حبل الله
الرد على بعض الشبهات المتعلقة بتمييز الرجال على النساء

الرد على بعض الشبهات المتعلقة بتمييز الرجال على النساء

السؤال: طالما انتابني شعور بأن الله ميز الذكر عن الأنثى في كل شيء (استغفر الله العظيم) … و يحول هذا الشعور بيني و بين كل خطواتي للتقرب من الله تعالى .. فعندما انظر لصور بها وضعية صلاة الزوجة مع زوجها وأرى أننا دائما بالخلف فهذا يحزنني. أعلم أنه من الهراء أن افكر بهذه الطريقة ولكني أحتاج المساعدة، و لقد ساعدني موقعكم كثيرا بالفعل. عندما أقرأ القرآن أجد أن الآيات دائما ما تبدأ بالتذكير دائما هم (الذكور) في المقدمة و نحن في الخلف! ودائما ما تصرح الآيات بأن لهم علينا درجة ونحن أقل! دائما ما يضعنا في وضع التابع سواء للأب أو الزوج، فمتى نقود؟! متى نصبح بالمقدمة؟ لم أشعر يوما أنه وضعنا في نفس تقدير أو مكانة الذكر! حتى في الجنة تجد أنه يشجعه بالحور العين و يحمسه فأين تشجيعنا! نحن أيضا نخوض الصعاب ونجاهد، نعتذر دائما أشعر أن شخصيتنا ملغاة، ففي بيت الزوج يجعل له القرار وهي بلا رأي مع أنها قد تكون الأذكى، كيف أتغلب على هذا الإحساس الذي يزعجني؟ أعتذر عن سؤالي و لكنه دائما يأتي في بالي ويؤلمني.

 

الجواب: في البداية يجب توضيح أن التفكير بهذه الطريقة على الرغم أنه مفيد ويساعد الإنسان على كشف الحقائق والوصول إلى الإيمان بالله سبحانه، لكنه في الوقت نفسه قد يضر صاحبه أكثر مما يفيده، فالإنسان بفطرته يدرك تمامًا أنه لا بد لإله هذا الكون أن يكون عادلًا ولا يظلم عباده. والإيمان يبدأ بالتسليم لأوامر الله في كتابه، ثم بعد ذلك يتساءل عن الحكمة من وراء تلك الأوامر، وهذا ليس خطأ بل على العكس تمامًا فإن السؤال والبحث هو أول طريق اليقين ولكن الخطأ يكمن في نقاط هامة ألا وهي:

  • عندما يسأل شخص عن أسباب ما يفعله رب العالمين وكأنه يحاسبه ويتناسى أنه العبد الضعيف وأنه يسأل مالك الملك الذي ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ (الأنبياء 23) فكان عليه أن يضع توقيره لربه في سؤاله ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ (نوح 13) كي لا يكون تجرأه حاجزًا ومانعًا له من الفهم والتدبر وبلوغ الحكمة التي أنزلها الله سبحانه في كتابه ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ ‌وَيُعَلِّمُكُمُ ‌اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (البقرة 282)
  • أنه إن لم يصل إلى الحكمة من وراء ما يشغله فإنه يضع ذلك الأمر في كفة واحدة أمام إيمانه وكأنه يقايض ربه، وينطبق عليه قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍۖ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِۖ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ (الحج 11)
  • أما إن وصل إلى الحكمة ولكنه يصر على موقفه ويتبع هواه رغم وضوح الحقيقة أمام عينيه فيحذره ربه ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ (الجاثية 23).

ولتجنب كل ما سبق فعلينا دائمًا الاستعاذة بالله من وساوس الشيطان الذي يجعلنا في حالة تربص للآيات عند تلاوتها: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ (النحل 98) فالاستعادة هنا ليست لطرد الشيطان كما يدّعون وإنما هي لطرد وسواسه التي تقف بيننا وبين فهم وإدراك الحكمة البالغة في فعل الله تعالى أو في كلمة أو حرف في كتابه عسى الله أن ينعم علينا ويؤتينا الحكمة: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُۚ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًاۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (البقرة 269).

أما بالنسبة للسؤال عن الحكمة من إمامة الزوج لزوجته في الصلاة فإن الله سبحانه قد خلق المرأة زينة في ذاتها، فجسدها فيه رغبة من الرجل قال تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ﴾ (آل عمران 14) فالمرأة جاءت في المرتبة الأولى في مراتب الزينة المطلوبة، ولهذا نهاها عن التبرج وأمرها باللباس الساتر. وهي تقف خلف زوجها كي لا تكون سببًا في إنشغاله بها عن صلاته وليس لأنها أقل منه مرتبة، لأنه الخشوع مطلوب في الصلاة، فالله سبحانه لن يتقبل صلاة الرجل لأنه في المقدمة ولا يتقبل صلاة المرأة لأنها في الخلف، بل يقبل الله تعالى صلاة الخاشع حتى لو صلى في آخر الصفوف أو حتى خارج المسجد، لأنه تعالى ينظر إلى القلوب ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ (المائدة 27) ولم يقل (يتقبل من الرجال أو من المتقدمين)[1].

