حبل الله
تمييز الآيات المحكمات من المتشابهات

تمييز الآيات المحكمات من المتشابهات

السؤال: كيف نعرف أيَّ الآيات المحكمات وأيّا منها المتشابهات. ومن أين أتيتم بهذا الأسلوب في التفسير؟ وكيف تفسر الآيات المحكمة الآيات المتشابهة؟ جزاكم الله خيّراً

الجواب: الذي أحكم الآيات وفصلها بالمتشابهات هو الله تعالى، بدليل قوله سبحانه: «الۤرٰ كِتَابٌ اُحْكِمَتْ اٰيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكيمٍ خَبيرٍ، اَلَّا تَعْبُدُوۤا اِلَّا اللّٰهَ، اِنَّني لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ» (هود، 11 / 1-2). يفهم من الآية أن آيات القرآن كلها محكمة وكلّها مفصَّلة.

ولا بد أن يكون بين المحكمات والمفصلات علاقات ومناسبات ثنائيه تظهر من خلال التشابه بينهما، ولوجود التشابه بين المحكمات والمفصلات وصف الله تعالى كتابه بأنه متشابه بقوله تعالى «اَللّٰهُ نَزَّلَ اَحْسَنَ الْحَديثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ» (الزمر، 39 / 23).

و”المتشابه” هو الذي يُشْبِهُ بعضُه بعضاً. ويطلق لفظ المتشابه على شيئين بينهما صفات مشتركة، وهو يختلف عن التشبيه[1]. وبالتشابه بين الأشياء تتكون الأجناس والأنواع والأصناف، وبالبحث فيها تتكون المعارف والعلوم، ولا يُوصل إلى الأهداف المنشودة إلا به.

وكلمة القرآن تطلق على كتاب الله كله، كما أنها تطلق على جزء منه كسورة أو بعض سورة، كما تطلق على الآيات المتفرقة مكانا المتحدة موضوعا، وهو ما يمكن تسميته بالقرآن الموضوعي، أي الآيات التي تتناول موضوعا معينا، وهنا يمكن تقسيم هذه الآيات إلى المحكمة التي تمثل الأصل في الموضوع والآيات المتشابهة التي تفصل المحكمة، وهو المقصود بقوله تعالى:

{هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ، فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ، وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا، وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} (آل عمران 3/7)

تشير الآية إلى أن آيات القرآن التي تتحدث عن موضوع واحد تنقسم إلى المحكم والمتشابه. ومعنى ذلك أنَّ الموضوع الواحد له آياته المحكمة التي تتحدث عنه بشكل مباشر وصريح، وهي بذلك تكون العمدة في الموضوع. وله الآيات المتشابهة التي تفصل وتشرح هذا الموضوع.

ولنأخذ مثالًا على ذلك موضوع الحج لنجد الآيات المحكمة التي توضح فرضية الحج على المستطيع هي قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا، وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾(آل عمران 97) ولكننا إذا سألنا عن كيفيته وأركانه وما يحل فيه وما يحرم، فهنا يأتي دور الآيات المتشابهة التي تتحدث في نفس الموضوع  تفصيلا.

نجد قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (البقرة 196) يفصل ضرورة الإتيان بكل أركان الحج، وضرورة أن يكون الحج خالصا لله تعالى.

ثم نجد آيات تذكر مناسك الحج، كالطواف حول البيت (الحج 29) وغيره من أعمال الحج

كما نجد ما يحرم على الحاج فعله كقوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌۚ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ البقرة (197) وقوله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾  (المائدة95)  إلى غير ذلك من الآيات التي تتحدث عن تفاصيل الحج.

وهذه الآيات المتشابهة المفصلة لمناسك الحج قد تكون محكمة في النسك نفسه، فآية الأمر بالطواف حول البيت هي محكمة في إيجاب الطواف، بالرغم من كونها مفصلة في بيان تشريع الحج وهكذا.

وكذلك يمكننا أن نأخذ الصلاة كمثال على المحكم والمتشابه حيث جاء الأمر بإقامتها في هذه الآية المحكمة:  ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ، إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ (النساء 103) ثم بيّن في آيات مفصلة أخرى أوقاتها وركوعها وسجودها وقيامها وقعودها والطهارة اللازمة لها من الوضوء والغسل واتخاذ الزينة واستقبال القبلة، حتى الرخص المبنية على الأعذار كالقصر في الصلاة وغيره. وهذه الآيات جاءت مفصلة للشكل الذي ينبغي أن تكون عليه الصلاة إلا أن كل واحدة محكمة في بيان الركن الذي نصت عليه.

