حبل الله
اسئذان الزوجة زوجها عند خروجها من البيت

اسئذان الزوجة زوجها عند خروجها من البيت

السؤال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته في البداية أحب أن أشكركم على موقعكم لأنه ساعدني كثيرا … سؤالي هو هل يجب على الزوجة أخذ إذن زوجها قبل الخروج؟! فأنا أجد أن هذا به مهانة شديدة للمرأة لأنها كائن عاقل بالغ يفهم ما يفعل، فعند تخيل مشهد ذهاب الزوجة لاستئذان الزوج كالطفل الصغير يثير اشمئزازي وأنه قد يرفض خروجها فتظل حبيسة الدار!! لماذا يعطي الدينُ للرجل الحق في التسلط على الزوجة ومعاملتها كطفل صغير بينما الرجل في مجتمعنا يحق له الخروج والدخول كيفما شاء! ولا يحق لها النطق فضلا عن الرفض! فهل لا يحق للزوجة أن تذهب للخروج مع صاحباتها للترويح عن نفسها .. أو للخروج بشكل عام بدون إذن ودون أن يستطيع إذلالها وحبسها والإضرار بها! … وهناك شيخ قال إن هذا نابع من اختلاف المذاهب الفقهية.. وأن هناك مذهبا أقر أن ما يسري على الزوج يسري على الزوجة . فهل هذا صحيح ؟ أريد الإجابة عن كل هذا لأنه مدخل قوي للشيطان بالنسبة إلي ولأنه يشعرني أني أسيره في ديني ولزوجي وأنه لا يحق لي الخروج أو الدخول إلا بإذنه.

الجواب: في البداية ينبغي أن نوضح أن تصورك عن مسألة طلب الإذن أنها مسألة مذلة ويترتب عليها مهانة وانتقاص من قدر الشخص الذي يطلب الإذن هو تصور غير صحيح، حتى أن تشبيه طالب الإذن بالطفل الصغير الذي يتعرض للإهانة هو تشبيه فيه مغالطة؛ لأنه يعني أن الطفل عندما يستأذن أباه أو أمه أو معلمه في الصف أو مدربه فعندئذ سيكون في موقف ضعف وذلة، ومثل ذلك طلب الإذن من صاحب العمل للخروج، فهل يقف العامل ذليلًا مهانًا أمام رئيسه لطلب إذن الخروج؟

وكذلك فلتقس السائلة نفس الأمر على أبنائها عندما يريدون الخروج من البيت، فهل يطلبون الإذن للخروج؟ أم أنهم يخرجون من تلقاء أنفسهم دون الرجوع إليها؟ وهل يقوم الآباء بإذلال الأبناء عندما يربونهم على الاستئذان؟!

ولنتخيل أن هناك شخصين يتحدثان سواء أكانا زوجين أو صديقين أو جارين أو غير ذلك ثم يترك أحدهما الآخر فجأة دون سابق إنذار أو قول أي كلمة تدل على إنهاء الحوار والاستئذان بالانصراف، فماذا سيكون رد فعل الطرف الآخر؟!

وماذا لو تركت الشركات والمصانع ومختلف المؤسسات الحرية للعاملين بها بالخروج دون الرجوع لصاحب العمل أو للمسؤول فكيف نتوقع سير العمل في تلك المؤسسات؟!

إن المتدبر لكتاب الله تعالى يجد أن مبدأ الاستئذان من المبادئ الهامة التي حثنا ربنا على أخذها بعين الاعتبار، فنجد الله تعالى يأمر المؤمنين أنهم إذا كانوا مع النبي لإمضاء مسألة ما فلا ينبغي لهم أن ينصرفوا عنه إلا بعد طلب الإذن منه، كما جاء في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَىٰ أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّىٰ يَسْتَأْذِنُوهُۚ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِۚ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ النّور (62)

فالسؤال هنا: هل عندما يقف المؤمن أمام النبي يطلب منه الإذن فسوف يكون في موضع ذل وإهانة؟ وهل لو رفض النبي أن يمنح الإذن له فمعنى ذلك أنه يهين ويذل هذا الشخص؟!

وهل يأمر الله تعالى عباده الذين كرمهم ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ بما يحط من قدرهم ويمتهن كرامتهم؟

فالله سبحانه علمنا مكارم الأخلاق وحثنا على تربية أولادنا عليها منذ الصغر بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ النّور (59)

وإذا أمعنا النظر في هذه الآية الكريمة فسوف نجد ملمحًا عجيبًا ألا وهو: أن الله سبحانه قد حثنا على طلب الإذن داخل البيت الواحد، فما بال الخروج من البيت إلى مكان آخر؟ ألا يُطلب فيه الإذن؟!

