حبل الله
حرمان بعض الورثة من الميراث

حرمان بعض الورثة من الميراث

السؤال: والدي توفي وترك لنا محلا، وأوصى بإبقاء المحل بدون حصر إرث، وأوصى بأن يُعطى الأيتام والفقراء نصيبا من الأرباح، أما باقي الأرباح فتوزع على أخوتي من دوني لأني كنت بعيدا عنهم لمدة 30 عاما. فهل هذا جائز؟ وهل يلحق بوالدي إثم على هذا لأنه حرمني من الأرباح والثانية أنه أوصى بتأخير توزيع الإرث وجزاكم الله خيرا.

الجواب: إن تركة الميت تنتقل إلى الورثة بعد وفاته مباشرة، وبالتالي فليس لأي إنسان أن يحدد ماذا يفعل ورثته بما تركه حتى لو كان أوصى به للفقراء، لأن الإنسان مأمور بالصدقة حال حياته، لقوله تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ المنافقون (10)

ومن هنا يلزم كل إنسان أن يخرج ما أراد من ماله حال حياته وهو يملك المال وليس بعد وفاته بعد أن فقد الحق في التصرف في المال.

وعلى ذلك فإن هذا المحل الذي أوصى به المتوفى يُقسم على الورثة إلا إذا اتفق جميع الورثة أن يبقى المحل قائمًا وتُوزع أرباحه على الورثة كل على حسب نصيبه وأن يتفقوا أن يخرج جزء منه إلى الفقراء والأيتام فيجوز لهم أن يفعلوا هذا ما دام برغبة جميع الورثة دون استثناء، مع ملاحظة أن ثواب ما يخرجونه يعود إليهم وليس إلى أبيهم. فقد قَالَ تَعَالَىٰ: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ﴾ النجم (39) وإذا طلب أحد الورثة أن يحصل على نصيبه كاملًا ويتصدق هو بالقدر الذي يريده فله ذلك، وليس لأحد أن يعترض على أحد تحت مسمى تنفيذ الوصية.

أما بالنسبة لمسألة حرمان أحد الأبناء أو أحد الورثة من الميراث فلا يحق للميت أن يمنع أحدًا من حق أوجبه الله تعالى له، فالميراث من الأشياء التي حددها الله تعالى في كتابه ولم يتركها لأحد من خلقه، فلا يجوز لأي شخص أن يتعدى هذه الحدود وإلا عرض نفسه لعقاب الله تعالى الذي قال عقب آيات توزيع الميراث: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ النساء (14)

وعلى ذلك فإن للسائل الحق في أرباح هذا المحل (المتجر) كبقية الورثة ويُحسب نصيبه من وقت الوفاة وحصول الورثة على حقهم.

ويبقى السؤال الأخير المتعلق بالوقت الذي يجب فيه توزيع تركة الميت فيقول تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِۖ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ البقرة (180)

فقد أوجب الله تعالى وفرض أن تُوزع تركة من حضره الموت على مستحقيها وعدم الانتظار، فيسدد ما على الميت من الدين الثابت وتنفذ وصيته المتعلقة بالديون غير الموثقة، ويوزع ما بقي على الورثة. والخطاب الموجه لعموم المسلمين يفهم منه أن القضاء له صلاحية تنفيذ وصية الله في الميراث إذا اختلف الورثة فيما بينهم. والوصية المذكورة في الآية هي وصية الله في الميراث التي بينها في كتابه[1] ، حيث بين أنصبة وحصص الوارثين كلٍ بحسب درجة قرابته من الميت.

فعلى هؤلاء الأبناء ألا يحرموا أخاهم من الحصول على حقه وأن لا يتمسكوا بوصية أبيهم لأنها لاغية شرعا، وأن يعيدوا إليه ماله مصداقًا لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِۚ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ النساء (58)

وألا يحملهم ابتعاده عنهم على ظلمه امتثالًا لقوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُواۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰۖ وَاتَّقُوا اللَّهَۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ المائدة (8)

وإذا حمل الأب وزر ما قاله فلا يجب على أبنائه أن يقعوا كذلك في نفس الإثم والذنب وألا يقولوا أنها وصية أبيهم التي لا يصح تبدليها؛ لأن الوصية الجائرة تضر من أوصى بها ومن عمل بها، بل يجب عليهم إصلاح ما قام به الأب لعل الله سبحانه أن يغفر له ولهم امتثالًا لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ البقرة (182)

ــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]  للوقوف على تفسير الآية بالتفصيل انظر الرابط التالي https://www.hablullah.com/?p=2779

Your Header Sidebar area is currently empty. Hurry up and add some widgets.