ونتيجة القول؛ فإن الآياتِ القرآنيةَ التي تتناول موضوعا معينا تنقسم فيما بينها إلى محكمات هن أمٌّ في الموضوع ومتشابهات تفصل تلك المحكمات. فالمتشابهة في موضوعٍ ما قد تكون محكمة في موضوع آخر؛ لأنّ الآيات القرآنية كلها محكمات من ناحية ومتشابهات من ناحية أخرى. ولنأخذ على ذلك مثالًا لآية متشابهة في موضوع الحج وهي قوله تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ (الحج 28) فهذه الآية هي من الآيات المفصلة للحج لكنها قد تكون محكمة إذا اتُخذت دليلًا على أن الأعمال التي يفعلها المؤمن ابتغاء وجه ربه ورضائه لا يمنع من أن تكون ذات منفعة له وأن تعود عليه وعلى المجتمع بالنفع الدنيوي.

ويشير تعالى إلى من يمكن له التثبت والوصول إلى هذه العلاقات الثنائية بين الآيات بقوله: «كِتَابٌ فُصِّلَتْ اٰيَاتُهُ قُرْاٰنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ» (فصلت، 41 / 3). فالوصول إلى الآيات المثاني المتشابهات هو عمل قوم يعلمون. وهذا يسلط الضوء على ضرورة أن يكون فهم الكتاب جماعيا، أي يجتمع لفهمه أناس يتدارسونه ويتدبرون آياته، ويجب أن يكون المجتمعون مؤهلين يعلمون أصول تفصيل الكتاب واللسان العربي والمسألة المتناولة في الآيات. فلو كان موضوع الآيات متعلقا بالخلق فلا بد أن يكون مع المجتمعين متخصصون في الطب وعلم الأحياء، وإن كان في الفلك فلا بد أن يكون فيهم الفلكي وهكذا.

وأما عن كيفية معرفة المحكم والمتشابه فهو أمر ليس صعبًا فقد قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ (القمر 17) وقال أيضًا ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ (محمد 24)

والإنسان المدَّكر والمتدبر هو العائد الذي يعود إلى الكتاب لفهمه كما بينه رب العالمين بنفسه فلم يترك مهمة بيانه حتى لرسوله فقال تعالى ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ، إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ، فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ (القيامة 16_ 19) وقوله تعالى (ولا تعجل به) ليس معناه تعجل الرسول في تلاوة آياته كما يقول بعض المفسرين. بل إن الله تعالى يعلِّم رسوله ألا يتعجل بالحكم بآيات الله قبل أن يتم نزول كل الآيات المتعلقة بالموضوع من كل جوانبه بدليل قوله تعالى ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَىٰ إِلَيْكَ وَحْيُهُ، وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ (طه 114). فالله تعالى يرشد رسوله لأصول التعلم والعلم في الكتاب من التزام الصبر والنظر في كل الآيات التي تتحدث في ذات موضوع قبل الحكم عليه.

لقد بين تعالى أصول فهم كتابه في آيات كثيرة، ومنها التي سقناها آنفا، وتلك الآيات هي الأساس الذي ينبغي لكل مسلم اعتماده للوصول إلى مراد الله تعالى من كتابه.

للمزيد حول الموضوع ننصح بقراءة مقالة أ.د عبد العزيز بايندر (مفهوم المحكم والمتشابه والمثاني والتأويل) على هذا الرابط https://www.hablullah.com/?p=1228

وكذلك مشاهدة حلقة (مفهوم الحكمة في القرآن الكريم) على الرابط التالي https://www.hablullah.com/?p=5618

ــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]  ليس التشبيه لإفادة اشتراك الشيئين ببعض الصفات، ولكنه أسلوب يستعمل لإفادة القوة والتأثير في التعبير. مثل قولهم “رجل كالأسد”، أو “ولد كالثعلب”. لإفادة الشجاعة في الأول والمكر في الثاني. وليس الرجل شبيها بالأسد ولا الولد بالثعلب، ولا يلزم أن يكون بينهما التشابه.

Your Header Sidebar area is currently empty. Hurry up and add some widgets.