الله تعالى:

﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ ‌أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ. قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ. وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (يوسف: 54-56)

وقد طلب بنوا إسرائيل من نبي لهم أن ينصب عليهم ملكا يقودهم، والغريب أن الله تعالى لم يختر ذلك النبي ليكون ملكا عليهم بل اختار رجلا آخر اسمه طالوت الذي كان جديرا بالمُلك أكثر من النبي، كما جاء في قوله تعالى:

﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ … وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ ‌لَكُمْ ‌طَالُوتَ مَلِكًا﴾ (البقرة: 246-247)

الآية التالية واضحة الدلالة في الفصل بين النبوة والملك:

﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ ‌وَجَعَلَكُمْ ‌مُلُوكًا﴾ (المائدة: 20)

إن لم تكن النبوة لازمة للملك فمن باب أولى أن لا تكون الإمامة في الدين لازمة له.

ولأن الملك ليس مطلبا دينيا لم ترد نصوص في القرآن تبين شكلا لنظام الحكم، عدا عن تلك النصوص التي تأمر من يلي أمر الناس بالتشاور معهم بغض النظر عن مستوى تلك الولاية:

﴿‌وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ (آل عمران: 159)

والعدل فيهم:

﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا ‌بِالْعَدْلِ﴾ (النساء: 58)

والحكم بينهم بما أنزل الله تعالى:

﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ ﴾ (المائدة: 48)

ولو أراد الله تعالى نظاما معينا للحكم لنص عليه في كتابه ولبينه للناس:

﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ ‌نَسِيًّا ﴾ (مريم: 64)

ولما لم يوجد مثل هذا النص فهمنا أن هذه المسألة تجري بتشاور المسلمين وبيعتهم لمن يرضونه إماما:

﴿وَأَمْرُهُمْ ‌شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ (الشورى: 38)

ونحن نعلم – مثلاً – بأن عملية التنصيب التي جرت مع الخلفاء الراشدين بعضها يختلف عن البعض الآخر، فما جرى من تنصيب للخليفة الأول يختلف عما جرى مع الخليفة الثاني، وهما غير ما حدث مع الثالث، وكذا إن ما جرى مع الثلاثة مختلف عما جرى مع الرابع. ولم تكن جميع صور التنصيب السابقة قائمة على مبدأ الشورى، كما أن الأخيرة التي حدثت بفعل قرار الخليفة الثاني لم تكن بين جميع المؤمنين ولا جميع أهل الحل والعقد، وكذا يقال بخصوص البيعة حيث لم تحدث على وتيرة واحدة، وبالتالي لا توجد هناك آليات ثابتة ومفصلة للتنصيب. والحال ذاته ينطبق على ما يتعلق بطبيعة العلاقة التي تحكم الحاكم بالمحكوم، ونعلم كم الفارق بين الطريقة التي سار عليها الخليفتان الأول والثاني، وبين ما أحدثه الخليفة الثالث من تغيير[22].

اما بخصوص فكرة الشيعة عن الخلافة فمن الواضح أنه بالرغم مما ظهر من نزاع بين الصحابة بعد النبي حول الخلافة إلا أنه لم يرد عنهم أي ذكر للوصية والنص عليها، ولا يعقل أن المهاجرين والأنصار تجاهلوها بإجماع، خصوصاً وإن خسارة الأنصار أمام المهاجرين يوم السقيفة يجعلهم في أمس الحاجة لتوظيف مثل هذا السلاح إن كان موجوداً، كما أن الإمام علياً هو الآخر لم يحتج بالنص على حقه في الخلافة، بل روي أنه احتج على حقه تبعاً لاعتبارات فضله في الإسلام ومكانته من النبي[23].

وأيضاً فأن تنازله عن حقه في الخلافة ومبايعته لغيره وقبوله أن يرضى كواحد من أعضاء الشورى المرشحين للخلافة بعد عمر بن الخطاب من غير اعتراض يتعلق بالنص – سوى ما كان يذكّر به من مناقبه – رغم ما آلت إليه النتيجة من عدم اختياره للحكم، كل ذلك يجعل أمر الوصية في الخلافة مستبعداً.

