حبل الله
لماذا ظهرت نبوءات النبي بعد مائة عام … ثم سكتت؟!

لماذا ظهرت نبوءات النبي بعد مائة عام … ثم سكتت؟!

الباحث الإسلامي: عمرو الشاعر

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين الخلاق العليم وسلام على عباده الذين اصطفى ثم أما بعد:

ارتبط “النبي” عند اليهود والنصارى بالتبليغ عن الله وكذلك بالتنبؤ بأحداث غيبية دنيوية! بينما اختلف عند المسلمين, فلم يتم الربط بين “النبي” والنبوءة! وإنما النبي هو من يبلغ وحياً من الله, فإن تنبأ فبها ونعمت وإن لم يتنبأ فلا إشكال!

وبما أن النبي يبلغ وحياً عن الإله عالم الغيب, كانت المطالبة من الأقوام بأن يُعلمهم النبي بغيب دنيوي, أخبرنا ماذا سيكون حتى نتأكد (بالتوازي مع المطالبة ب: “المعجزة”)! وهو ما كان من أهل مكة مع النبي! والنبي كان يود أن يُعطى هذا فيُخبر قومه ليؤمنوا, إلا أنه كان يأتيه الرد من الله بأن يقول لقومه أنه لا يعلم الغيب وأنه فقط يتبع ما يوحى إليه:

“قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ .. [الأنعام : 50]”

ورداً على سؤالهم الرسول حول مصائرهم –الدنيوية- يؤمر بأن يقول لهم أنه لا يعلم مصيره الشخصي ولا مصيرهم بداهة: “قُلْ مَا كُنتُ بِدْعاً مِّنْ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُّبِينٌ [الأحقاف : 9]”

والملاحظ أن الرسول نفسه رغماً عن أنه كان يبلغ وحياً من الله لقومه إلا أن بعض المسائل كانت –لفترة- “غيباً” بالنسبة له, فلم يكن يعلم ماذا سيقضي الله فيها, ففي بداية مطالبة المشركين بالآية قيل له: “وَيَقُولُونَ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلّهِ فَانْتَظِرُواْ إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ [يونس : 20]”, فربما تأتي آية وربما لا تأتي!

والرسول نفسه لم يُعط في بداية الرسالة “طمأنة” بأنه سيُكمل رسالته, وإنما كان يقال له أنه قد يُتوفى وأنه قد لا يرى ما يُوعد المعاندين به: “فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ [غافر : 77]”

وأنه في حالة الذهاب به سيُنتقم من المعاندين: “فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُم مُّنتَقِمُونَ أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِم مُّقْتَدِرُونَ [الزخرف : 42-43]”

وبغض النظر عن الآيات التي تتحدث عن اليوم الآخر, والتي تُعد من “الغيب” وليست نبوءات, لأنه لن يراها أحد في الدنيا, فالناظر في المرحلة المكية يجد أن النبوءات فيها كانت جد نادرة, مثل نبوءة تباب يدي أبي لهب. : “وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى [الليل : 11]”, والتي تحققت بالفعل فتبت يدا أبي لهب و “مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ [المسد : 2]”

ونبوءة سورة المزمل, والتي قالت أنه سيكون هناك مسلمون يقاتلون في سبيل الله: “… عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُم مَّرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ .. [المزّمِّل : 20]”

فإذا انتقلنا إلى المرحلة المدنية نجد أن الحال يختلف, فيظهر عدد من النبوءات, مثل النبوءة الصريحة المذكورة في سورة الروم, والتي يظهر فيها ملامح نبوءة, حيث قيل فيها أنه حدث كذا وسيحدث كذا في فترة زمنية معينة: “غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (5)”

وتُعد هذه النبوءة استثناءً، فالغالب في النبوءات المدنية الأخرى أنها عامة مطلقة غير محددة, مثل: “وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ … [النور : 55]”, فالذين آمنوا سيُستخلفون ويُمكن لهم, ولكن متى وكيف؟ لم يُحدد هذا!

وكذلك مثل نبوءات ظهور الدين وعلوه: “هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ [التوبة : 33]”, فهي نبوءة عامة, (ويمكن اعتبارها وصف لواقع بدأ تكونه وتشكله في زمن الرسول وسيمتد ويستمر), أو هي أقرب إلى البشرى.

وهناك أصناف أخرى مثل رؤيا النبي أن المؤمنين سيدخلون المسجد الحرام آمنين محلقين ومقصرين لا يخافون! (وهي رؤيا تحدث عنها القرآن ولم تأت النبوءة في القرآن نفسه).

