حبل الله
كرهت الزواج بسبب سلوك أبيها في أسرته

كرهت الزواج بسبب سلوك أبيها في أسرته

السؤال:

أنا فتاة في ٢٤ من العمر، أكره الزواج رغم كوني أتمنى أن تكون لي عائلة خاصة بي وبيت دافئ، لكن أرى أن تعاليم الإسلام لا تجعل البيوت مبنية على ذلك، فهي تعطي للرجل كل الصلاحيات ليكون سعيدا لكن لا شيء للمرأة، هذا كان رأيي، لكن بدأ الأمر يتغير قليلا بعد متابعتكم، ولكن المشكلة في أن بيتنا قائم على طاعة الزوج والأب، فلا فرصة لقول رأيي أو المناقشة، وهكذا عاشت أمي حياتها بين إما أن تنفذ كلام أبي دون أي كلمة وإما أن تصبح ناشزا فيقوم بإهانتها والقول لها بأنها كافرة للعشير وأنها من أكثر أهل النار، وأنه قوام عليها، وأنه هو جنتها ونارها، فإن أطاعته دخلت الجنة، بل _والله_ أنه قال لها ذات مرة أمامنا أنها أسيرة عنده وأنه سيدها وأن المهر هو ثمن شرائها فلو شاء يعاملها كزوجة وإن شاء عاملها كخادمة عنده، وأن الرجل يحق له أن يعدد دون علم زوجته بالأمر، فلا حق لها بالرفض أو القبول، حتى إن كانت أفضل نساء الدنيا وتفعل كل شيء لإرضائه فهو يحق له الزواج عليها، فهل ما قاله أبي بالفعل صحيح؟

كرهت الزواج وأرفض كل من يتقدم لي لأنهم بنفس فكر والدي، ولا أجد من يشابه فكره فكري، وعندما سألني والدي عن رفضي الدائم صارحته بأفكاري فاتهمني بالكفر والضلال وأنني نسوية، وقال أنني أتبع منهج القرآنيين بل والعلمانيين أيضا، وهذه الأحاديث صحيحة ولا يصح لي الشك في الحديث لأنه لا يرضي أهوائي، وأن الشك في الحديث كالشك في القرآن، معللا ذلك بأنني إن شككت في الحديث وكلام العلماء سيأتي يوم وأشك في كتاب الله. لا أعلم ماذا أفعل بصدق فساعدوني.

أعرف في جامعتي شابا بوذيا وقد أخبرني بأنه يريد الزواج مني، وعندما أخبرته بأنه لا يصح لاختلاف ديننا قال إنه سيدخل الإسلام ويتقدم لي. وأنا أعلم أنه سيدخل الإسلام وقلبه ليس مؤمنا به، لكن أفكر في الموافقة عليه لأن الحياة معه أهون علي من الحياة مع رجل تقليدي.

أطلت الحديث، لكن _والله_ لا أجد موقعا سوى موقعكم لمساعدتي، فكل المواقع أعرف ردودها سلفا.

الجواب:

أمر الله تعالى الأزواج أن يكونوا قوامين في بيوتهم، أي يقوموا على رعايتها وحفظها والإنفاق عليها بقوله سبحانه:

﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ (النساء 34).

وإعطاء زوجته كامل حقوقها حتى لو كرهها، قَالَ سُبْحَانَهُ:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًاۖ وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍۚ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِۚ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ (النساء 19).

فكيف يمكن أن نتصور زوجا مسلما يسمع آيات الله تعالى ثم يهين أهله (زوجته أو بنته) ويشعرهم بالدونية وأن زوجته أسيرة عنده وله الحق في إذلالها؟!

ولنا أن نتساءل: من الذي أحل لأحد أن يهين الآخرين حتى لو كانوا خدما في البيوت أو عاملين؟

لقد أمرنا الله تعالى في كتابه بالإحسان إلى الناس جميعا لا سيما الأهل والمقربين من الخدم والعمال وحتى أسرى الحرب أمرنا بالإحسان إليهم، وجعل ذلك من تبعات الإيمان به وعبادته فقَالَ سُبْحَانَهُ:

﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًاۖ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ (النساء 36)

فتعاليم الإسلام هي التي تجعل البيوت تُبنى على السكينة والرحمة والمودة والعدل والتعاون، وما تعاني منه أغلب البيوت ما هي إلا نتاج ابتعادهم عن منهج الإسلام الصحيح.