هذا بالإضافة الى الروايات التي دلت على ما أبداه من مرونة فائقة عند إلحاح الناس عليه بالبيعة بعد مقتل عثمان، حيث فضّل أن يكون لهم وزيراً من أن يكون عليهم أميراً، وكما جاء في (نهج البلاغة) قوله:

“دعوني والتمسوا غيري .. واعلموا أني إن أجبتكم ركبت بكم ما أعلم، ولم أُصغ إلى قول القائل وعتب العاتب، وإن تركتموني فأنا كأحدكم، ولَعلي أسمعكم وأطوعكم لمن وليتموه أمركم، وأنا لكم وزير خير لكم مني أميراً[24]

لكنه مع ذلك استجاب إلى رغبة الناس بعد إلحاح منهم، فقد روي عنه أنه قال:

“فأقبلتم أليّ إقبال العوذ المطافيل على أولادها، تقولون : البيعة البيعة ! قبضت كفي فبسطتموها، ونازعتكم يدي فجاذبتموها “[25].

وروي عنه أنه قال أيضاً: ‹‹والله ما كانت لي في الخلافة رغبة ولا في الولاية إربة، ولكنكم دعوتموني إليها وحملتموني عليها”[26]

ولا شك أن المرونة التي أبداها الإمام علي لا تتسق مع مبدأ التعيين والوصية. وينطبق هذا الأمر على ما حدث لولده الحسن الزكي حين صالح معاوية وتنازل له عن أمر الخلافة. بل إن علياً في بعض ما روي عنه لا يضفي على الخلافة التحديد اللاهوتي (الكهنوتي) ولا الشخصي، بل رأى أن لها شروطاً إسلامية عامة[27]

يدل على ذلك ما روي عنه أنه قال:

“قد علمتم أنه لا ينبغي أن يكون الوالي على الفروج والدماء والمغانم والأحكام وإمامة المسلمين البخيل.. ولا الجاهل .. ولا الجافي .. ولا الحائف للدول.. ولا مرتشي في الحكم .. ولا المعطل للسنة “[28]

وكذا قوله رضي الله عنه في رسالة له إلى معاوية:

‹‹إنه بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان على ما بايعوهم عليه، فلم يكن للشاهد أن يختار ولا للغائب أن يرد، وإنما الشورى للمهاجرين والأنصار، فأن اجتمعوا على رجل وسموه إماماً كان ذلك لله رضى”[29]

كما ورد عنه قوله في خطبة له:

“أيها الناس إن أحق الناس بهذا الأمر – الخلافة – أقواهم عليه وأعلمهم بأمر الله فيه”[30]

كل ما سبق من أدلة القرآن والنقول الموافقة له تدل صراحة على نفي الإمامة بالمعنى السياسي المراد لدى الشيعة، بل كذلك ينفي معناها اللاهوتي/الكهنوتي المضفى عليه صفة التعيين المنزل كرديف للنبوة.

كيف نتخلص من التشرذم والطائفية التي ابتعدت بنا عن القرآن؟

إن أولى مراحل العلاج الاعتراف بالمرض، المريض إذا لم يعترف بمرضه فإنه لن يتقبل فكرة العلاج، فإن اعترفنا أن ما نعيشه من ضعف وهوان وتشرذم وطائفية سببه البعد عن كتاب الله تعالى والانشغال بغيره فقد بدأنا برحلة الشفاء التي لن تكون طويلة، لأن العلاج الرباني جاهز يتمثل بالأخذ بكتاب الله بقوة ودون تردد مع الإيمان المطلق أنه شفاء لكل أمراض الأمة. يقول الله تعالى:

﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ ‌شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا ﴾ (الإسراء: 82)

﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ ‌وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ. قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ (يونس: 57-58)

﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى ‌وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ ﴾ (فصلت: 44)

والعودة إلى القرآن لا تعني التنكر لكل جهود علماء المذاهب واجتهاداتهم في استخلاص الحكمة والنافع من الفقه والفكر، لكنها تعني جعل القرآن إماما وهاديا، وهذا يدعونا إلى إعادة قراءة التراث في ضوء القرآن، فما توافق معه أخذناه وما تناقض تركناه.