ولكن الملاحظ في “النبوءات” القرآنية سواء المكية أو المدنية أنها لا تُقدَّم باعتبارها نبوءات … كشف غيبي, بقدر ما تُقدم باعتبارها “وعود ربانية”, فالرب يعد أنه سيحدث كذا, وطالما أن الرب وعد فسيتحقق: “فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ ..”, “.. أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ …”, “وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتِيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ … [الأنفال : 7]”, وحتى نبوءة الروم تُربط بوعد: “وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ [الروم : 6]”

أو تُقدم باعتبارها “علم”: “عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُم …”, ومن ثم فعلى المؤمنين الإيمان بهذه الوعود والتعامل تبعاً لها باعتبارها حقائق واقعة, وهم محاسبون على تصديقهم بهذه الوعود والتعامل تبعاً لها!!

وإذا أردنا أن نعطي تصوراً عاماً ل “النبوءات القرآنية” يمكننا أن نقول:

كل ما في القرآن كان نبوءات قصيرة المدى في حياة الرسول والصحابة في أثناء تنزل القرآن (فترة البعثة), وكانت لتثبيت الرسول نفسه أو الصحابة! فلم تأت نبوءة هكذا لمجرد التنبؤ, فالنبوءات موظفة في العملية الإيمانية!! أو هو حديث عن غيبيات في اليوم الآخر تشكل عقيدة المسلم عليه أن يؤمن بها وهو سيراها لا محالة في اليوم الآخر, فيبصر بعينه صدق ما قاله له ربه, بينما ليس هناك أي حديث عن أي أحداث دنيوية بعد البعثة لا في المستقبل القريب ولا البعيد!

فإذا تركنا القرآن وانتقلنا إلى الروايات نجد أن الحال يختلف تماماً, فتتغير صورة الرسول بشكل كلي! فبعد أن كان هو من يحتاج إلى نبوءات تثبته وبعد أن كان يُعلن أنه لا يعلم الغيب! نجد النبي “النبيء” الذي يقدم الكثير والكثير من النبوءات, والتي هي ليست نبوءات قصيرة أو في حياته وإنما هي نبوءات ممتدة تغطي أحداث حوالي ثلاثة قرون, و-ثم تنتقل إلى- نبوءات آخر الزمان!

وإذا نظرنا في هذه النبوءات وجدناها أنواعا, فمنها:

“النبوءات التاريخية التفصيلية”! والتي تتحدث بالتفصيل عن أحداث –ستقع/ وقعت! مثل ما رواه أبو داود في سننه: “حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: يَنْزِلُ نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي بِغَائِطٍ يُسَمُّونَهُ الْبَصْرَةَ عِنْدَ نَهْرٍ يُقَالُ لَهُ دِجْلَةُ يَكُونُ عَلَيْهِ جِسْرٌ يَكْثُرُ أَهْلُهَا وَتَكُونُ مِنْ أَمْصَارِ الْمُهَاجِرِينَ -قَالَ ابْنُ يَحْيَى قَالَ أَبُو مَعْمَرٍ: وَتَكُونُ مِنْ أَمْصَارِ الْمُسْلِمِينَ- فَإِذَا كَانَ فِي آخِرِ الزَّمَانِ جَاءَ بَنُو قَنْطُورَاءَ عِرَاضُ الْوُجُوهِ صِغَارُ الْأَعْيُنِ حَتَّى يَنْزِلُوا عَلَى شَطِّ النَّهْرِ فَيَتَفَرَّقُ أَهْلُهَا ثَلَاثَ فِرَقٍ فِرْقَةٌ يَأْخُذُونَ أَذْنَابَ الْبَقَرِ وَالْبَرِّيَّةِ وَهَلَكُوا وَفِرْقَةٌ يَأْخُذُونَ لِأَنْفُسِهِمْ وَكَفَرُوا وَفِرْقَةٌ يَجْعَلُونَ ذَرَارِيَّهُمْ خَلْفَ ظُهُورِهِمْ وَيُقَاتِلُونَهُمْ وَهُمْ الشُّهَدَاءُ” اهـ

فهذه نبوءة عن معركة ستحدث في زمن ما وعن كيف سيكون حال الناس فيها!

وهناك “نبوءات تشريعية!!!” تتنبأ بأحداث معينة ستحدث وتعطي المسلمين توجيها لما “يجب” عليهم فعله, فهناك تشريع ب “إباحة دماء” أقوام مبهمين! ومن يقتلهم له أجر على هذا! (وأُسقط هذا الأمر على الخوارج!), فنجد البخاري يروي عن “عَلِيّ* رضي اللَّهُ عَنْهُ:

إِذَا حَدَّثْتُكُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَأَنْ أَخِرَّ مِنْ السَّمَاءِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَكْذِبَ عَلَيْهِ وَإِذَا حَدَّثْتُكُمْ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ فَإِنَّ الْحَرْبَ خَدْعَةٌ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: يَأْتِي فِي آخِرِ الزَّمَانِ قَوْمٌ حُدَثَاءُ الْأَسْنَانِ سُفَهَاءُ الْأَحْلَامِ يَقُولُونَ مِنْ خَيْرِ قَوْلِ الْبَرِيَّةِ يَمْرُقُونَ مِنْ الْإِسْلَامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ لَا يُجَاوِزُ إِيمَانُهُمْ حَنَاجِرَهُمْ فَأَيْنَمَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ فَإِنَّ قَتْلَهُمْ أَجْرٌ لِمَنْ قَتَلَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. ” اهـ