وقد تحدثنا كثيرًا في موقعنا عن أن دين الله تعالى وسنته وتطبيقات رسوله بعيدة كل البعد عن تلك الأقاويل والتحريفات التي نسجت تحت شعار (قول الرسول وسنته) حيث نسبت إليه الروايات التي تنظر للمرأة بالدونية وتجعلها أكثر أهل النار وأنها مخلوقة من أجل الرجل وأنها ناقصة عقل ودين، إن تلك النظرة هي امتداد لحكم الجاهلية الذي حذرنا الله تعالى منه بعدما أمرنا باتباع كتابه:

﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَۖ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْۗ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ * أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَۚ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (المائدة 49: 50).

ولا يصدق مثل تلك الافتراءات وينساق إليها إلا من انتكست فطرته وابتعد عن منهج ربه، تلك الفطرة التي أودعها الله سبحانه في قلوب عباده لتسوقهم نحو العدل والرحمة والحق والخلق الحسن:

﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًاۚ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَاۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (الرّوم 30).

وفي الحقيقة فإن تلك الافتراءات لا تسيء لمكانة المرأة بقدر ما تسيء إلى عدله تعالى وخُلق رسوله الكريم.

ويمكن للسائلة أن تطلع على هذه المقالات والفتاوى لتدرك كيف تفرق بين ما أنزل الله على رسوله وبين ما لم ينزل به من سلطان، وكذلك الرد على ما يدور في قلب السائلة من الأمور الخاصة بالمرأة.

وعليها أن تعلم أن تلك الاتهامات التي تلقى على من يتبع كتاب الله تعالى ونعته بالعلماني والمرتد لا ينبغي أن تجعل المؤمن يفقد الثقة في ربه الذي أخبرنا أن المؤمنين سيتعرضون لتلك الاتهامات، حتى رسولنا الكريم وصحابته قد تعرضوا لمثلها وأكثر، قَالَ اللَّهُ تَعَالَىٰ:

﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًاۚ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (آل عمران 186).

ولا ينبغي للمسلم أن يزيغ الشيطان قلبه ويجعله يشك في كلام الله تعالى كمن قيل فيهم:

﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّه﴾ (العنكبوت 10).

حيث لا توجد مقارنة بين كلام الله الذي:

﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِۖ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ (فصّلت 42)

وبين كلام البشر الذي يشوبه التحريف والزيف والزخرف، قَالَ سُبْحَانَهُ:

﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًاۚ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُۖ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ (الأنعام 112).

وينبغي على كل مسلم  أن يضع كل رواية عن نبينا أو قول عالم في ميزان القرآن ليتبين له صدقه من كذبه[1]:

﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّۖ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ (الجاثية 6).

أما بالنسبة للعقدة النفسية التي تعاني منها السائلة وخوفها من الزواج فهو أمر طبيعي نتيجة سلوك أبيها مع أسرته، حيث يقع عليها أن تتحدث معه وتدعوه بالحكمة والموعظة الحسنة عسى أن يغير فكره ويعود لكتاب ربه، وأفضل التذكير يكون بكتاب الله تعالى، حيث تقرأ عليه من الكتاب ما يذكره بضرورة الالتزام به، قال الله تعالى:

﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْۖ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ (الحديد 16)

ومن جهة أخرى فعليها أن تتحرى في اختيار من تريد الزواج منه ليس فقط بمعرفة أرائه ومنظوره للمرأة،  وإنما تنظر كيف يعامل أمَّه وأخته، وكيف يتعامل مع النساء في عائلته وفي المجتمع بشكل عام.

أما عن الزواج من الشاب البوذي الذي دخل في الإسلام فإن رأت فيه الخلق القويم فلا يوجد ما يمنع زواجها منه، ولا علاقة لها ما إذا كان سيسلم بقلبه أم بلسانه، لأنه سبحانه هو الذي يعلم السر وأخفى، ويقع عليها أن تدعوه إلى كتاب الله قولًا وعملًا وأن تتأكد من أخلاقه ولا ترمي بنفسها من أجل أن تتخلص من حياة لا تريدها وتضع نفسها بين خيارين كلاهما مر.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]  انظر مقالة (متى تكون الرواية عن النبي حجة ملزمة) https://www.hablullah.com/?p=5191

 

تصنيفات

Your Header Sidebar area is currently empty. Hurry up and add some widgets.