إن قراءة التراث بعين مبصرة لا مقدسة هي الخيار الوحيد للخروج من التناقض الذي تعيشه الأمة، لأن التراث هو جهد البشر في فهم الدين، وهم مهما علا قدرهم إلا أنهم يبقون بشرا يتأثرون بظروف الزمان والمكان وكذا المتغيرات السياسية والاجتماعية.

وقف السليمانية/ مركز بحوث الدين والفطرة

المصدر: موقع حبل الله www.hablullah.com

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]  كامل مصطفى الشيبي، الصلة بين التصوف والتشيع، ص ١١ – ١٤

[2]  محمد باقر الصدر، نشأة التشيع والشيعة، ص 16

[3]  انظر عبد العزيز بايندر (الأديان الموازية والأمّيون) https://www.hablullah.com/?p=2913

[4]  محمد رضا المظفر، العقائد الإمامية، ص 253

[5]  المصدر السابق، ص 65

[6]  المصدر السابق، ص 65

[7]  يحيى محمد، الحديث الشيعي ومشكلة العقيدة، موقع فهم الدين  https://www.fahmaldin.net/index.php?id=100

[8]  محمد رضا المظفر، العقائد الإمامية، ص 65

[9]  جمال نجم،  قتل النبيين والنبوة /ادعاء عصمة الأنبياء  https://www.hablullah.com/?p=3106

[10]  الصوارم المهرقة في جواب الصواعق المحرقة ، ص 50.

[11]  الخميني، الحكومة الإسلامية ، ص47.

[12]  بحر العلوم، الفوائد الرجالية، ج3، ص220

[13]  انظر تلخيص الشافي ، ج 1/ قسم 2/253 – والطبرسي، مجمع البيان ، ج1/457.

[14]  الطبرسي، مجمع البيان ، ج2/182.

[15]  ابن المطهر الحلي، منهاج الكرامة ، ص147.

[16]  الطبرسي، مجمع البيان ، ج1/50 .

[17]  انظر عبد الله القيسي، أهل البيت في القرآن، موقع حبل الله https://www.hablullah.com/?p=7624

[18]  روى الإمام أحمد في مسنده قال: حدثنا محمد بن مصعب، قال: حدثنا الأوزاعي، عن شداد أبي عمار، قال: دخلت على واثلة بن الأسقع، وعنده قوم، فذكروا عليا، فلما قاموا قال لي: ألا أخبرك بما رأيت من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قلت: بلى، قال: أتيت فاطمة رضي الله تعالى عنها أسألها عن علي، قالت: توجه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فجلست أنتظره حتى جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه علي وحسن وحسين رضي الله تعالى عنهم، آخذ كل واحد منهما بيده، حتى دخل فأدنى عليا وفاطمة، فأجلسهما بين يديه، وأجلس حسنا، وحسينا كل واحد منهما على فخذه، ثم لف عليهم ثوبه – أو قال: كساء – ثم تلا هذه الآية: ﴿إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ‌ويطهركم ‌تطهيرا﴾ [الأحزاب: 33] وقال: ” اللهم هؤلاء أهل بيتي، وأهل بيتي أحق “» «مسند أحمد» (28/ 195 ط الرسالة)

[19]  لسان العرب، مادة اصر، 4/22

[20]  تتحدث التوراة عن نبينا الخاتم كما يلي:

“أُقِيمُ لَهُمْ نَبِيًّا مِنْ وَسَطِ إِخْوَتِهِمْ مِثْلَكَ، وَأَجْعَلُ كَلاَمِي فِي فَمِهِ، فَيُكَلِّمُهُمْ بِكُلِّ مَا أُوصِيهِ بِهِ” (سفر التثنية، 18/ 18-19)

وتعبير (من وسط إخوتهم) يشير إلى القربى بين بني اسحاق وبين بني إسماعيل، وأهلُ مكَّة هم من نسل إسماعيل عليه السَّلام، أمَّا بنو إسرائيل فهم من نسل أخيه إسحاق، فقوله من وسط إخوتهم أي من وسط بني إسماعيل، أي أهل مكة.