وكذلك يروي ابن أبي شيبة في مصنفه: “عن ابن عباس قال: قال رسول الله (ص): (إنها ستكون أمراء تعرفون وتنكرون، فمن باراهم نجا، ومن اعتزلهم سلم أو كاد، ومن خالطهم هلك).” اهـ

فهنا تشريع لكيفية التعامل مع الأمراء واجتنابهم! وهناك نبوءات أخرى تتحدث عن جور الأمراء وكيف أنه يجب على المسلمين الصبر على هذا الجور!! والمنزلة الخاصة التي حصل عليها الحاكم في التاريخ الإسلامي مستندة إلى مثل هذه “النبوءات التشريعية”!!

وكذلك التعامل في زمن الفتن, مثل ما رواه البخاري:

“قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَتَكُونُ فِتَنٌ الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ الْقَائِمِ وَالْقَائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ الْمَاشِي وَالْمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ مِنْ السَّاعِي وَمَنْ يُشْرِفْ لَهَا تَسْتَشْرِفْهُ وَمَنْ وَجَدَ مَلْجَأً أَوْ مَعَاذًا فَلْيَعُذْ بِهِ” اهـ

ولا يقتصر الأمر على بعض الأحكام عند أهل السنة, فمنظومة الإمامة والولاية الشيعية قائمة بدرجة كبيرة على هذه النبوءات التشريعية! وبدونها يتهاوى هذا البناء الكبير!!

والملاحظ أن القرآن كله لا يحتوي تشريعاً مستقبلياً واحداً! فلا يوجد أمر للأجيال القادمة, بينما الرسول والصحابة غير مطالبين به! بل العكس هو الموجود, فهناك في القرآن بعض الأحكام للرسول والصحابة حصراً, والأجيال التالية غير مطالبين بها أصلا! بينما تنطلق الرواية متجاوزة الزمان والمكان لتشرع للأحداث المستقبلية!!

وبالإضافة لذلك فهناك “النبوءات المصائرية”! والتي تحدثت عن أفعال معينة وعن مصائر أصحابها, مثل ما رواه أبو داود في سننه “عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ:

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “يَكُونُ قَوْمٌ يَخْضِبُونَ فِي آخِرِ الزَّمَانِ بِالسَّوَادِ كَحَوَاصِلِ الْحَمَامِ لَا يَرِيحُونَ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ” اهـ

فالمفترض أن الرسول أعطى حكماً مسبقاً بهلاك من يقوم بهذا الفعل! بغض النظر عن أسبابه وتبريراته وأعماله الصالحة الأخرى, فمن يفعل هذا فهو في النار وبئس القرار!! ومثل هذه الروايات أوجدت توجها متشدداً عند بعض المسلمين تجاه “العصاة” المخالفين! باعتبار أن فعلاً واحداً قد يُدخل فاعله النار, ومن ثم فصاحبه من الفجار الأشرار!!

وبعد هذه النظرة السريعة على بعض أنواع النبوءات يحق لنا أن نطرح عدداً من التساؤلات بخصوصها, فنتساءل أولاً:

متى تنبأ الرسول بهذا العدد الكبير من النبوءات؟

إذا كان الرسول ظل سنوات لا يعلم حاله هو هل سيكمل رسالته أم لا, هل سيُعطى آية أم لا! وتعرض لهزات عنيفة في المدينة, ولم يظهر الحديث في القرآن عن التمكين له وظهوره على غيره من الأديان إلا في أواخر سور القرآن (التوبة مثلاً, والتي هي الأخيرة نزولاً تبعاً للمشهور في ترتيب نزول السور), ومن ثم فإن كان الرسول قد قال هذه النبوءات فالمفترض أنه تنبأ بها في المرحلة الأخيرة من حياته, ربما في آخر عام -أو عامين-!! بعد أن استقرت الأمور للمسلمين واستتبت! وبعد أن ظهر على كل أعدائه, وأصبح من المقبول أن يتحدث عن “المجتمع المسلم” المتمدد! …ربما!

ثانياً: سنعتبر أن “النبوءات النبوية” جزء استثنائي من الدين, فهو ليس لجيل الصحابة وإنما لجيل أو لأجيال قادمة!! ولهذا فسنقول أن هذا الجزء لن ينطبق عليه النهي عن كتابة حديث الرسول, وأنه مما سيُتناقل شفاهة! فهو أصلاً ليس للجيل المخاطب, وإنما لمتأخرين, ومن ثم فعلى الصحابة نقله وتوصيله للأجيال القادمة حتى يستفيدوا ويحذروا!!

ولكن الملاحظ أن الرسول لم يكن يجمع الصحابة ليخبرهم بهذه النبوءات (التي هي لا محالة وحياً, فهي لا تقع تحت الاحتمالية التي تندرج تحتها باقي الأحاديث: هذا قول شخصي للرسول أم وحي!), فالنبوءات ليس بالخطب اليسير, وإنما دليل –شبه مادي- على صدق الرسول!

