حبل الله
اختلاف الروايات في عدد المقتولين من أسرى بني قريظة

اختلاف الروايات في عدد المقتولين من أسرى بني قريظة

السؤال:

لقد قرأت مقالة (غزوة بني قريظة بين الحقائق والأساطير) وعندي سؤال للباحث جمال نجم جزاه الله خيرا : كيف يمكننا التوفيق بين ما طرحته من أسئلة منطقية وبين وجود حديث بإسناد صحيح أن عددهم كان ٤٠٠ وحديث آخر بإسناد صحيح عند ابن زنجويه بأن العدد كان ٤٠

أرجو الرد وعدم الاستهانة بسؤالي لأن قصة بني قريظة تؤرقني للغاية وشكرا.

الجواب:

شكرا للسائلة الكريمة على سؤالها القيم الذي سيكون مفتاحا لإجابة قيمة كذلك بإذن الله تعالى.

لا بد أن نتفق أولا أن إعطاء صفة الصحة لرواية معينة لا يعني الجزم بصدورها عن نبينا الكريم، أو أنها تنبئ عما حدث بالفعل، فتصحيح الروايات وكذلك تضعيفها اعتمد في الأساس على جهود الأفراد في زمن معين، ولا ريب أن جهد البشر مهما عظم لا يتصف بالكمال، وهذا يقتضي أن تكون ثمة روايات غير صحيحة لكنها وصفت بالصحة بحسب ما توصل إليه المصحح من أحوال الرواة من حيث عدالتهم وحفظهم.

إن الوقوف على عدالة الرواة غير ممكن بكماله، فيمكن أن نحكم بعدالة راو أو أكثر من خلال ما عُرف عنهم من حسن إسلامهم في الوقت الذي ربما كانوا من المنافقين، فقد كان نبينا الكريم ينخدع بأقوال المنافقين وأفعالهم بالرغم من أنه عاصرهم وعايشهم، كما أنبأت بذلك سورة المنافقون:

﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ ‌تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [المنافقون: 4] 

وكيف يمكن أن تكون كلا الروايتين صحيحتين والأولى تقول بأن عدد المقتولين من بني قريظة 400 بينما الأخرى تقول بأنهم 40؟ وصدق الله تعالى إذ يقول:

﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ ‌اخْتِلَافًا كَثِيرًا ﴾ [النساء: 82] 

والحق أننا لو عرضنا هاتين الروايتين على كتاب الله تعالى الذي نطقت آياته بأحداث غزوة بني قريظة بالتفصيل [الأحزاب: 26- 27]   لوجدناها مكذوبة كغيرها من الروايات التي تقول بأن نبينا الكريم قد ترك الحكم فيهم لأحد أصحابه بالرغم من وضوح حكم الله تعالى في أسرى الحرب كما نصت عليه الآية الرابعة من سورة محمد، وهو المن أو الفداء[1] قال الله تعالى:

﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا ‌مَنًّا ‌بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ [محمد: 4] 

إن المعيار الحق في قبول رواية أو ردها هو عرضها على كتاب الله تعالى، فإن وافقت نصوصه ومقاصده فهي رواية صحيحة حتى لو لم يُحكم على سندها بالصحة، ولا عبرة حينئذ أن يكون الراوي ممن صُنف ثقة أو غير ذلك، لأن الله تعالى لم يأمرنا برد خبر الفاسق وإنما أمرنا بأن نتبيَّن خبره إن كان صحيحا أو كاذبا:

﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ ‌فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ﴾ [الحجرات: 6] 

كما ينبغي إخضاع الرواية إلى القوانين والسنن الكونية، لأن الكون وما فيه من المخلوقات يسير ضمن القوانين والسنن التي أوجدها الله تعالى فيه، فلا يمكن أن يتعارض النص الديني مع القانون الطبيعي؛ لأن مصدرهما واحد. قال الله تعالى:

﴿أَوَلَمْ يَرَوْا ‌إِلَى ‌مَا ‌خَلَقَ ‌اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ. وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [النحل: 48-49] 

وقد خلق الله تعالى كل شيء بقدر، ثم أمر عباده بمراعاة تلك المقادير في حكمهم على الأشياء والتصرف بناء عليها.

﴿ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ ‌بِقَدَرٍ ﴾ [القمر: 49] 

﴿ظَهَرَ ‌الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾ [الروم: 41] 

تخبر الآية أن عدم مراعاة القوانين الطبيعية سيؤدي فساد في البر والبحر، وهذا ما نشاهده عيانا في عصرنا الحاضر حيث تلوث الماء والهواء بفعل أنشطة الإنسان التي لا تراعي القوانين الطبيعية.

والخلاصة أن الرواية التي وصلتنا عن رسول الله تعالى لا بد أن تخضع لمعيارين أساسيين  قبل الأخذ بها:

الأول: معيار الكتاب المنزل وهو (القرآن الكريم)

الثاني: معيار الكتاب المخلوق وهو (الكون وقوانينه)

*وللمزيد حول الموضوع ننصح بالاطلاع على المواضيع ذات الصلة التالية:

متى تكون الرِّواية عن النَّبيِّ حُجَّةً مُلزمة https://www.hablullah.com/?p=5191

مصطلح السُّنَّة بحسب القرآن والتراث https://www.hablullah.com/?p=5877

تقييد السنة بالكتاب https://www.hablullah.com/?p=2244

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]  انظر جمال نجم (غزوة بني قريظة بين الحقائق والأساطير) https://www.hablullah.com/?p=2100

تصنيفات

Your Header Sidebar area is currently empty. Hurry up and add some widgets.