وبالنسبة للسؤال عن بدء الآيات بالتذكير ثم يأتي بعده المؤنث؟

للإجابة عن هذا السؤال علينا أن نسأل أنفسنا لماذا خلق الله سبحانه آدم ﷺ أولًا ثم خلق زوجته بعده؟!

وكذلك علينا أن نتساءل لماذا يأتي الخطاب في القرآن في كثير من الآيات بلفظ المذكر ولا يذكر المؤنث مطلقًا؟ فهل ظلم الله تعالى الأثنى وجعلها في حالة متأخرة دائمًا؟ تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا

فإن المتدبر لكتاب الله تعالى _بعيدًا عن وساوس الشيطان_ يجده نزل ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ (الشعراء 195) ومن قواعد اللغة التي نزل بها الكتاب أن الخطاب للمذكر يشمل الذكر والأنثى على عكس خطاب المؤنث المقتصر على جنس النساء.

أليست المرأة داخلة في نداء ربها ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ ﴿يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ﴾ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾  ؟! أم أن المرأة ليست من الناس أو من بني آدم أو المؤمنين؟!

وهل جاء في كتاب الله (يا أيها الرجال) في المرتبة الأولى ثم قال بعدها (يا أيتها النساء)؟!

فالخطاب بصيغة المذكر إنما هو من لوازم البلاغة والبيان والتبيان، فلم ينزل الله تعالى قرآنًا للرجال وآخر للنساء وآخر للجن الخ، ولكن أحكام القرآن عامة لكل من سبق وإذا أراد الله سبحانه حكمًا خاصًا بأحدهم فصّله ووجه الخطاب مباشرة له.

وأكبر دليل على ذلك أنه سبحانه قد أنزل سورة باسم النساء ولم ينزل سورة باسم الرجال على الرغم من أن السورة بها كثير من الأحكام العامة ولكن أغلبها يتحدث عن حماية وحفظ حقوق النساء، فهل لنا أن نقول: لماذا لم ينزل الله تعالى سورة للرجال؟ً!

إن القارئ لكتاب الله يجد أن لفظ النساء أكثر ذكرًا من لفظ الرجال، وأنه تعالى قد قدم الإناث في الذكر في سياق التمنن على عباده في العطاء بقوله سبحانه: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِۚ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُۚ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ﴾ (الشورى 49)

فمن يقدم ويؤخر الإنسان عند ربه هو قلبه وفعله، وكل إنسان يستطيع أن يضع نفسه في المقدمة أو في الخلف حسب درجة إيمانه وعمله: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ﴾ (المدّثر 37)

أما بالنسبة لمسألة التبعية داخل البيت فهي خدعة انخدعت بها كثير من النساء بسبب الجاهلية التي ما زال يعيشها أغلب المجمتع المسلم نتيجة انسياقه وراء الروايات المكذوبة التي احتقرت النساء ونتيجة تركه آيات الله البينات القائمة على العدل والحق.

وكذلك انسياقه وراء بعض الأفكار المعاصرة الهدامة التي هي امتداد لفكر الجاهلية التي قد قامت بدور سلبي تجاه المرأة داخل البيت وخارجه:

  • فالأول: أنها قد قللت وحصرت دور المرأة داخل بيتها للدرجة التي تصورت كثير من الفتيات أنها إذا اهتمت بنظافة وجمال بيتها فستكون كخادمة، وأنها إذا اعتنت بزوجها وعملت على راحته فستكون كجارية، وإذا تفرغت لتربية ورعاية أولادها فستكون كجاهلة، وقد ساعد المجتمع في تأصيل هذا الفكر المنحرف الذي جعل من تكليف المرأة برعاية بيتها والقرار فيه نوع من التبعية لزوجها، وهم لا يعلمون أن القرن في البيوت ليس نقيصة بالمرأة أو تجهيلًا أو احتقارًا لها، ولا يعني القرن في البيوت سجن المرأة دون التمتع بكل ما أحله الله لها. قَالَ اللَّهُ تعالى : ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِۚ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِۗ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (الأعراف 32) فلم يقل أنها (للرجال) بل قال (هي للذين آمنوا).
  • والثاني: أنها حين طالبت بمساواة المرأة للرجل في كل شيء فإنها قد ظلمت المرأة! وذلك لأنهم لا يطالبون بالمساواة في الثواب والعقاب وليس لهم ذلك لأنه متحقق عند من ﴿لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَٰكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (يونس 44) ولكنهم بالفعل هم أنفسهم الظالمون لأن مطالبتهن بالمساواة لهو ظلم للمرأة لأنهم يكلفونها بمكابدة الحياة كما الرجل ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَىٰ﴾ (آل عمران 36) فقد أعطى سبحانه للرجل القوة البدنية التي تؤهله للعمل والشقاء والقيام على المرأة، سواء أكانت زوجته أو أمه أو ابنته أو أخته ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ (النساء 34)