الشاهد أن الرسول لم يكن يجمع الصحابة, ولم نجده أوصى بنقل هذه النبوءات (إلا في روايات: الدجال), وإنما نجد هذا “الوحي الاستثنائي المعجزة” يُقدم هكذا لأي صحابي كان جالساً مع الرسول!! ونجد الصحابة أنفسهم قد سكتوا فلم يُنبئوا –بشكل جماعي- بالنبوءات لتحذر وتستفيد الأجيال التالية؟ وخاصة أن هذا الجزء من الدين لهم حصرا!! وإنما كانت النبوءة تأتي عن صحابي أو اثنين!

والعجيب في هذه النبوءات أنها لم تظهر إلا بعد وقوع أحداثها! فلا نجد في تاريخ المسلمين ذكراً لنبوءة كان ينتظرها المسلمون وتحققت, فلم نجد عند المسلمين في كتب التراث ذكراً لانتشار نبوءة أو نبوءات معينة وأن المسلمين كانوا ينتظرون وقوعها ثم نجد في كتاب أو كتب أخرى متأخرة بعدها بسنين أنه قد وقعت هذه النبوءات كما ينتظر المسلمون!!

وبشكلٍ عام فإن النبوءة إن لم تُغرس في “الوعي الجمعي” للمخاطبين بها فلا فائدة منها! فما فائدة أن يتناقل خمس أو ست أفراد نبوءة ما, ثم بعد وقوعها يقولون كنا نعلم بها؟!! وهذا هو الواقع فالمسلمون عبر العصور أهملوا هذه النبوءات! ولم يُركز إلا على روايات أحداث آخر الزمان! مثل الدجال والمهدي وما شابه!.

وكذلك إن لم يُستفد من النبوءات فلا فائدة منها!! يعني لو استفاد العالمون بنشوء “ظواهر أخلاقية أو اجتماعية” سيئة ما, فعملوا على محاصرة هذه الظواهر في مبتدأها –باعتبارهم عالمين بها- حتى لا تنتشر, فيكونوا قد استفادوا بالنبوءة!! ولكن هذا لم يحدث* !!

والمشكلة أنه لو تم الاستفادة من النبوءة لما تحققت! ولما نشأت هذه الظواهر الاجتماعية ومن ثم لأصبحت النبوءة كاذبة!!

ثالثاً: الملاحظ في هذه النبوءات أنها تعاني من “خلل زمني”, فمن الممكن أن نفترض –ونتقبل- أن الرسول أُعلم بحدوث أمور ولكنه لا يعلم متى ستحدث هذه الأمور بالضبط, ولذلك فهو مثلاً يُحذر الصحابة أن تصدر منهم أو أن يقعوا فيها, مثل ما رواه الطبراني في المعجم الكبير: ” عَنْ عَوْفِ بن مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: “أَخَافُ عَلَيْكُمْ سِتًّا: إِمَارَةُ السُّفَهَاءِ، وَسَفْكُ الدِّمَاءِ، وَبَيْعُ الْحُكْمِ، وَقَطِيعَةُ الرَّحِمِ، وَنَشْوٌ يَتَّخِذُونَ الْقُرْآنَ مَزَامِيرَ، وَكَثْرَةُ الشُّرَطِ **”. اهـ”

ولكن أن نجد أنه يُنسب إلى الرسول أنه حدد في كثيرٍ من هذه النبوءات زمن وقوع هذه الأحداث وأنه في “آخر الزمان”! فالنبوءة التي أمرت بقتل الخوارج تقول أنهم يأتون في آخر الزمان! رغماً عن أنهم ظهروا بعد الرسول مباشرة!! وكذلك تلك التي حكمت على “الخضابون” بعدم ريح رائحة الجنة تقول أنهم في آخر الزمان كذلك!

بل ونجد روايات أخرى تقول أن الساعة قريبة جداً بعد الرسول! فالبخاري يروي عن “عَوْفَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ وَهُوَ فِي قُبَّةٍ مِنْ أَدَمٍ فَقَالَ اعْدُدْ سِتًّا بَيْنَ يَدَيْ السَّاعَةِ مَوْتِي ثُمَّ فَتْحُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ ثُمَّ مُوْتَانٌ يَأْخُذُ فِيكُمْ كَقُعَاصِ الْغَنَمِ ثُمَّ اسْتِفَاضَةُ الْمَالِ حَتَّى يُعْطَى الرَّجُلُ مِائَةَ دِينَارٍ فَيَظَلُّ سَاخِطًا ثُمَّ فِتْنَةٌ لَا يَبْقَى بَيْتٌ مِنْ الْعَرَبِ إِلَّا دَخَلَتْهُ ثُمَّ هُدْنَةٌ تَكُونُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ بَنِي الْأَصْفَرِ فَيَغْدِرُونَ فَيَأْتُونَكُمْ تَحْتَ ثَمَانِينَ غَايَةً تَحْتَ كُلِّ غَايَةٍ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا” اهـ