وعبارات الإنجيل هي كما يلي:

“وَأَمَّا الآنَ فَأَنَا مَاضٍ إِلَى الَّذِي أَرْسَلَنِي، وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْكُمْ يَسْأَلُنِي: أَيْنَ تَمْضِي؟ لكِنْ لأَنِّي قُلْتُ لَكُمْ هذَا قَدْ مَلأَ الْحُزْنُ قُلُوبَكُمْ. لكِنِّي أَقُولُ لَكُمُ الْحَقَّ: إِنَّهُ خَيْرٌ لَكُمْ أَنْ أَنْطَلِقَ، لأَنَّهُ إِنْ لَمْ أَنْطَلِقْ لاَ يَأْتِيكُمُ الْمُعَزِّي، وَلكِنْ إِنْ ذَهَبْتُ أُرْسِلُهُ إِلَيْكُمْ. وَمَتَى جَاءَ ذَاكَ يُبَكِّتُ الْعَالَمَ عَلَى خَطِيَّةٍ وَعَلَى بِرّ وَعَلَى دَيْنُونَةٍ: أَمَّا عَلَى خَطِيَّةٍ فَلأَنَّهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ بِي. وَأَمَّا عَلَى بِرّ فَلأَنِّي ذَاهِبٌ إِلَى أَبِي وَلاَ تَرَوْنَنِي أَيْضًا. وَأَمَّا عَلَى دَيْنُونَةٍ فَلأَنَّ رَئِيسَ هذَا الْعَالَمِ قَدْ دِينَ. إِنَّ لِي أُمُورًا كَثِيرَةً أَيْضًا لأَقُولَ لَكُمْ، وَلكِنْ لاَ تَسْتَطِيعُونَ أَنْ تَحْتَمِلُوا الآنَ. وَأَمَّا مَتَى جَاءَ ذَاكَ، رُوحُ الْحَقِّ، فَهُوَ يُرْشِدُكُمْ إِلَى جَمِيعِ الْحَقِّ، لأَنَّهُ لاَ يَتَكَلَّمُ مِنْ نَفْسِهِ، بَلْ كُلُّ مَا يَسْمَعُ يَتَكَلَّمُ بِهِ، وَيُخْبِرُكُمْ بِأُمُورٍ آتِيَةٍ. ذَاكَ يُمَجِّدُنِي، لأَنَّهُ يَأْخُذُ مِمَّا لِي وَيُخْبِرُكُم”. (انجيل يوحنا 16/5-14)

[21]  تفسير الطبري، 2/332

[22]  يحيى محمد، الفكر الإسلامي والفهم المقصدي والتعبدي للدين، مجلة الحياة الطيبة، عدد 15، 2004م

[23]  يحيى محمد، الحديث الشيعي ومشكلة العقيدة ، موقع فهم الدين

[24]  صبحي الصالح، نهج البلاغة، منشورات دار الهجرة، قم، الطبعة الخامسة، 1412هـ، خطبة رقم 92

[25]  المصدر السابق، خطبة رقم 137

[26]  المصدر الساق، خطبة رقم 205

[27]  يحيى محمد، الحديث الشيعي ومشكلة العقيدة ، موقع فهم الدين

[28]  نهج البلاغة، خطبة رقم 131

[29]  المصدر السابق، كتاب 6

[30]  المصدر السابق، خطبة رقم 173

تصنيفات

Your Header Sidebar area is currently empty. Hurry up and add some widgets.