إن المساواة في المسؤولية بين المختلفين في الطبيعة والحاجة ظلم، ولا شكَّ أنَّ تلك التصورات لا تتفق مع الفطرة ولا يُؤيِّدها المنطق. والأصل أن يُعطى لكلِّ ذي حقٍ حقَّه وأن يتمَّ تقسيم الحقوق والواجبات تبعا لمزايا وحاجات كلِّ طرف، وهذا هو العدل. أما تكليف المرأة  بالعمل كالرجل فإنه سيكون على حساب الأسرة واستقرارها ودوام النسل، وهي المشكلة الكبرى التي تعاني منها الدول التي يسود فيها أنظمة المساواة، فتجدها مجتمعات يقل فيها الشباب ويكثر فيها كبار السن وهو ما يؤذن باندثارها.

إن مسؤولية الأسرة هي مسألة مشتركة بين الزوجين والقدر الأكبر فيه للمرأة لأن بيتها هو مملكتها الصغيرة، فبينما هي ترعى البيت وتديره فإن مهمة الزوج أن يوفر للأسرة قوام حياتها من مال وحماية. وهكذا يقوم كل زوج بمسؤوليته متكاملا مع زوجه وليس مناوئا له، فالحديث عن تبعية أحدهما للآخر لا يصادف محلا.

ودين الله تعالى لا يمنع  أن تكون المرأة مديرة عمل أو رئيس دولة، ولنا أن نتلو القرآن لنرى قصة ملكة سبأ وهي المرأة التي وصفت في الكتاب ﴿إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ (النّمل 23)

وسوف نرى في تلك القصة كيف كان الرجال من الوزراء والجنود يعملون تحت إمرتها رغم أنهم أصحاب قوة ومنعة ﴿قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّىٰ تَشْهَدُونِ﴾ (النّمل 32) ورغم ذلك فقد أجابوها ردًا على طلبها المشورة منهم أنهم رهن أمرها ﴿قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ﴾ (النّمل 33)

وحتى عندما دخلت في الإسلام لم يسلبها حقها ولم ينزع عنها ملكها كما كانت تعتقد ﴿قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةًۖ وَكَذَٰلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ (النّمل 34)

ولما أسلمت فلم تسلم للنبي سليمان ﷺ وإنما أسلمت معه ﴿قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَۖ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَاۚ قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَۗ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (النّمل 44) مع ملاحظة ما أعده لها نبي الله من مراسم استقبال تليق بملكة متوجة.

وفي العصر الحديث نجد من النساء اللاتي يشغلن مناصب عليا في كثير من الدول ويحسب لهن النجاح في أعمالهن[2].

أما بالنسبة للسؤال عن الفضل والدرجة التي أوتيت للرجال فالدرجة التي ذكرتها الآية الكريمة تختلف تمامًا عن الدرجة التي تعلق بأذهان كثير من الناس.

فهو سبحانه لم يقل (أن الرجال أعظم درجة) كما نرى في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ (التوبة 20)

ولم يقل أنه (فضل الرجال عليهن درجة) كما نرى في قوله تعالى: ﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةًۚ﴾ (النساء 95).