ولست أدري حقاً هل من المفترض أن عوف بن مالك كان سيحيى حتى يرى كل هذه الأحداث؟ المفترض أن لا, فلماذا قال له الرسول: اعدد كذا, وهو لن يفعل؟! ولست أدري ماذا فهم عوف بن مالك من هذه النبوءة والتي يقول له الرسول فيها: موتان يأخذ فيكم, هدنة بينكم, فيأتونكم؟! هل فهم أن هذا سيحدث في جيل الصحابة أم الأجيال القادمة؟! والعجيب أن الرواية لا تذكر أي تعقيب من الصحابي؟! فهو يسمع وينقل بدون أي استفسار!!

ونجد رواية أخرى عند مسلم تقول: ” سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِشَهْرٍ تَسْأَلُونِي عَنْ السَّاعَةِ وَإِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَأُقْسِمُ بِاللَّهِ مَا عَلَى الْأَرْضِ مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ تَأْتِي عَلَيْهَا مِائَةُ سَنَةٍ ***” اهـ

ويؤكد هذا ما يرويه أحمد في مسنده: “عَنِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُلْتَمَسَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِي كَمَا تُلْتَمَسُ أَوْ تُبْتَغَى الضَّالَّةُ فَلَا يُوجَدُ” اهـ

وها هو قد مر بعد كل الأحداث المذكورة في حديث عوف بن مالك أكثر من ألف عام ولم تقم الساعة؟ فكيف هذا!!

كما نجد روايات أخرى تتحدث عن زمن يأتي على الناس, واللفظ: “يأتي على الناس زمان”, مثل ما رواه البخاري: “عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ

عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لَا يُبَالِي الْمَرْءُ مَا أَخَذَ مِنْهُ أَمِنَ الْحَلَالِ أَمْ مِنْ الْحَرَامِ”

وما رواه عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ لِي

إِنِّي أَرَاكَ تُحِبُّ الْغَنَمَ وَتَتَّخِذُهَا فَأَصْلِحْهَا وَأَصْلِحْ رُعَامَهَا فَإِنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ تَكُونُ الْغَنَمُ فِيهِ خَيْرَ مَالِ الْمُسْلِمِ يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الْجِبَالِ أَوْ سَعَفَ الْجِبَالِ فِي مَوَاقِعِ الْقَطْرِ يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنْ الْفِتَنِ” اهـ

وهو تعبير متناقض! فكيف يأتي على الناس زمان؟! كيف يأتي عليهم؟ ألم يكونوا هم أهله؟ ومن ثم فالمفترض أن يقال مثلاً: ما يبالي “ناس” في زمن! فيُبهم “الناس” و “الزمن”! والافتراض الذي يُقبل به هذا التعريف “ال ناس” هو أن يكون هذا الزمن آتٍ على نفس الناس الذين يقول لهم الرسول هذا الحديث! فتتغير الأحوال إلى أن تصير كذا وكذا! أما إن لم يكونوا هم, فالكلام غير دقيق!! فإن لم يكن قد تحقق في زمن الصحابة فهذ يثير إشكاليات حول مصداقية هذه الأحاديث!!

وكذلك ثمة نبوءات أخرى تقول أن الساعة لن تقوم قبل حدوث كذا وكذا! مثل ما رواه البخاري عن أبي هريرة” قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُقَاتِلُوا التُّرْكَ صِغَارَ الْأَعْيُنِ حُمْرَ الْوُجُوهِ ذُلْفَ الْأُنُوفِ كَأَنَّ وُجُوهَهُمْ الْمَجَانُّ الْمُطْرَقَةُ وَلَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُقَاتِلُوا قَوْمًا نِعَالُهُمْ الشَّعَرُ”

وعنه كذلك: “عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَخْرُجَ رَجُلٌ مِنْ قَحْطَانَ يَسُوقُ النَّاسَ بِعَصَاهُ” اهـ

وبغض النظر عن أن هذا الروايات مبطلة لأن الساعة تأتي بغتة, فهي تضع شروطاً قبل وقوعها, والله سبحانه قد قال مسبقا  أنه قد جاء أشراطها! وبغض النظر عن أن مثل هذه النبوءات لم يعد لها أي فائدة بالنسبة لنا ولقرون كثيرة من قبلنا, فإن هذه النبوءات تعاني من نفس الخلل الزمني, فهي تضع شروطاً للساعة بعيداً جدا عنها! فلماذا تعليق قيام الساعة بأحداث هي أقرب إلى البعثة منها إلى الساعة بما لا يقارن؟!

وبعد هذا كله يحق لنا أن نتساءل:

ما فائدة أو دور هذه النبوءات أصلاً في العملية الإيمانية؟!