مع ملاحظة هامة: أن تلك التعاليم والأخلاقيات ليست خاصة بالنساء دون الرجال، بل هي تعاليم يشترك فيها الجميع ولا علاقة للدين بتلك التصرفات الذكورية الهوجاء التي لا تبنى على الاحترام المتبادل بين الزوجين والتي يتسلط فيها الرجل على زوجته ويخرج هو مع أصحابه أو للترويح عن نفسه ويمنعها هي من الخروج أيًا كان السبب سواء لزيارة أهلها أو للتنزه مع صديقاتها تحت دعوى أنه يحق له أن يفعل ما يشاء وقتما يشاء لأنه الرجل المتجبر المتسلط الذي يحق له إذلالها، فقد قال تعالى ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ البقرة (228) ولا توجد آية واحدة في كتاب الله تعالى تسمح للأزواج بإهانة زوجاتهم أو التجبر عليهن.

فكما تطلب الزوجة الإذن للخروج من رب هذه الأسرة والقائم على أمورها كذلك الزوج يستأذن زوجته قبل أن يقوم بعمل أو تصرف يخص البيت كدعوة أقاربه أو أصحابه، وكلما أخبر الزوج زوجته بشؤونه والأماكن التي يذهب إليها زادت طمأنينتها إليه.

وهناك درجة للزوج في هذا الأمر بحسب قوله تعالى {وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (البقرة 228) وهي القوامة في بيته لأنه من ينشئه وينفق على أهله، وهو مقتضى قوله تعالى {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ} (النساء 34)

والقوامة لا تعني التحكم والتجبر بل تعني القيام بحقوق الزوجة من النفقة حتى الحماية، وكون الزوج محصنا/حاميا لزوجته فهذا يستوجب أن يعلم إلى أين تذهب، فربما تريد الذهاب إلى مكان يعلم منه خطورة عليها، وهو إذ يمارس هذا الحق لا يمارسه اعتباطا وظلما بل حبا ورفقا. ومعلوم أن النساء مما زيَّنه الله في ذاته[1]، فهي تقع ضمن المطلوب والمرغوب في الوصول إليه لذا كانت بحاجة إلى الإحصان الذي هو مهمة الزوج، لذا وصف سبحانه الزوجة بالمحصَنة (باسم المفعول)  بينما الزوج بالمحصِن (باسم الفاعل)[2]. من هنا كان للرجل الحق في أن يرفض خروج زوجته في وقت متأخر أو خروجها مع صحبة غير آمنة أو في حال خاف عليها خوفا حقيقيا لا متخيلا، وهذا الحق مُنح للرجل ليس من باب التجبر والتسلط وإنما من باب للقيام بواجب الإحصان نحوها، فهو المسؤول عنها أمام الله تعالى وأمام أهلها والمجتمع.

إن إساءة بعض الأزواج لاستخدام هذا التكليف الملقى على عاتقهم لا يجعل من الأمر ملغى أو عرضة للنقض، بل الواجب أن يصحح الأزواج مفهوم القوامة في نفوسهم ليمارسوه كما أراده الله تعالى حصنا للزوجة

وأخيرا نؤكد على أن الاستئذان هو أدب وتربية ولا يمت بصلة للإذلال والمهانة ولا يترتب عليه إنقاص من قدر الشخص، على العكس تمامًا فهو يزيد من احترام الشخص للآخر مهما كان هذا الآخر سواء أكان رئيسا أو مديرا أو معلما أو أبا أو زوجا، وهذا هو المجتمع المثالي القائم على المودة والأخلاق الحميدة وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ويصدق عليه قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ آل عمران (110)

ويمكنك الرجوع إلى الفتوى (هل يحابي الإسلام الزوج في التشريع) على الرابط التالي https://www.hablullah.com/?p=5885

ــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]  وصف الله تعالى المرأة بأنَّها زينةٌ مرغوب فيها بقوله تعالى: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ} (آل عمران، 14)  وتلك الصفة لا توجد في الرجل، وبحسب ما تقتضيه طبيعة كليهما كان الرجلُ طالبا والمرأةُ مطلوبةً، ويقوم الزوج بدور المحصن للمرأة فلا يطمع فيها مرضى القلوب من الرجال، وهذا يقتضي أن يعلم الزوج أين تذهب زوجته.

[2]  انظر سورة النساء 25،  والمائدة 5،

Your Header Sidebar area is currently empty. Hurry up and add some widgets.