ولكن المسألة مختلفة هنا فالدرجة ليست أعظم وليست تفضيلًا عليهن بل قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍۚ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِۚ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَٰلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًاۚ وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِۚ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (البقرة 228)

وهنا ملاحظة هامة: أن تلك العبارة (وللرجال عليهن درجة) قد جاءت في موضع الزوجية والطلاق ولم تأت في موضع آخر وهذا يبين معنى تلك الدرجة وأسبابها:

فالدرجة هنا في قرار عودة الزوجية بعد حصول الطلاق الرجعي، فقد بين تعالى أن للمرأة أن تقبل أو ترفض مثل الرجل تمامًا ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوف﴾ ولكن الله تعالى بحكمته التي ختم بها الآية الكريمة ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ قد جعل للرجل درجة في اتخاذ قرار عودة الحياة الزوجية بدون إذن الزوجة في حالة وجود طفل؛ وذلك لأن المرأة سوف تتكبد المشاق إذا قامت برعاية طفلها بمفردها وقد تتناسى المرأة هذا الأمر نتيجة إنفعالها وحزنها من زوجها أو مطلقها وتحسب أنها قادرة على ذلك بدون مشقة التي يتحمل منها الزوج الكثير فأراد الله تعالى إعلاء مصلحة الطفل أن يتربى بين أبويه، فنحن نجد في مجتمعنا الآن كم تعاني المرأة في رعاية أولادها بعد الطلاق وكم يعاني الأطفال في دفع ثمن ذلك الطلاق من الفرقة والشتات.

مع ملاحظة أن هذه الدرجة مكانها هنا فقط أي أنه ليس لأي رجل آخر مهما كانت صلته بالمرأة أن يقرر بالنيابة عنها كالأب أو الأخ، فليس لهما أن يقرروا أن تتزوج المرأة أم لا ؟ أو أن تختار من تريده، أو أن تدرس ما تشاء وتعمل ما تشاء، وليس لأي مخلوق أن يكون له الحق في سلب إرادة غيره حتى الأنبياء أنفسهم، فقد قَالَ سُبْحَانَهُ وتَعَالَىٰ مخاطبا نبيه الخاتم: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ (الغاشية 22)

والآيات كثيرة في هذا الصدد، إذا فالدرجة هنا درجة تكليف وليست درجة تشريف وتمييز.

أما مسألة التفضيل في قوله: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ (النساء 34)

يفهم من الآية أن كلا منهما يفضل الآخر في شيء، ويؤيده قوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍۚ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُواۖ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَۚ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ (النساء 32)

فقد فضل الله تعالى الرجل بقوته البدنية التي تؤهله للعمل والكسب ، وفضل المرأة بالزينة والرقة التي تجعلها مطلوبة من قبل الرجال، لذا كان الرجل طالبا وهي مطلوبة، ولو أراد أن يتزوج منها فعليه أن يبذل قصارى جهده من تدبير المسكن والمهر الذي سمي بالصداق ليبين صدق نيته في الحفاظ عليها وعدم استغلالها، وذلك لحفظ كرامتها وجعلها دائمًا هي المحصنة وهو المحصِن لها القائم على رعايتها وتوفير كل احتياجاتها.

ولا ينبغي لأحدهما أن يقول لماذا فعل الله ذلك مع الآخر؟ فليس للرجل أن يسأل لماذا جعله الله تعالى هو المسؤول عن الإنفاق حتى لو كانت المرأة غنية؟ وليس للمرأة أن تسأل لماذا فضل الرجل بالقوة؟

وإذا أخذنا مثالًا على هذا التفضيل ليتضح الأمر أكثر فقد قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَىٰ بَعْضٍۖ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ (الإسراء 55)

وقوله: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍۘ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُۖ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍۚ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِۗ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَٰكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ (البقرة 253)

فالتفضيل ليس معناه تمييز رسول على آخر أو أن نبي أفضل بمعنى أحسن من نبي آخر، ولكن كما شرحت الآيات نفسها أنه تعالى أعطى لكل نبي ورسول من المعجزات ما يؤيد رسالته وفضل كلا منهم بشيء خاص به.

أما بالنسبة للحور العين فليس المراد منها كما يشاع أنهن نساء الجنة اللاتي أعدهن الله تعالى للرجال دون النساء، بل هن لأهل الجنة جميعا يطفن على الرجال والنساء على حد سواء، لأن الحور خادمات ووصيفات في الجنة كالولدان المخلدون[3] .

وختامًا فإننا سوف نظل نكررها مرارًا أن الله سبحانه ودينه وكتابه ورسوله بريؤون من تلك التهم التي تنقص من قدر النساء لحساب الرجال أو من قدر أي بشر لحساب آخر مهما كان السبب إلا لسبب واحد بينه تعالى في كتابه، وهو التقوى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُواۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (الحجرات 13).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]  انظر الفتوى المشابهة على الرابط التالي https://www.hablullah.com/?p=2972

[2]  انظر مقالة (الولاية العامة للمرأة) على موقع حبل الله في هذا الرابط https://www.hablullah.com/?p=2135

[3]  انظر مقالة (الحور العين) على هذا الرابط https://www.hablullah.com/?p=1318

Your Header Sidebar area is currently empty. Hurry up and add some widgets.