هل هي مقدَّمة كدليل على صدق الرسول والرسالة؟! لا طبعاً, فالمفترض أنها خطاب لمؤمنين! ولو كانت موجهة للمشركين في البلاد الأخرى كعلامة ليؤمنوا –وهو ما لا يظهر في بنية الروايات- فنقول: إذا كان الله الحكيم قد رفض طلب المشركين أن يُعلموا الغيب فلماذا يُعلم المؤمنين, ولماذا يُقدم لهؤلاء ما لم يقدمه للجيل الذي واجه الرسول؟؟!!

هل هي بمثابة “مقوي إيمان” للأجيال التي لم تر الرسول ولم تر “معجزاته”؟!

هذا يعني أن الدين غير كاف!! ولو تقبلنا هذا, فإن الشك يظل ملازما لهذه النبوءات! لأنه من المحتمل جداً أن تكون متأخرة التأليف بعد حدوثها!

فبعد أن قام الحسن بالصلح مع معاوية تم تأليف الرواية –التي رواها البخاري وغيره- ليُتقبل هذا الصلح: “عَنْ أَبِي بَكْرَةَ رضي الله عنه قال: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى الْمِنْبَرِ وَالْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ إِلَى جَنْبِهِ وَهْوَ يُقْبِلُ عَلَى النَّاسِ مَرَّةً وَعَلَيْهِ أُخْرَى وَيَقُولُ: إِنَّ ابْنِى هَذَا سَيِّدٌ ، وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ”

وبعد موت فاطمة مباشرة بعد الرسول يمكن أن يوضع الحديث –الذي رواه مسلم وغيره-: “وإنك أول أهلي لحوقاً بي” اهــ

إن النبوءة إن لم يعلم الإنسان بها قبل وقوعها ثم يراها تتحقق صراحة أمام عينيه فإنها لا تكون حجة صريحة عليه!! نعم قد يكون الرسول قال! وقد يكون لم يُقل ونُسبت إليه!!

ونخصص السؤال فنقول:

ما دور هذه النبوءات, سواء نبوءات آخر الزمان أو النبوءات المستقبلية, في إيمان مؤمني الأجيال المختلفة إن كانوا لن يروها لا في الدنيا ولا في الآخرة؟!

يعني الغيب الذي يذكر أحداثاً من الآخرة سيراه كل الناس مؤمنهم وكافرهم في اليوم الآخر, بينما هذه الأحداث المستقبلية إن حدثت لن يراها إلا جيل بعينه؟! ما الذي ستستفيد منه الأجيال المتتالية من حمل ونقل هذه النبوءات التفصيلية التي تذكر أسماء أشخاص وأماكن ووقائع .. الخ!! لم ولن يروهم في يوم من الأيام!!

وخاصة أن هناك الكثير من النبوءات العامة التي قد تنطبق على أفراد وعلى أحوال ووقائع كثيرة!! مثل ما رواه مسلم: “عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَا

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ خَلِيفَةٌ يَقْسِمُ الْمَالَ وَلَا يَعُدُّهُ” اهـ

شيبة: عن أبي موسى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “تكون في آخر الزمان فتن كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرا ويمسي مؤمنا ويصبح كافرا”.

فما فائدة هذه النبوءة لعامة المسلمين؟ وهل يمكننا أن نسقطها على شخص بعينه لنقول أنها تحققت أم لم تتحقق!! والنبوءة الثانية يمكن إسقاطها على أي زمان فيه اضطرابات وقلاقل شديدة!!

إن العجب -ولا عجب- أن نجد أن الأحداث المفصلة في تلك النبوءات هو للمرحلة التي ألفت فيها والسابقة لها وأحداث آخر الزمان –والذي كان يُظن أنه قريب جدا جدا!-, ولذلك نجد أن حال البشرية في آخر الزمان لا يختلف عما كان عليه الناس في تلك الفترة من حرب بالخيول والسيوف وما شابه, وهو ما ينقضه ما وصلت إليه البشرية من تقدم وتطور علمي!! (ولهذا وجدنا من يقول أن القيامة ستقوم على البشرية وهي في حالة انتكاسة, ربما بعد حرب نووية أو ما شابه, بعدها يعود الناس للقتال بالسيوف والخيل!!)

وإذا تقبلنا هذا التبرير –وهو مخالف للقرآن!- يحق لنا التساؤل: لماذا لا نجد نبوءات تفصيلية لأحداث ما بعد القرن الثالث (ما بعد عصر التدوين) ولا أي إشارة إلى التكنولوجيا التي ستكون؟! لماذا كان “الانفجار النبوءاتي” لهذه المرحلة تحديدا؟! ثم السكوت سكوت القبور عن الأحداث التي ستتلو هذا؟!

إني أرى أن هذه الروايات التنبئية كانت محاولة لملأ فراغ, لإعطاء حكم ديني قاطع “إلزامي” في المستجدات والصراعات المستفحلة, من أفراد يريدون جذب الدين لجانبهم والتأكيد على أنهم على صواب وأن الآخرين هم الضالون!! ومن ناحية أخرى ربما كانت محاولة لحل إشكالية “الصلاحية”, صلاحية النص الديني أمام تلك المتغيرات الاجتماعية والصراعات … الخ التي لم يجدها هؤلاء في النص!!

ولكن نعود فنقول: لا يمكن وضع كل النبوءات في سلة واحدة, فالأكثرية الساحقة وإن كانت مختلقة, إلا أن هناك من النبوءات ما هو أقرب إلى “القوانين أو السنن”, مثل رواه أحمد في مسنده “عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّكُمْ تَقْرَءُونَ هَذِهِ الْآيَةَ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ}, وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوْا الظَّالِمَ فَلَمْ يَأْخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمْ اللَّهُ بِعِقَابِهِ” اهـ

وهناك ما هو أقرب إلى “الاستشراف” أو “التوقع” أو “قراءة الواقع” وهناك “النبوءات العامة” القريبة! (التي قد تُكون مما بُشر به الرسول أو أُعلم به من ظهور دينه) وهو معنى الآيات التي وعدت بظهور الإسلام على الدين كله.

مثل ما رواه البخاري: “عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ

بَيْنَا أَنَا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ أَتَاهُ رَجُلٌ فَشَكَا إِلَيْهِ الْفَاقَةَ ثُمَّ أَتَاهُ آخَرُ فَشَكَا إِلَيْهِ قَطْعَ السَّبِيلِ فَقَالَ يَا عَدِيُّ هَلْ رَأَيْتَ الْحِيرَةَ قُلْتُ لَمْ أَرَهَا وَقَدْ أُنْبِئْتُ عَنْهَا قَالَ فَإِنْ طَالَتْ بِكَ حَيَاةٌ لَتَرَيَنَّ الظَّعِينَةَ تَرْتَحِلُ مِنْ الْحِيرَةِ حَتَّى تَطُوفَ بِالْكَعْبَةِ لَا تَخَافُ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ قُلْتُ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَ نَفْسِي فَأَيْنَ دُعَّارُ طَيِّئٍ الَّذِينَ قَدْ سَعَّرُوا الْبِلَادَ وَلَئِنْ طَالَتْ بِكَ حَيَاةٌ لَتُفْتَحَنَّ كُنُوزُ كِسْرَى قُلْتُ كِسْرَى بْنِ هُرْمُزَ قَالَ كِسْرَى بْنِ هُرْمُزَ وَلَئِنْ طَالَتْ بِكَ حَيَاةٌ لَتَرَيَنَّ الرَّجُلَ يُخْرِجُ مِلْءَ كَفِّهِ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ يَطْلُبُ مَنْ يَقْبَلُهُ مِنْهُ فَلَا يَجِدُ أَحَدًا يَقْبَلُهُ مِنْهُ وَلَيَلْقَيَنَّ اللَّهَ أَحَدُكُمْ يَوْمَ يَلْقَاهُ وَلَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تَرْجُمَانٌ يُتَرْجِمُ لَهُ فَلَيَقُولَنَّ لَهُ أَلَمْ أَبْعَثْ إِلَيْكَ رَسُولًا فَيُبَلِّغَكَ فَيَقُولُ بَلَى فَيَقُولُ أَلَمْ أُعْطِكَ مَالًا وَأُفْضِلْ عَلَيْكَ فَيَقُولُ بَلَى فَيَنْظُرُ عَنْ يَمِينِهِ فَلَا يَرَى إِلَّا جَهَنَّمَ وَيَنْظُرُ عَنْ يَسَارِهِ فَلَا يَرَى إِلَّا جَهَنَّمَ قَالَ عَدِيٌّ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقَّةِ تَمْرَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ شِقَّةَ تَمْرَةٍ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ قَالَ عَدِيٌّ فَرَأَيْتُ الظَّعِينَةَ تَرْتَحِلُ مِنْ الْحِيرَةِ حَتَّى تَطُوفَ بِالْكَعْبَةِ لَا تَخَافُ إِلَّا اللَّهَ وَكُنْتُ فِيمَنْ افْتَتَحَ كُنُوزَ كِسْرَى بْنِ هُرْمُزَ وَلَئِنْ طَالَتْ بِكُمْ حَيَاةٌ لَتَرَوُنَّ مَا قَالَ النَّبِيُّ أَبُو الْقَاسِمِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُخْرِجُ مِلْءَ كَفِّهِ” اهـ

ومن ثم فإن مثل هذه الروايات بحاجة إلى نظر وتمحيص! هل هي من المختلق المتأخر أم من الممكن أن يكون مما قاله الرسول فعلاً! وفي جميع الأحوال فهي لا تقدم أو تؤخر في عقيدة المسلم! لأن ما خوطب به فرد لا يُلزم به مجموع الأمة!!

وماذا عن روايات الغيبيات مثل “أحداث يوم القيامة” التي تعتبر من روايات العقائد؟!

نقول: لا نردها لمجرد عدم ورودها في القرآن, وإنما يُنظر هل هي متوافقة مع القرآن أو مندرجة تحت أصل من أصوله أم غير مندرجة!! أم أنها معارضة أصلا؟! ولكن يُعتمد مستند هام في قبول هذه الروايات هو: هل كان ثمة نقاشات عقدية موجودة بشأنها أم لا؟! يعني مسألة مثل خلق أعمال العباد ومثل القدر ومثل رؤية الله أم لم توجد؟! فإن وُجد نقاش حولها فإن هذا يثير الشكوك حول مصداقيتها وحول صدورها من الرسول!

وهذا محك/ ميزان أهم من سابقه, فالمفترض أن هذه المسائل جزء من إيمان المسلم في كل العصور, (بينما النبوءات التاريخية هذه لا تقدم ولا تؤخر!) فإن كانت هي من صُلب الدين فلماذا لم تنزل في القرآن أصلا, وإن كانت هي الفهم النبوي لآيات في القرآن, وكانت هي من الخطورة والمحورية بمكان في الدين, فلماذا لم يُرب المسلمون عليها؟!!!

إن المشاهد أن الجيل الأول من المسلمين لم يكن يعلم بهذه المسائل –ناهيك عن أن يكون قد شغل باله بها-, وهي لم تظهر إلا كرد فعل للتساؤلات التي ظهرت في المجتمع الإسلامي كنتيجة للصراع بين الصحابة علي ومعاوية, وكرد فعل لمحاولة الأمويين فرض “الجبر” كعقيدة إسلامية!! ولولا هذه الأجواء ربما ما ظهرت هذه المسائل أصلاً, أو ربما كانت لتكون مسائل فرعية هينة لا تعد ركائز في العقيدة, يُكفر المخالف فيها!! ومن ثم فإن محاولة إدخال النبي/ الدين/ الوحي كمرجح لقول من القولين هو في الغالب اختلاق وتقول ما أنزل الله به من سلطان!

في الختام نقول:

وما كان الله ليطلعكم على الغيب!

أراد الله للناس أن يؤمنوا بعقولهم وقلوبهم اعتماداً على آياته وسننه المبثوثة حولهم, وليس استناداً إلى معجزة خارقة أو حالة استثنائية ستظل مثار شك وتشكيك! لانتهائها, بخلاف الآيات المستمرة المنثورة المتواترة!! وحتى رسوله نفسه لم يفتح الله له من الغيب إلا النذر النادر اليسير حسب الحاجة!! فمن أراد أن يؤمن فالكتاب والآيات كافين, ومن يريد كسراً للسنن وحجة استثنائية فليعلم أنه مقلد لمطالب غير المؤمنين!!

غفر الله لنا وتقبل منا والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

*العجيب أنه روي عن علي بن أبي طالب نفسه أنه قال: لا تقاتلوا الخوارج بعدي, فليس من طلب الحق فأخطأه كمن طلب الباطل فأدركه!!

* هم في تصرفهم مثل أرباب الإعجاز العلمي في القرآن, الذين بعد اكتشاف أمر ما يسارعون إلى البحث في القرآن عن ما له علاقة بالأمر ثم يقولون أن القرآن قد سبق إلى القول بهذا الأمر قبل ما يزيد عن ألف وأربعمائة عام!!

** لست أدري ما فائدة مثل هذه “النبوءات الوعظية” أصلا؟! لماذا يتنبأ الرسول بمسلك خاطئ للمسلمين ليحذرهم من الوقوع فيه؟!! ألا يوجد من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر في ذلك الزمان؟!!وألا تكفي الأحكام العامة للقرآن والأوامر “التزكوية” للرسول؟!!

لا أومن بصحة الحديث أصلا, فالصحابة لم يكونوا يعلمون ما هي “الشرطة” أصلا! فهذا اللفظ لم يكن قد ظهر بعد! فلم يُعرف إلا بعد ظهور الشُرطة في عصور متأخرة! وظهر في العراق, فنجد رواية عند ابن أبي شيبة, فيها “.. فقلت أنا ليحيى : ما الاملة ؟ قال : أنتم تسمونهم بالعراق الشرط.”

والعجيب أنه هناك رواية أخرى في المعجم الكبير للطبراني كذلك تتنبأ بظهور الشرطة! ولا نجد استفساراً عن من هم الشرطة هؤلاء: “عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمْ، يَقُولُ:”سَيَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ شَرَطَةٌ، يَغْدُونَ فِي غَضِبِ اللَّهِ، وَيَرُوحُونَ فِي سَخَطِ اللَّهِ، فَإِيَّاكَ أَنْ تَكُونَ مِنْ بِطَانَتِهِمْ”!! اهـ

*** هناك روايات عديدة لهذه “النبوءة”, وهي من النصوص المشكلة منذ قرون, والتي حاول الناقلون إيجاد حلول لها بتقديم تفسيرات للرواية على خلاف ما تقول أو بإضافة بعض المفردات!!

Your Header Sidebar area is currently empty. Hurry up and add some widgets.